رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنت أتجول يوم 15 يوليو من السنة الماضية في شارع (سان ميشال) وفي شارع (سان جرمان) في باريس وأنزل الحي اللاتيني الذي قضيت فيه سنوات رائعة من الدراسة في جامعة السربون وهو الحي الذي خلده المرحوم طه حسين وخصص له الأديب اللبناني الصديق سهيل إدريس رحمه الله روايته المعروفة بنفس الاسم. وتأخذني باريس كعهدي بها في رحلتي مع الكتب والمجلات واللوحات وأنغام الموسيقى وينهمر مطر خفيف دافئ على صفحة نهر السين وأكتشف فجأة بأن هذا اليوم ليس كالأيام الأخرى بالنسبة للفرنسيين فهو يوم الذكرى التسعمائة ونيف لدخول جيوش الحملة الصليبية الأولى لبيت المقدس وأكتشف كذلك أنني أستحي من نفسي لأني نسيت ويقل خجلي أو يزيد حين أعلم بأن العالم الإسلامي كله أصيب بفقدان الذاكرة خاصة في عامي 2023 و2024 حيث نشهد على حرب إبادة لغزة وهي حرب لا بد أن تذكرنا بما وقع للقدس الشريف عام 1099 فلا منظمة الاتحاد الإسلامي أقامت للذكرى ندوة ولا إحدى جامعاتنا ولا المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة نظمت مؤتمرا ولا ناشر مسلم أصدر كتابا ولم أرَ حتى مجلة ثقافية مسلمة خصت هذا الحدث الجلل بعدد خاص ولا فضائية عربية أحيت الذكرى لكن الذي أراه في باريس في هذا اليوم عكس الغفلة العربية الإسلامية تماما: مجلة (هستوريا) خصصت عددها للذكرى وقدمت الأحداث التاريخية بقراءتها وكذلك مجلة (دراسات مسيحية) ومجلة (ملفات التاريخ) وكذلك صحيفة (الفيجارو) في عددها الصادر يوم الخميس تحت عنوان: يوم 15 يوليو 1099 ــ منذ تسعمائة عام ونيف اقتحم الصليبيون القدس.. جاء يوم 15 يوليو 1099 بعد حصار ضربه الصليبيون بقيادة حاكم منطقة لورين الفرنسية (جود فروا دوبويون) على بيت المقدس وكانت أولى القبلتين وثالث الحرمين تؤوي أهلها المسلمين وقلة من اليهود محتمين بلواء الإسلام وكانت عاصمة فكرية تعج بالتسامح وتحمل عبقرية الشرق الخالدة حيث جمعت الأديان السماوية في رحابها وحولها بتلك الروح التي تركتها فيها العهدة العمرية (نسبة إلى الخليفة الثاني سيدنا عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه). حاصر الصليبيون الهمج مدينة القدس شهرين كاملين حتى تمكن أحد قادتهم (رايمون دوسان جيل) من أخذ إحدى قلاعها وتسريب كتيبة من جيشه داخل أسوار المدينة المقدسة ثم فتحت أبوابها وأعلن (جود فرواد دوبويون) بأن القدس مدينة مفتوحة وبأن دماء المسلمين رجالا ونساء وأطفالاً مهدورة كما هو الحال الكارثي اليوم وجرت مذبحة رهيبة ووحشية من أفظع مذابح التاريخ حتى أن مؤرخي الصليبيين أنفسهم وصفوا تلك الأيام الثلاثة 15 و16 و17 يوليو 1099 بأنها أحلك أيام شهدتها الحروب الصليبية وقالت المؤرخة (ريجين برنود) إن الوحشية الصليبية في قتل المسلمين واليهود خلال تلك الأيام الثلاثة لم تضاهها أية وحشية كانت أياما من الرعب والإرهاب والدماء. أما مؤرخو الإسلام فقد اتفقوا على أن شوارع القدس كانت أنهارا من الدماء تبلغ الركبة وحتى صحيفة (الفيجارو) تساءلت في مقالها: كيف نفهم هذه الوحشية البربرية من رجال حملوا الصليب وحركتهم في الأصل نوازع دينية؟ وقبل أربع سنوات من ذلك اليوم المشؤوم وفي عام 1095 انطلقت الحملات الصليبية بعد خطاب ألقاه البابا يوربان الثاني في كاتدرائية (كليرمون) بفرنسا لحث ملوك أوروبا المسيحيين على إعداد العدة لغزو المشرق الإسلامي في عقر داره بحجة (تخليص أكفان السيد المسيح من أيدي المسلمين) وكانت مدينة بيت المقدس منذ عهد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في أيدي المسلمين وكان المسلمون يسمحون بممارسة المسيحيين واليهود لشعائرهم وكانت كنيسة روما تغار من تعاظم كنيسة القسطنطينية وتود تحجيمها ولذلك أصابت المذابح كذلك المسيحيين الشرقيين الأرثوذكس بنفس الفظاعة التي مورست ضد المسلمين واليهود. ويمر قرنان من 1095 إلى 1271 وخلالهما يستعيد صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس بعد تسعين عاما من نشأة الممالك الصليبية فيها ويغلق ملف الحروب الصليبية بموت القديس لويس التاسع ملك فرنسا في قرطاج بتونس عام 1271 ويفتح محمد الفاتح معقل المسيحية الشرقية القسطنطينية عام 1453 وتتواصل الخلافة الإسلامية إلى يوم 24 مارس 1924 أي منذ قرن حين يتآمر يهود الدونمة وجماعة الترقي العلمانية الطورانية التركية على الخلافة فتسقط ليتقاسم الصليبيون الجدد تركة الرجل المريض نفس رجل اليوم الهزيل قبل أن تهب حركة الطوفان الإسلامية لتغير الموازين وتقلب المعادلات وترتسم ملامح مصير أفضل للمسلمين.
أفول أوروبا ورسائل التدافع
التدافع سُنّةٌ من سنن الاجتماع الإنساني، وقانونٌ يحكم حركة التاريخ كما تحكم قوانين الطبيعة حركة الكون. فلا استقرار... اقرأ المزيد
117
| 08 فبراير 2026
سقوط الأقنعة الأخلاقية
شكّلت قضية رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكبر الفضائح الأخلاقية والقانونية في العصر الحديث، بعدما كشفت... اقرأ المزيد
231
| 08 فبراير 2026
شكراً للعيون الساهرة
دعوني أولاً أعبر عن تقديرنا الكامل لكل الجهود المبذولة من وزارة الداخلية في تتبع كل ما من شأنه... اقرأ المزيد
141
| 08 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2136
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
957
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
735
| 04 فبراير 2026