رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب المندب هذه الأيام في احتمال تعرض سفينة لهجوم أو اضطرار شركة ملاحية إلى تغيير مسارها، الخطر أكبر من ذلك بكثير.
فحين تتمكن ميليشيا مسلحة من الاقتراب من واحد من أهم الممرات المائية الدولية، وتصبح لديها القدرة على تهديد حركة السفن فيه، فهي بذلك إنما تفرض تحدياً شاملاً يتجاوز حدود البلد الذي يقع الممر داخل حدوده، ويضع التجارة الدولية أمام واقع جديد يصعب ضبطه كلما طال أمده.
باب المندب ليس نقطة على الساحل اليمني يمكن عزلها عن بقية العالم، إنه إحدى حلقات الطريق الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط.
وليس من الصعب إدراك القيمة الإستراتيجية لهذا الموقع، لاسيما إذا استحضرنا واحدة من وقائع التاريخ الحديث، ففي حرب أكتوبر 1973، استخدمت جمهورية مصر الشقيقة، موقع باب المندب للضغط على حركة الملاحة المتجهة إلى الكيان الإسرائيلي، وفرضت حصاراً بحرياً عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهي خطوة أثبتت أهميتها في حسابات الحرب آنذاك، عندما ظهر موضوع حصار باب المندب لاحقا في صلب المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار وفك الاشتباك، وأصبح رفعه جزءاً أساسياً من الترتيبات التي جرى التفاوض عليها بين الأطراف.
هذه الواقعة التاريخية تكفي وحدها لتذكير العالم بأن أي اضطراب في هذا المضيق سينعكس بشكل فوري على حركة التجارة، وأسعار النقل والتأمين، وسلاسل الإمداد، وتدفقات الطاقة، وعلى اقتصادات دول ليست لها علاقة مباشرة بالحرب في اليمن.
وتزداد خطورة الوضع بالطبع مع سيطرة الميليشيات الحوثية على عدد من الجزر اليمنية المهمة الواقعة في محيط باب المندب، لاسيما جزيرة ميون التي تقع في قلب المضيق وتشق ممراته المائية.
كما يتمتع أرخبيل حنيش وزقر، بأهمية إستراتيجية في معادلة الأمن البحري جنوب البحر الأحمر، ولعل تاريخ المنطقة يقدم دليلاً واضحاً على حساسيتها الإستراتيجية.
فقد اندلع نزاع بين بلادنا وإريتريا في منتصف تسعينيات القرن الماضي حول هذا الأرخبيل، قبل أن تحسم محكمة التحكيم الدولية هذا النزاع لصالح اليمن وتقر بسيادته على الأرخبيل.
ومكمن الخطر هنا أن تحويل هذه الجزر إلى قواعد نفوذ مسلح لجماعة الحوثيين سيوسع نطاق التهديد من الساحل إلى داخل الممر المائي نفسه، ويمنح هذه الجماعة قدرة أكبر على خنق حركة السفن، ووضع أمن الملاحة في مهب الريح.
لقد اعتقدنا في اليمن أن تجربة السنوات الماضية كانت كافية لإظهار حجم هذه التداعيات؛ فالحكومة الشرعية كانت تدرك هذه المخاطر منذ وقت مبكر، الأمر الذي دفعها إلى إطلاق تحذيرات متكررة من أن بقاء الحوثيين قوة عسكرية خارج مؤسسات الدولة، وتمكينهم من الوصول إلى الساحل ومراكمة قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة، ستجعل من اليمن مصدراً دائماً لتهديد الملاحة في البحر الأحمر.
ولم تكن هذه التحذيرات بالطبع منفصلة عن التحذير الأهم المتعلق بالعلاقة بين الحوثيين وإيران، ولا عن تدفق الأسلحة والخبرات والتقنيات التي ساعدت الجماعة على تطوير قدراتها العسكرية.
ولهذا السبب خاطبت الحكومة اليمنية المجتمع الدولي، في مناسبات عديدة، بضرورة التعامل بجدية وحزم مع قرارات مجلس الأمن المتعلقة بحظر السلاح ومنع وصول الإمدادات العسكرية إلى الحوثيين.
لكن التعامل مع هذه التحذيرات ظل في مراحل كثيرة، وعلى نحو مستغرب ومؤسف، دون مستوى الخطر الذي كنا نشير إليه.
اليوم وقد أصبح باب المندب عرضة لتهديدات مباشرة من جماعة مسلحة منفلتة تبدو الصورة أكثر وضوحاً؛ فالمشكلة ليست في قدرة الحوثيين على مهاجمة سفينة أو تهديد أخرى، وإنما في أن تصبح لديهم القدرة على استخدام موقع اليمن الجغرافي كورقة ضغط على العالم.
