رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على الرغم من الانطباع المباشر الذي قد يتشكل لدى القارئ حول جدوى التساؤل ودوافعه: مستندًا لضخامة حجم الدمار على كافة الصعد، وبأن المتضرر الأساسي من هذه الحرب هي فلسطين بالمجمل، وهي كذلك بكل أسف، إلا أن ذلك لا يمنعك عزيزي القارئ أن تتصور بأن نتنياهو أسهم في جعل هذا التساؤل يُطرح أيضًا إسرائيليًا، ولم يقف عند هذا الحد، بل امتد فضاؤه هذا إقليميًا ودوليًا. هذه ليست مبالغة - اقصد مستويات التساؤل - فحالة النشوة والبلطجة والتمرد التي يمارسها نتنياهو لا تتوقف على الرغم من الإجماع بين كل ما ذكر من مستويات على الأهمية والحاجة الملحة لوقف الحرب المُستعرة على فلسطين: سواء كانت بشكلها الحالي كحرب معلنة وظاهرة على القطاع، أو كحرب يومية «تصفوية» إحلالية تجريدية تمارس بحق الضفة الغربية، أو كحرب حقوقية إدماجية موجهة ضد فلسطينيي الداخل.
* لا يُمكن للعقل أو القلب أن يرضيا بتعطيل الأدوات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية وحتى العسكرية وانتظار ظروف مشابهة كتلك التي احاطت بإسحاق رابين للتخلص من نتنياهو لوقف الإبادة الجماعية التي يتعرض لها اهلنا في فلسطين. إن كلفة الانتظار عالية، سواء على المواطن الفلسطيني أو على المقاوم الفلسطيني، مع القبول بصحة وصف الأول بالثاني، ولكن، ولأغراض تناول الموضوع بمصداقية، تمت محاولة الفصل لبيان ذلك الأثر على المقاومة والحركات التحررية الفلسطينية في الميدان وعلى المواطن الفلسطيني الشجاع الأعزل.
* يؤدي استمرار الحرب الظالمة على فلسطين - قطاع غزة إلى إنهاك المقاومة وتآكل قدرتها على الصمود لآجل طويل، كما ينزع عنها بكل أسف الموقف التفاوضي الصلب والذي يحقق أدنى المتطلبات على الاقل بوقف الحرب والحفاظ على ما تبقى من بشر وحجر. للأسف، لا تعيش المقاومة الآن أجمل أيامها ولا نتمنى لها ولنا هذا، فهي حاليًا تعيش مرحلة ذاتية خالصة من حيث الإنتاج وإدارة المعركة، وتواجه محدودية في الخيارات، إلى جانب إغلاق الجبهات: لبنانيًا بشكل مطلق ويمنيًا بشكل جزئي.
* فيما يؤدي التأخير في التوصل لاتفاق إلى ضرر أبلغ مما هو بالغه حاليًا بحق المواطن الفلسطيني الأعزل المُطالب بالثبات والصمود دون وجود ما يسند ذلك إلا في حالات ضيقة إنسانيًا ودبلوماسيًا. فالإنسان له قدرات محدودة على الصمود والمقاومة، فعلى الرغم من إيماني باستثنائية صمود الفلسطيني، إلا أن قدرته على الصمود تتقوض بفقدان الغذاء والماء والمأوى نتيجة تجفيف منابع كل ما هو إنساني وذو منشأ دولي، وخفوت الأصوات الداعمة له تلك التي تتعرض لمحاولة قهر اعلامي وسياسي واقتصادي، وربما عسكري، مستثنى من ذلك محاولات جادة دبلوماسيًا تسهم فيها كل من قطر والأردن ومصر والسعودية. فلا يمكن ولا يكفي على الإطلاق تبني سردية «لا للتهجير» بمعزل عن وسائل دعم وإسناد تسهم في تثبيت صمودهم، فما يتعرضه له الفلسطينيون هو أكثر من مجرد حرب محدودة و»مسقوفة» بتحقيق جملة أهداف، إنها حرب تسعى لتصفية القضية والتخلص من كل ما هو فلسطيني.
*على الرغم من الضرر الذي وقع بشكل مباشر على فلسطين فنحن مأخوذين بالسياق أيضًا، إن تقزيم صورة العربي والمسلم المُقصر في نصرة أخيه، هي أيضًا ضرر بالغ قد سوّد صورتنا وزادها قتامة في نظر الشعوب المقابلة، كما أن عدم قدرتنا على النصرة لأسباب عديدة قد أورث في قلوبنا سكونًا، وجرحًا لا يبرأ، فكيف لنا ممارسة أدوار الفروسية والشجاعة والنصرة في ظل هذا التقصير. وبذات الوقت لا يمكن استثناء مجتمع الكيان من آثار تلك الحرب، فالضرر طال ايضًا الداخل الإسرائيلي: نتنياهو لم يقصر أيضًا في هذا المستوى: إسرائيل تشهد مرحلة التراجع على كافة الصعد بسبب مواقفه المتعجرفة من هذه الحرب فلقد كان وما زال السبب الوحيد أمام أي تسوية محتملة معبرًا عن لاءاته الأربع خلال مفاوضات باريس 2: لا لوقف إطلاق النار، لا لانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، لا لعودة النازحين الفلسطينيين إلى شمال القطاع، ولا لصفقة تبادل الأسرى.
