رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- الموارد لا تتحول إلى نهضة إلا بقيادة وشعب ومؤسسات وإرادة
حين تضطرب المنطقة، وتشتعل الأزمات، وتعلو أصوات السياسة والحرب، تنكشف للناس حقائق كانوا يمرون بها مرور العابرين ويتعاملون معها كأنها مسلمات. وتعود بعض الأمكنة، التي ظنها البعض مجرد أسماء على الخرائط، لتظهر في حجمها الحقيقي، لا كما تبدو، بل كما تؤثر. وهكذا عادت رأس لفان إلى ذهني، لا كمكان أعرفه وأحبه فحسب، بل كرمز وطني كبير، أدركت من جديد أن قيمته تتجاوز حدود قطر إلى فضاء العالم أجمع.
ولعل القارئ يذكر أنني كتبت من قبل نصين عن ارتباطي العاطفي برأس لفان، ذلك الموضع العزيز الذي أملك فيه بيتًا ألوذ به كلما أردت صفاء النفس، وأعود إليه كلما اشتقت إلى مكان يجمع بين السكينة والجمال والوفاء. وليس البيت عندي جدرانًا وسقفًا، بل وعاء للذكريات، ورفيقًا لسنوات لا تُنسى، شهد ساعات تأمل طويلة، واحتضن صفحات كثيرة كتبتها هناك، حتى إن عددًا من كتبي وُلد بين جدرانه، وفي مقدمتها كتابي (على قدر أهل العزم) الذي قُدّر له أن يُترجم إلى اثنتي عشرة لغة، فخرج من رأس لفان حاملًا صوت واحد من أبناء قطر إلى جموع القراء في أنحاء العالم.
غير أن رأس لفان، في نظري، ليست مجرد منطقة صناعية، ولا اسمًا يرتبط في الأذهان بالطاقة وحدها، بل هي صورة مكثفة لروح قطر نفسها؛ حيث يلتقي البحر بالصحراء، ويلتقي الماضي بالمستقبل، ويلتقي جمال الطبيعة بعظمة الإنجاز.
فالبحر، في وجدان أهل هذه المنطقة، لم يكن يومًا مجرد ماء يجاور اليابسة، بل كان حياة كاملة. فقد خاض غِمَار أمواجه الآباء، ومنه طلبوا الرزق، وفي أعماقه غاصوا بحثًا عن اللؤلؤ، وعلى شواطئه انتظر الأحبة عودة السفن. وكان البحر مدرسة في الصبر والشجاعة والانضباط، ومن رَحِمَه وُلدت أغانٍ وأهازيج وقصائد لا تزال تسكن الذاكرة الخليجية إلى اليوم.
أما الصحراء، فلم تكن فراغًا قاسيًا كما يتصور من لم يعشها، بل كانت فضاءً للتربية على الجلد والكرامة والاعتماد على النفس. تشكلت فيها قيم النجدة والوفاء والكرم، وفي اتساعها تعلّم الإنسان معنى الحرية، وفي قسوتها تعلّم كيف ينتصر على الشدة. ومن بيئتها خرج شعر الحكمة، وأمثال العرب، وتجارب الصبر الطويل.
البحر والصحراء إذن لم يكونا مجرد مشهد طبيعي، بل كانا صانعي الإنسان في هذه الأرض، ومصدر رزقه، ومُلهمَي وجدانه، وحاضنَي تاريخه.
ثم شاء الله أن يعود البحر والصحراء، بعد أن كانا مصدرَي رزق الأجداد، ليكونا مرة أخرى مصدر نهضة الأحفاد. ففي الأعماق البحرية، وتحت طبقات الأرض، كان الغاز الطبيعي، هذه الثروة التي أصبحت من أهم أعمدة الحضارة الحديثة، وجعلت من رأس لفان اسمًا حاضرًا في كل حديث جاد عن الطاقة والاقتصاد.
فالغاز الطبيعي اليوم ليس موردًا عاديًا، بل شريان رئيسي للحياة المعاصرة، تُدار به محطات الكهرباء، وتُدفأ به البيوت في الشتاء، وتعمل به مصانع الحديد والأسمنت والزجاج والمواد الكيميائية، ويدخل في صناعة الأسمدة التي تقوم عليها الزراعة الحديثة، كما يدخل في صناعات البتروكيماويات والمنتجات الطبية وغيرها من مستلزمات الحياة اليومية.
وحين يضطرب سوق الغاز، لا يكون الأمر شأنًا اقتصاديًا مجردًا، بل تنعكس آثاره على حياة الناس مباشرة؛ إذ ترتفع الأسعار، وتتأثر الصناعات، وتتراجع القدرات الإنتاجية، وتضطرب الأسواق المالية، وتشعر دول بعيدة بنتائج ما يجري وإن لم تر الحقول ولا الموانئ.
ولما كان الغاز الطبيعي أقل انبعاثًا من أنواع الوقود التقليدية الأخرى، بات عنصرًا محوريًا في مرحلة الانتقال العالمي نحو طاقة أكثر كفاءة وأخف أثرًا على البيئة. ولهذا ازدادت أهمية الدول القادرة على توفيره بثقة واستقرار وانتظام.
غير أن الحديث عن الغاز القطري لا يكتمل إذا اختُصر في الأرقام والعوائد، لأن وراءه قصة تحدٍّ وطني تستحق أن تُروى.