والخطر لا يتوقف عند البحر أو عند حدود الملاحة الدولية، لأن امتلاك جماعة منفلتة مثل الحوثيين لهذه القدرات العسكرية سيوسع دائرة التهديد والخطر ليطول المنطقة والعالم بأسره.
وقد رأينا في الأيام الأخيرة كيف وصل تصعيد هذه الميليشيات إلى مستوى بالغ الخطورة، بعد محاولتها استهداف مكة مكرمة قبلة المسلمين، دونما أي اكتراث لما يمثله هذا المكان المقدس من رمزية دينية لدى ملياري مسلم في كل أصقاع الأرض.
ما الذي يجب فعله الآن؟
أولا، يجب ألا تنخدع الأسرة الدولية بأي تطمينات حوثية بشأن حرية الملاحة والمرور الآمن في مضيق باب المندب، لأن أمن الممرات الدولية لا يبنى على وعود دول مارقة وجماعات منفلتة، وإنما على وجود سلطة قادرة على فرض القانون ومحاسبة من يهدد الملاحة، وما لم تعد الدولة اليمنية هي صاحبة القرار الحصري في أراضيها وسواحلها، فإن باب المندب سيبقى عرضة للتحول إلى منصة ابتزاز مفتوحة.
نعم، فأي تباطؤ في التحرك لمنع تحويل هذه السيطرة إلى أمر واقع، سيجعل من المرور الآمن في باب المندب خاضعاً لمزاج جماعة مسلحة يمكنها تغيير موقفها وفق حساباتها وحسابات داعميها.
ونحن كحكومة شرعية لا نعفي أنفسنا من المسؤولية بهذا الشأن، فاليمن معني باستعادة سيادته على المنطقة، مثلما أن المجتمع الدولي تقع على عاتقه مسؤولية حماية واحد من أهم طرق التجارة في العالم. ولذلك فإن دعم الحكومة والقوات المسلحة اليمنية بشكل حاسم وسريع هو الطريقة المثلى لإعادة هذه المنطقة إلى سلطة الدولة، ومنع تحولها إلى منطقة نفوذ مسلح تفتح أبواب الجحيم على الجميع.
قواتنا المسلحة الباسلة تقاتل منذ أيام على امتداد مسرح العمليات في باب المندب والساحل الغربي والمناطق المحيطة به، وتدفع ثمناً بشرياً كبيراً في هذه المواجهة، وهي تحتاج إلى موقف دولي أكثر وضوحاً، ودعماً أكثر فاعلية، بالتوازي مع وقف مصادر التسليح الحوثي وتنفيذ قرارات مجلس الأمن بهذا الخصوص.
ونشدد، كما أشرت سابقا، على أن المسألة في نهاية المطاف لا تتعلق بالممر المائي، ذلك أن بقاء جزء من الأراضي اليمنية مرتهنا لجماعة مرتبطة بمشروع إقليمي سيظل مصدراً محتملاً للتهديد، سواء في البحر أو البر، ما يحتم على المجتمع الدولي دعم الدولة اليمنية لاستعادة قرارها وسيادتها، وإنهاء قدرة إيران على استخدام الأراضي اليمنية كمنصة للضغط والتهديد، باعتبار ذلك الطريق الوحيد لضمان ملاحة آمنة، وإغلاق باب الخطر بشكل نهائي.
- سفير الجمهورية اليمنية لدى دولة قطر
وساطة قطر في مرمى نيران حكومة الإبادة !
انطفاء ألسنة لهب الغارات على مساكن قيادات من المكتب السياسي لحركة حماس في الدوحة، لا يعني أبدا نسيان... اقرأ المزيد
2208
| 12 سبتمبر 2025
اغتيال الصحفيين في غزة.. صورة مكثفة لعجز العالم
واقعة اغتيال الصحفي الفلسطيني ومراسل قناة الجزيرة أنس الشريف، إلى جانب عدد من زملائه في خيمتهم قرب أحد... اقرأ المزيد
1386
| 20 أغسطس 2025
السفير المطيري.. وجه الكويت المضيء في الدوحة
مع اقتراب لحظة مغادرة سعادة السفير خالد بن بدر المطيري، سفير دولة الكويت الشقيقة لدى دولة قطر، لمنصبه... اقرأ المزيد
1842
| 28 مايو 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
* سفير الجمهورية اليمنية بالدوحة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5745
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2982
| 29 سبتمبر 2026