رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

270

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

إسبانيا ليست الأندلس.. ولكن!

06 سبتمبر 2026 , 02:00ص

من أمجاد الأندلس التاريخية من موسى بن نصير وطارق بن زياد، الذي سُمي المضيق باسمه والمحكوم بريطانياً عبر صخرته بين المغرب وإسبانيا، ومن أبيات غزل الهوى في "جادك الغيث"، إلى "ابك كالنساء ملكاً مضاعاً" حين وقفت والدة آخر سلاطين الأندلس مطلة على غرناطة بعدما سلّم الملك للملكين الكاثوليكيين (الملكة إيزابيلا الأولى - ملكة قشتالة، والملك فرديناند - ملك أراغون)، ولا أدري أكانت تنعيه أم تهجوه! إسبانيا ليست الأندلس بالتأكيد، وهل تناسى الغربُ من وضع اللبنة الأولى لعصر نهضته وعلومه الحديثة؛ من "عباس بن فرناس" ملهم عصر الطيران من السماء إلى الفضاء، و"أبي القاسم الزهراوي" أب الطب والجراحة الحديثة وغيرهم الكثير؟ ولكن إسبانيا ليست الأندلس بالتأكيد! فهل استقلاليتها التي تبيّن معالم مواقفها اليوم خاصة في ملفات الشرق والغرب وليدة الصدفة؟ إنها ثمرة مسار شاق استطاعت فيه دولةٌ أنهكتها الحروب الأهلية والاستقطاب الأيديولوجي، واستُغلت هشاشتها الاقتصادية طويلاً من القوى العظمى، أن تبني بالمرونة والمؤسسية تجربةً سياسية قادرة على خوض التحديات الجيوسياسية دون التفريط في استقرارها الداخلي.

لم يولد العقل السياسي الإسباني من فراغ، فما أشبه الأمس بالبارحة؛ فشبه الجزيرة الإيبيرية التي تقاسمت مع البرتغال يوماً صدارة احتلال العالم، وتحديداً ما يسمى بـ "العالم الجديد" في الأمريكتين، تحولت في القرن العشرين من صانعة للإمبراطوريات إلى ساحة تنازع واستقطاب حاد بين الشرق والغرب. وفي الحرب الأهلية (١٩٣٦- ١٩٣٩)، تجسد التدخل الشرقي الإلحادي في الدعم السوفيتي المباشر لـ "الجبهة الشعبية" برئاسة خوان نجرين، الذي اتفقت التيارات اليسارية والشيوعية تنظيمياً على قيادته بدفع من موسكو. وقد أعادت التصفيات والمجازر الدموية لهذا المعسكر إلى أذهان الإسبان دموية محاكم التفتيش ذات تاريخ التطرف الديني بعد ما كان مثالا يحتذى به لتسامح الأديان في العصر الأندلسي؛ حيث التقى المشهدان في إحصاء دمر الحياة الإنسانية وحصد مئات الآلاف من الضحايا بين إرهاب فكري قديم وإرهاب أيديولوجي حديث. وهي الذريعة التي اقتنصها الجنرال فرانكو ليمنح نفسه القوة التشريعية والسلطة المطلقة كـ "حامٍ للهوية الكاثوليكية"، جاعلاً التاج الملكي مجرد صورة شكلية مؤجلة. وهنا تتجلى الحقيقة المؤلمة لسكان شبه الجزيرة الإيبيرية: كيف تحول أصحاب الإمبراطورية العظمى أمس إلى "ضحايا وبيادق" لصراعات القوى الكبرى على أراضيهم؟ وهي تجربة مريرة صنعت لدى مدريد المعاصرة عقيدة المرونة والمؤسسية لتجنب الوقوف مجدداً تحت رحمة أي هيمنة خارجية.

