رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

222

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

الحرمين خط أحمر!

20 سبتمبر 2026 , 12:00ص

مهما كانت دوافع الإنسان لاستهداف المواقع المقدسة، فهي ليست من سبل الخير أياً كان، حتى وإن لبست لباس الحق. فخبل الشيطان لا ينفذ إلى الفؤاد إلا من زيف الحق عبر الباطل. لقد خطب الصديق أبوبكر رضي الله عنه من وصية النبي صلى الله عليه وسلم لبعث جيش أسامة رضي الله عنه في قوله: " وَسَوْفَ تَمُرُّونَ بِأَقْوَامٍ قَدْ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ، فَذَرُوهُمْ وَمَا فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ " (أي اتركوهم وشأنهم) كما رسخ سبحانه وتعالى مفهوم عدم الاعتداء على المقدسات في قوله {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} الأنعام ١٠٨ كما رسخت العهدة العمرية لأهل إيلياء أي (القدس) هذا المفهوم بشكل جلي وواضح للتعايش وحماية المقدسات كما ورد فيها: ( ... أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصُلبانهم... أن لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم، ولا يُنقص منها ولا من حدّها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم... ) فكيف يستهدف الحرمين مِمَّن يدَّعي الإسلام؟!

حيث تواترت الأنباء أن في يوم الثلاثاء الموافق للخامس عشر من سبتمبر الفائت، وذلك في تمام الساعة ٦:٥٠ مساء؛ عن تصدي قوات الدفاع الجوي للمملكة العربية السعودية لمسيّرة طائرة "مفخخة" أطلقت من قبل ميليشيات الحوثي على ضواحي مكة المكرمة جنوب العاصمة المقدسة للمسلمين. ولم تكن تلك الحادثة الأولى من نوعها! بل في ٢٧ يوليو ٢٠١٧م تم اعتراض صاروخ باليستي أطلق نحو مكة المكرمة كذلك من قبل. بالإضافة إلى التفجير الإرهابي الذي استهدف جوار المسجد النبوي بالمدينة المنورة في شهر رمضان الفضيل في ٤ يوليو ٢٠١٦م، كل ذلك يسير وفق فكر الأجندة "الملالية" لإستراتيجيات الدولة الإيرانية على المنطقة. ناهيك عن سياسات حروب التضليل الإعلامي وزيف الوعي الرقمي التي توازيه لوكلائها لدعم المجهود العسكري لتلك الميليشيات. حيث تم بث مقطع تم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن مقطع يعود إلى ١٢ سبتمبر ٢٠٢٥م تم فيه التصدي لمقذوف طائر من قبل القوات الجوية السعودية على أنه استهدف مكة المكرمة، ولكن الظاهر فيه منارات المسجد النبوي! ليحصل الهدف منه وهو تخويف المسلمين على مشاعرهم المقدسة! إن هذا النمط من التهديد الذي يتستر بالشعارات الدينية ليس وليد اللحظة، بل هو غطاء لأجندات التمدد والنفوذ التي تمتد جذورها منذ القرن السادس عشر الميلادي.

ولم يكن تزييف الوعي الإعلامي حدثاً طارئاً، بل هو نمط استعماري ممتد منذ القدم؛ فلم تكن تسمية القارة الجديدة "أمريكا" نسبة إلى الملاح "أميريغو فيسبوتشي"، ولا الاستيلاء على الأراضي البرازيلية كأكبر مستعمرة برتغالية في أمريكا الجنوبية، إلا حالة من التكالب الاستعماري المتسارع الذي أعقب سقوط الأندلس عام ١٤٩٢م. لقد سعى الغرب لنسبة "اكتشاف" تلك القارات لنفسه، متجاهلاً شواهد التاريخ التي أثبتت وصول الملاحين المسلمين إليها قبل حملاته بقرون؛ كرحلة البحار "الخشخاش بن سعيد الأندلسي" في القرن التاسع الميلادي التي وثّقها المؤرخان المسعودي والإدريسي، ورحلة سلطان إمبراطورية مالي "أبي بكر الثاني" عام ١٣١١م الذي عبر المحيط الأطلسي بأسطوله ممهداً الطريق قبل كولومبوس بنحو ١٨٠ عاماً!

وفي غمرة هذه البلبلة والذهول في البلاط البرتغالي، تصاعد الهوس الديني والاستثماري للسيطرة على البحار وخنق العالم الإسلامي. ومن هنا يبرز اسم أمير البحار العربي أحمد بن ماجد، عالم الملاحة الفذ في الجزيرة العربية؛ وهو الرجل الذي ظُلم بروايات الاستعمار البرتغالي بزعم أنه أرشد "فاسكو دي غاما" عبر المحيط الهندي، بينما تثبت مؤلفاته أنه كان أول من حذّر من أطماع "الإفرنج". لقد شهد ابن ماجد بزوغ الحلف الشائن بين القائد البرتغالي "ألفونسو دي ألبوكيرك" والدولة الصفوية في إيران (الشاه إسماعيل) – الأجداد الفكريين لـ "الملالي" ومن تبعهم؛ وهو التحالف الذي سعى لتطويق الجزيرة العربية وتسهيل المخطط الشيطاني للتغلغل في البحر الأحمر واقتحام المدينة المنورة لنبش القبر الشريف وسرقة الجثمان النبوي!

غير أن أوهام ذلك التحالف تهاوت وتكسّرت؛ فلم يكتفِ الصفويون بالتواطؤ وتسهيل سيطرة البرتغاليين على مضيق هرمز لتقويض الخليج، بل مارسوا العدوان المباشر لتشتيت القوى الدفاعية. وعلى أسوار مدينة جدة عام ١٥١٧م، صمدت الحجاز بتلاحم إرادة أهلها وقبائل الجزيرة، ليرتد الأسطول المعتدي مدحوراً. ورغم محاولات المؤرخين الغربيين تزييف الهزيمة بإنكار الصمود والادعاء بأن التراجع يعود لاضطرابات البلاط البرتغالي حفظاً لماء وجه الإمبراطورية، إلا أن الحقيقة الناصعة هي أن ثبات أهل الجزيرة أجهض المخطط الإبليسي.

إن العِبرة التاريخية الثابتة هي أن أوهام المعتدين تنكسر دائماً أمام عقيدة صلبة تحمي الأوطان والمقدسات؛ فالتقاطع اليوم بين المشروع الصهيوني والدور الإيراني الملالي ليس إلا امتداداً حديثاً لتحالف البرتغاليين والصفويين القديم لاستهداف قلب الأمة. وعلى أبناء المنطقة تحصين الوعي والإدراك بأن الحرمين الشريفين كانا وسيظلان خطاً أحمر تُسترخص دونه الأرواح وتحطم على عتباته كل إمبراطورية طامعة. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} الفيل ١.

مساحة إعلانية