رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. هلا السعيد

مساحة إعلانية

مقالات

282

د. هلا السعيد

كبرنا.. وبقي صوت المعلم في داخلنا

05 أكتوبر 2026 , 12:00ص

الخامس من أكتوبر ليس مجرد تاريخ في التقويم؛ إنه يوم يعيدنا إلى مقاعد الدراسة، ويستحضر في ذاكرتنا وجوه معلمين مخلصين، تركوا فينا أثرًا بكل حرف علّمونا إياه، وكل حكمة غرسوها في عقولنا، وكل درس فتح أمامنا بابًا لفهم الحياة. وبين تلك الوجوه، يبقى في حياة كل واحد منا معلم لم يغادر الذاكرة، مهما مرّت السنوات. قد ننسى عنوان الدرس وموعد الاختبار، لكننا لا ننسى من منحنا الثقة حين ترددنا، ومن رأى فينا قدرة لم نكن نراها.

ومن هذا الأثر يأتي احتفاؤنا باليوم العالمي للمعلم؛ احتفاءً بالإنسان الذي يصاحب البدايات بصبر وإيمان. فقبل أن يصبح الطبيب طبيبًا، والمهندس مهندسًا، والباحث صاحب اكتشاف، كان هناك معلم يشرح ويشجع، ويفتح أمام طلابه نافذة على العالم. وهكذا يمتد أثره من بناء الإنسان إلى نهضة المجتمع.

فالمعلم الحقيقي يمنح المعرفة معنى، ويربطها بالحياة، ويتيح للطالب أن يسأل ويبحث ويختلف باحترام. يعلّم أبناءنا كيف يفكرون، وكيف يتحملون مسؤولية اختياراتهم. وبكلمة عادلة وموقف رحيم، يبني شعورًا بالأمان، ويجعل الخطأ فرصة للتعلم، والمحاولة خطوة تستحق التقدير.

ويتعزز هذا الأمان حين يشعر الطالب بأن معلمه يفهمه ويستجيب لاحتياجاته. فالطلاب يختلفون في قدراتهم وطرق تعلمهم؛ بعضهم يحتاج إلى وقت أطول، وبعضهم إلى شرح بصري أو تجربة عملية أو دعم في التواصل. وحين يكيّف المعلم طريقته، يمنح الجميع فرصة للمشاركة، ويؤكد أن لكل طالب مكانًا ودورًا داخل الصف.

ومن موقعي في ميدان التربية الخاصة، أعرف قيمة لحظة يعبّر فيها طفل عن احتياجه، أو يشارك زميله نشاطًا، أو ينجز مهمة باستقلالية. خلف هذه اللحظات إعداد وملاحظة وتعاون ومحاولات متكررة، قد لا يراها الآخرون، لكن الأسرة تلمس أثرها في تفاصيل يومها. فكل تقدم، مهما بدا صغيرًا، قد يفتح أمام الطفل بابًا جديدًا، ويمنح أسرته أملًا يتجدد مع كل خطوة.

ولمعلمي الأشخاص ذوي الإعاقة تقدير خاص؛ فهم يحتفون بإنجاز كل طالب وفق مسيرته، ويساعدونه، بالشراكة مع أسرته والأخصائيين، على تجاوز عوائق التعلم والمشاركة. ويزداد أثرهم حين يصغون إلى صوته، ويحترمون اختياراته، ويجعلون كرامته واستقلاليته أساسًا لكل هدف ونشاط.

ولكي يواصل المعلم رسالته، يحتاج بدوره إلى المساندة: تدريب مستمر، وأدوات مناسبة، وبيئة عمل تحترم جهده، ووقت للتخطيط والتطوير. كما يحتاج إلى علاقة مع الأسرة تقوم على الثقة والحوار، وتبادل الملاحظات، وتحمل المسؤولية المشتركة عن تقدم الطالب.

ومع تسارع التقنيات، تتجدد مسؤولية المعلم في توجيه التعلم وتنمية التفكير الواعي. فالأدوات الرقمية توسّع فرص المعرفة، لكن اختيارها يحتاج إلى حكمة تربوية، وتبقى العلاقة الإنسانية بما تحمله من إصغاء وتشجيع وعدل أساسًا لشعور الطالب بالانتماء والثقة.

لذلك، لنجعل امتناننا مواقف نعيشها: نحترم المعلم أمام أبنائنا، ونقدّر وقته، ونتعاون معه، ونناقش اختلافاتنا بمسؤولية. وندعم تطوره وإبداعه، مع الحفاظ على حق الطالب في تعليم آمن وجيد. فدعم المعلم استثمار في أبنائنا ومستقبل مجتمعنا.

إلى كل معلم ومعلمة: ربما لا تعرفون أين وصلت كلماتكم، ولا كم حلمًا حفظته ثقتكم، ولا كم طالبًا استعاد شجاعته بسببكم. لكن أثركم يعيش في اختياراتنا وعلاقاتنا وعطائنا.

كبرنا.. وبقي صوتكم في داخلنا؛ نستعيده حين نحتاج إلى الشجاعة لنحاول مجددًا، أو ننقل إلى أبنائنا حكمة تعلمناها منكم. كل عام وأنتم موضع تقدير، وتجدون من الدعم والإنصاف ما يليق برسالتكم.

ويظل قول أمير الشعراء أحمد شوقي أبلغ ختام:

قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلَا   كَادَ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَا

مساحة إعلانية