لم يكن خروج إسبانيا من جلباب الديكتاتورية الفرانكوية، المدعومة تاريخياً من محاور التطرف الأوروبي الغربي كالجمهوريات الفاشية والنازية في إيطاليا "موسوليني" وألمانيا "هتلر" وبرتغال "سالازار"، وسط تواطؤ وحياد غربي من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة تابع للمصلحة، مجرد انتقال عادي للسلطة، بل كان إعادة هيكلة جذرية لمؤسسات الدولة لتفادي تكرار مآسي الماضي. فقد نجحت البلاد عبر "دستور ١٩٧٨" في تحويل عقيدة المؤسسة العسكرية من جيش مسيس يمارس الانقلابات والوصاية الدينية، إلى قوة احترافية تخضع بالكامل للشرعية المدنية والدستورية. بالتوازي مع ذلك، أُعيدت صياغة العرش الملكي؛ فبعد أن أراد فرانكو تركه مكبلاً بوفائه لنظامه، تحولت الملكية إلى نظام برلماني دستوري محايد يُشكل صمام أمان لوحدة البلاد ضد الاستقطاب الأيديولوجي والانفصالي. وتتجلى هذه المرونة اليوم في الإعداد المكثف لولية العهد، الأميرة ليونور، التي تخضع لتأهيل عسكري ثلاثي (بري وبحري وجوي) وأكاديمي متطور، لتقديم نموذج لـ "الملكية الشفافة" التي تتجاوز أخطاء العقود الماضية وتخاطب أجيالاً جديدة لم تعش ويلات الحرب الأهلية، ضامنةً بذلك استدامة التاج كمظلة جامعة للجميع.

تتجلى ثمرة هذه "المرونة المؤسسية" اليوم في الدبلوماسية الإسبانية الجريئة، التي لم تتردد في اتخاذ موقف تاريخي صريح بالاعتراف بالدولة الفلسطينية ومواجهة التجاوزات الإسرائيلية في غزة، متجاوزةً الضغوط الغربية ومبتعدةً عن الارتهان للخطاب الصهيوني. يكتمل هذا الاستقلال السياسي بإدارة براغماتية متوازنة مع جوارها العربي؛ فتؤمن مدريد أمنها بين شريان الطاقة مع الجزائر الشقيقة والشراكة الأمنية والديموغرافية الوثيقة مع المغرب. وهنا تكمن الفائدة الإستراتيجية للجمهور العربي، ولدول الخليج العربي على وجه الخصوص التي تواجه تحديات صعبة من الناحية الإستراتيجية الدولية؛ إذ تقدم التجربة الإسبانية نموذجاً حياً لكيفية استثمار نجاح النظام "الملكي" كصمام أمان للاستقرار في وجه التحديات الدولية، وتحويل التحديات التاريخية إلى مرونة تنموية وبناء شراكات اقتصادية وسياسية متزنة مع التكتلات العالمية. إن مدريد اليوم تبرهن لشركائها في الخليج والعالم العربي أن تسيير الدولة الحديثة لا يتطلب الارتهان للقطبية الواحدة، بل يرتكز على مؤسسات محلية صلبة، وسيادة مرنة يحترمها الشرق والغرب.

اقرأ المزيد

مضيق باب المندب مضيق باب المندب

منذ قديم الأزمان، وحكايات الأساطير والخوف الدفين تنتاب البحارة عند قدومهم قديماً للندب من هذا الباب البحري؛ إذ... اقرأ المزيد

459

| 09 أغسطس 2026

ثنائية التمدد الإيراني والصهيوني ثنائية التمدد الإيراني والصهيوني

حين يتأمل العقل النقدي المشهد الاستراتيجي للشرق الأوسط، يصطدم بأكبر مأزق فكري يعاني منه الوعي الجمعي العربي: السقوط... اقرأ المزيد

348

| 02 أغسطس 2026

خداع الذات خداع الذات

لماذا يفضل العقل (الوهم المريح) على (الحقيقة المزعجة) يا ترى؟ يعد خداع الذات آلية دفاعية نفسية يلجأ إليها... اقرأ المزيد

378

| 26 يوليو 2026

مساحة إعلانية