رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

روضة مبارك راشد العامري

مساحة إعلانية

مقالات

717

روضة مبارك راشد العامري

حينما تُصبح الأرض ذاكرةً لا تُمحى

20 مارس 2025 , 02:00ص

في مشهد صغير لكنه يحمل الكثير من المعاني، وقف الناطق باسم حركة حماس أمام الصحفيين، وبابتسامة خفيفة، أجاب على مقترح أمريكي بتهجير الفلسطينيين. لم يكن الموقف مجرد تصريح سياسي، بل كان انعكاسًا لحالة تاريخية تعيشها الشعوب التي فُرض عليها التهجير القسري عبر العصور. كيف يمكن لشخص أن يبتسم في وجه اقتراحٍ كهذا؟ هل كانت ابتسامة ثقة أم سخرية من واقع يعيد نفسه؟

*ليس التهجير القسري حديثَ عهد، بل هو قصة تتكرر منذ قرون، بأوجه مختلفة وأساليب متعددة. حينما سقطت غرناطة، كانت الأسر الأندلسية تجوب شواطئ المتوسط بحثًا عن أرض جديدة تؤويها. وعندما استيقظت نساء البوسنة على أصوات الحرب، أدركن أن ما يحدث هو اقتلاع من الجذور. أما فلسطين، فقد عرفت التهجير منذ وعد بلفور، حين بدأ السكان يتركون قراهم قسرًا، إما خوفًا من المذابح أو تحت تهديد السلاح. ففي كل مرة، يكون للتهجير نفس الأثر: طفل يحمل مفتاح بيتٍ قد لا يعود إليه أبدًا، امرأة تخبئ حفنة تراب في ثوبها، ورجل ينقش على ذاكرته آخر صورة لمنزله وهو يبتعد عنه.

*التهجير ليس مجرد مغادرة مكان، بل هو فقدان للهوية والمستقبل. في شوارع بيروت، تسمع اللهجة الفلسطينية ممزوجة بصوت المآذن، وفي مخيمات الأردن، تجد الأسماء تحمل أثر المدن التي غادرتها الأجيال الأولى. حتى في أوروبا، حيث اللاجئون الفلسطينيون بنوا حيواتهم الجديدة، بقيت صورة المسجد الأقصى معلقةً في بيوتهم، وكأنها نافذة تطل على الماضي. لكن هل تساءلنا عن ماذا يحدث عندما يُطلب من شخص أن يغادر أرضه دون عودة؟ ماذا يعني أن تتحول الهوية إلى ذكرى؟ إن اقتراح التهجير، مهما غُلِّفَ بالوعود السياسية، لا يعني إلا اقتلاع شعبٍ بأكمله، وإلقائه في المجهول.

*لم تكن تلك الابتسامة التي ظهرت في الفيديو ابتسامة استخفاف، بل كانت تحديًا لفكرة التهجير ذاتها. أن تبتسم في وجه من يريد اقتلاعك، يعني أنك مدرك لعمق جذورك في الأرض، وأنك تعرف أن الوطن ليس مجرد بقعة جغرافية، بل هو إحساس يعيش في القلب ولا يمكن لأحد أن يسرقه منك. فالفلسطيني الذي هُجِّرَ من يافا في 1948، أنجب جيلًا لا يزال يتذكر أسماء الشوارع وأماكن النوافذ في البيوت القديمة. والشاب الذي وُلد في المنفى لا يزال يحتفظ بمفتاح منزل جدّه، رغم أنه لم يره من قبل. هذه ليست مجرد رموز، بل هي دليل على أن الوطن لا يُمحى بالتهجير، بل يزداد حضورًا في الذاكرة والوجدان.

*عزيزنا القارئ المثقف، ليس التهجير مجرد حدث...بل هو امتحان قاسٍ للذاكرة والهوية. كل محاولة لاقتلاع شعبٍ من أرضه تخلق موجة جديدة من الصمود والتحدي. فالتاريخ يُثبت أن الشعوب التي تُهجر، تعود بطريقة أو بأخرى، حتى لو استغرق الأمر عقودًا. وحينما يُطرح التهجير كحل، يكون الرد بسيطًا: الأرض ليست للبيع، والهوية لا تُمحى، والمفتاح الذي يحمله الفلسطيني في جيبه ليس مجرد قطعة معدنية، بل هو وعدٌ صامتٌ بأن العودة ليست مجرد حلم، بل حقيقة تنتظر التحقق.

مساحة إعلانية