*ولقد شكلت هذه المواقف تحديات عديدة لإسرائيل: من حيث الديموغرافيا والهجرة؛ حيث شهدت إسرائيل في عام 2024 انخفاضًا في معدل النمو السكاني بنسبة 1.1%، مقارنة بـ1.6% في عام 2023؛ من حيث الضغوط الاقتصادية: حيث خصصت ميزانية إسرائيل لعام 2025 مبلغًا قياسيًا قدره 756 مليار شيكل، منها 136 مليار شيكل لسداد الديون الوطنية، وخصصت حوالي 110 مليارات شيكل للقطاع الدفاعي الذي يستنزف بشكل أساسي في الحرب على غزة؛ ومن حيث تآكل البنية التحتية: أثرت الصراعات المستمرة، خاصة الحرب على قطاع غزة، على البنية التحتية والمجتمع بشكل عام وخاصة سكان المناطق الشمالية؛ أما من حيث الانقسام الاجتماعي والسياسي: حيث شهدت إسرائيل ارتفاعًا في حدة الانقسامات والتصدعات العميقة إلى درجة غير مسبوقة، عكست عمق التناقضات الاجتماعية والعرقية وحتى الموقفية تجاه الحرب، مما أثر ولا يزال على استقرار المجتمع.
* لقد أسهمت هذه الأضرار في ردة فعل موحدة، وإن كان بعضها ظاهريا، فتجد أن الجميع يضغط على نتنياهو لوقف الحرب: الداخل الإسرائيلي على مستويات منظمة كقادة وضباط حاليين وسابقين في الأجهزة الأمنية والعسكرية يقدمون عرائض لوقف الحرب؛ الشارع الإسرائيلي متقد منذ بداية الحرب؛ الدول العربية والإسلامية؛ الرأي العام العالمي؛ الدول الأوروبية وروسيا والصين، والولايات المتحدة والمحكمة الدولية والأمم المتحدة، والنتيجة: نتنياهو لا يستجيب! فكيف يمكن وقف عجرفته وصلفه؟ إن الرغبة في الحصول على نتائج مختلفة عما هي الآن، يتطلب تغييرًا في الأدوات والإستراتيجيات من حيث الشكل والمضمون والحدة. يفيض صدري ألمًا وخلافه ولا أستطيع البوح بكل مكنوناته هنا، ولكني أقول بأن الدول العربية والإسلامية قادرة على وقف نتنياهو ولكنها تحتاج لإجماع مواقفها، على الأقل، حول هذا الموضوع، وأنا كفيل بأن الحرب ستتوقف خلال ساعات.
* ما يلزم لتحقيق ذلك هو حالة من تبني خطاب ولغة وسلوك سياسي واقتصادي جديد، والإبقاء على الابواب مع المجتمع الدولي مفتوحة. من حيث الخطاب، تحتاج التصريحات سواء من قبل جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجلس التعاون الخليجي، بأن تصاغ هذه البيانات بحدة أكثر تفتح باب التأويلات المختلفة على مصراعيه، على أن يرافق ذلك مصداقية مجدولة مع تسلسل سياقي واضح من التوجيه باتخاذ مواقف إسلامية وعربية موحدة في ظل استمرار الحرب، بما يوازي ذلك من ضغوط اقتصادية وخاصة على الداعمين لنتنياهو، أن مجرد الطرح بتجميد أي مستقبل اقتصادي لاتفاقيات شراكة وربطها بممارسة أدوار أكبر من الضغط على إسرائيل من شأنه أن يأتي بنتائج إيجابية، ويضاف لذلك الدول العربية المرتبطة مع إسرائيل بمعاهدات سلام، يتوجب عليها التنسيق واتخاذ مواقف موحدة من شأنها دفع نتنياهو للتفكير بجدية في مدى عقلانية مواقفه ودفعه لإخراج ميزان الكلفة والفائدة ليختار على اساسه. بظني، دون هذه الخطوات سنبقى ندور في فلك متاهة استخدام مصطلح «المجتمع الدول» والذي قد يريح البعض وذلك بإلقاء اللوم عليه، في حين أنه قد ينسى أحيانًا بأنه جزء أساسي منه.
من حوّل القضية الفلسطينية إلى حملة للتعاطف مع غزّة؟ (1/4)
ليس بمقدور هذا المقال وحده أن يجيب بالتفصيل على هذا السؤال؛ نظرًا لتعقيدات العوامل والبيئات والفواعل وغيرها من... اقرأ المزيد
852
| 06 يناير 2025
فلسطين بخير.. مرحلة جديدة في العام 2025
بالنسبة لي، لا تُعتبر الكتابة عن فلسطين شأنًا سياسيًا بقدر ما هي قضية عقائدية وتاريخية وحقوقية، كما أن... اقرأ المزيد
1620
| 23 ديسمبر 2024
في اليوم الوطني: العلاقات القطرية الأردنية في أفضل حالاتها
هناك تشابه إلى حد كبير بين ظروف نشأة واستقلال دولتي قطر والمملكة الأردنية الهاشمية. فالحماية والانتداب البريطاني كانا... اقرأ المزيد
1203
| 18 ديسمبر 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5295
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4908
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
2985
| 24 سبتمبر 2026