رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. هلا السعيد

مساحة إعلانية

مقالات

237

د. هلا السعيد

وراء «أنا بخير»… حكاية تستحق أن تُسمع

12 أكتوبر 2026 , 12:00ص

كم مرة قلنا «أنا بخير» ونحن نحتاج إلى من يسألنا مرة أخرى، باهتمام أكبر ووقت أطول؟ وكم مرة ابتسمنا حتى لا نشرح ما يؤلمنا، أو انشغلنا بتفاصيل يومنا لنؤجل مواجهة تعب يسكن داخلنا؟ نمضي بين مسؤولياتنا، نطمئن على الجميع، ونتذكر مواعيد العمل واحتياجات البيت، لكننا قد ننسى أن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا: كيف نشعر حقًا؟

في اليوم العالمي للصحة النفسية، نحتاج أن نتوقف عند هذا السؤال، وأن نمنح الإجابة مساحة صادقة. قد نكون ممتنين لما نملك، ومع ذلك نشعر بالإرهاق. قد نحب أهلنا وعملنا، لكننا نحتاج إلى الراحة. وقد تبدو حياتنا مستقرة من الخارج، بينما نخوض في داخلنا قلقًا لا يراه أحد. مشاعرنا لا تحتاج إلى مقارنة بمعاناة الآخرين حتى تستحق الاهتمام.

تعلّم كثيرون منا كيف يعتنون بما يراه الناس؛ مظهر مرتب، وبيت جميل، وواجبات تؤدى في موعدها. أما ما يحدث في الداخل، فكثيرًا ما نؤجله إلى وقت لا يأتي. نقول: عندما ينتهي هذا الأسبوع سأرتاح، وعندما تنتهي هذه المشكلة سأهتم بنفسي. ثم تمضي الأيام، ونكتشف أننا أصبحنا نؤدي كل شيء بقليل من الطاقة وكثير من الصمت.

الاهتمام بصحتنا النفسية يبدأ حين ننتبه إلى هذا التعب، ونتعامل معه برفق وجدية. أن نعرف متى نحتاج إلى استراحة، ومتى نخفف التزاماتنا، ومتى نقول: «لا أستطيع الآن». أن نسمح لأنفسنا بالحزن دون خجل، وبالحديث دون خوف من أن يُساء فهمنا. لسنا مطالبين بأن نكون متماسكين طوال الوقت، ولا بأن نجد وحدنا إجابة لكل ما يربكنا.

وفي علاقتنا بالآخرين، قد يصنع الإصغاء فرقًا لا تصنعه النصائح الكثيرة. بعض الناس يريدون أن يكملوا حديثهم دون مقاطعة، وأن يُصدّق تعبهم دون استهانة. كم تبدو عبارة «أنا أسمعك» دافئة حين تتبعها أذن منصتة وقلب حاضر. وكم تؤلم عبارة «أنت تبالغ» إنسانًا احتاج إلى شجاعة طويلة حتى يتكلم.

ولننظر حولنا قليلًا؛ إلى الأم التي تعتني بالجميع، والطالب الذي يخشى خيبة التوقعات، والموظف الذي يخفي قلقه خلف انشغاله، ومقدم الرعاية الذي نادرًا ما يجد من يسأله عن حاله. حتى الشخص الذي اعتدنا قوته يحتاج إلى من يسانده. الاعتياد على عطائه لا ينبغي أن يجعلنا ننسى احتياجاته، أو نفترض أنه لا يتعب.

كما أن العناية بالنفس لا تقع على الفرد وحده. نحتاج إلى بيوت تسمح بالكلام، ومدارس تحترم المشاعر، وبيئات عمل تراعي طاقة الإنسان، وعلاقات لا تجعل المحبة مشروطة بالصمت والتحمل. حين يصبح التعبير عن الاحتياج آمنًا، يصبح طلب الدعم أسهل، ويقل شعور الإنسان بأنه يواجه أيامه الصعبة وحده.

ولنعتنِ بصحتنا النفسية، يمكننا أن نبدأ بخطوات بسيطة نداوم عليها:

•    نمنح النوم وقتًا منتظمًا، ونعتني بغذائنا، ونختار حركة يومية تناسب قدراتنا؛ فالجسد يحتاج إلى الرعاية وسط انشغالنا.

•    نخصص وقتًا للراحة ولنشاط نحبه، ونخفف متابعة المحتوى الذي يستنزفنا، ونبتعد عن مقارنة حياتنا بما يعرضه الآخرون.

•    نتحدث مع شخص نثق به، ونطلب المساندة، ونضع حدودًا واضحة لالتزاماتنا، ونتقبل أن طاقتنا تختلف من يوم إلى آخر.

•    نعامل أنفسنا برحمة عندما نخطئ، ونحتفي بخطواتنا الصغيرة، ونترك في يومنا مساحة للهدوء والتأمل وما يمنحنا الطمأنينة.

•    ونطلب مساعدة مختص عندما يستمر الضيق أو يؤثر في حياتنا؛ فهذه العادات تدعمنا، لكنها لا تغني عن الرعاية المتخصصة عند الحاجة.

صحتنا النفسية تستحق اهتمامًا يوميًا، ومساحة نحميها وسط الزحام؛ لأننا نستحق أن نعيش أيامنا بقدر أكبر من التوازن والرحمة والأمان. وأن نجد، حين نتعب، يدًا تساندنا وقلبًا يسمعنا دون أحكام.

مساحة إعلانية