حين قررت قطر أن تستثمر هذه الثروة على النطاق الذي نراه اليوم، لم يكن الطريق ممهدًا، ولم يكن النجاح مضمونًا. فصناعة الغاز الطبيعي المسال من أعقد الصناعات في العالم؛ إذ يتطلب الأمر استخراج الغاز، ثم معالجته، ثم تبريده إلى درجات شديدة الانخفاض ليصبح سائلًا يمكن نقله بحرًا، ثم شحنه عبر ناقلات متخصصة إلى أسواق بعيدة، ثم إعادة تحويله في موانئ الاستقبال إلى حالته الغازية ليستفاد منه.
وهذه سلسلة تحتاج إلى علم متقدم، واستثمارات هائلة، وإدارة عالية الكفاءة، ورؤية بعيدة المدى، وصبر لا يتعجل النتائج.
وكان هناك من شكك، ومن رأى أن الرهان أكبر من القدرة، ومن اعتقد أن دولة صغيرة في مساحتها وسكانها لا تستطيع أن تبني لنفسها هذا الموقع العالمي، بل إن شركات كبرى لم تُبدِ في البدايات حماسةً للدخول في مشروع رأته شديد الكلفة، بعيد الأمد، محفوفًا بالتحديات.
لكن قطر رأت ما وراء اللحظة.
رأت أن الأمم لا تصنع مستقبلها بالخوف، وأن الموارد لا تتحول إلى نهضة إلا إذا وجدت قيادةً تعرف كيف تقرأ الزمن، وشعبًا يؤمن ببلاده، ومؤسسات تتقن العمل، وإرادة لا تلتفت إلى تخذيل المثبطين.
فمضت في طريقها، بهدوء الواثق، وثبات العارف بما يريد. استثمرت في البنية التحتية، وبنت الموانئ والمنشآت، وأعدّت الكفاءات الوطنية، وأحسنت اختيار الشركاء، حتى أصبحت رأس لفان واحدة من أهم مراكز الطاقة في العالم، وأصبح اسم قطر حاضرًا بقوة في معادلات أمن الطاقة العالمي.
غير أن الذي أيقظ هذه المعاني في نفسي من جديد، وأعاد قلمي إلى رأس لفان، هو الأزمة الراهنة التي نعيشها، والتي حُشرت فيها منطقتنا بفعل من أشعل نارها ووسّع دوائرها. وفي خِضَم تلك الأحداث، جاء الاعتداء من الجار الإيراني، في مشهدٍ جَرَح قيمةَ الجِوار، وهي في ثقافتنا العربية والإسلامية ليست أمرًا عابرًا، بل خُلُقٌ رفيعٌ وحقٌ معتبرٌ ومبدأٌ قامت عليه العلاقات بين الناس قبل أن تقوم على الاتفاقيات والمواثيق.
فالجار في تراثنا يُصان حقُه، ويُراعى أمنه، ويُكفُّ الأذى عنه، لأن حسن الجوار من شيم الكرام، ومن القيم التي حضّ عليها الدين والأخلاق معًا.
وحين يُمسُّ مشروع بحجم رأس لفان، لا يكون الضررُ محصورًا في حدود دولة بعينها، بل تمتد آثاره إلى العالم كله. فتنخفض الإمدادات، وتضطرب الأسواق، وتُطفأ أنوار في أماكن، وتتوقف مصانع في أماكن أخرى، وترتفع الأسعار على شعوب لا تعرف من أين بدأ الاضطراب، لكنها تشعر بنتائجه في معيشتها اليومية.
عندها أدركت مرة أخرى أن رأس لفان ليست لنا في قطر وحدنا، وإن كانت جزءًا من روحنا وفخرنا، بل هي أيضًا رافد جوهري لاستقرار العالم الحديث. وأن ما بنته قطر هناك لم يكن خدمة لاقتصادها الوطني فحسب، بل مساهمة مسؤولة في أمن الطاقة العالمي، وفي استقرار حياة ملايين البشر.
ولهذا، حين أقف في بيتي هناك، وأتأمل البحر والصحراء من حولي، أشعر أنني لا أنظر إلى مشهدٍ طبيعيٍ خلابٍ فقط، بل إلى ملحمة وطن خالدة. هنا ذاكرة الآباء، وهنا اجتهاد الأبناء، وهنا وطن عرف كيف يحفظ جذوره وهو يُشيِّد مستقبله.
وفي رأس لفان يتأكد لي دائمًا أن من أحب أرضه بصدق، وأخلص لها عملًا، ردّت له الأرض جميل صنعه أضعافًا مضاعفة.
الأب.. ظِلٌّ لا يميل
هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل اللسان، وارتجف لها الوجدان قبل أن يفهمها العقل. كلمةٌ تحمل... اقرأ المزيد
678
| 31 يوليو 2026
أدب الحوار ونهي الشريعة عن صخب الصوت
وهم علو النبرة يُخطئ من يظن أن ارتفاع الصوت أثناء الحوار هو وسيلة لإثبات الحجة أو أداة فعالة... اقرأ المزيد
300
| 31 يوليو 2026
حصص التربية الرياضية بالأندية
الرياضة محور أساسي من محاور العملية التعليمية، يقول تعالى في سورة البقرة آية 247 (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ... اقرأ المزيد
153
| 30 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
9936
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1635
| 26 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1494
| 29 يوليو 2026