رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

129

موزا محمد الكواري

كرامة الوطن... حين تكون الحكمة موقفاً

23 سبتمبر 2026 , 12:50ص

في بعض الكلمات لا نحتاج إلى كثيرٍ من الشرح؛ لأنها تصل إلى المعنى مباشرة، وتترك خلفها مساحة واسعة للتأمل. ومن الكلمات التي تستحق أن نتوقف عندها ما جاء في كلمة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: «كرامة الوطن لا تُقايض، والحكمة والصلابة وجهان لعملة واحدة».

ليست كرامة الوطن شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا جملة تُقال حين تشتد الأزمات، بل هي وعيٌ عميق بأن الوطن أكبر من اللحظة، وأبقى من الخلاف، وأثمن من أن يُوضع في ميزان المصالح العابرة.

واللافت في العبارة أنها لم تضع الحكمة في مواجهة الصلابة، كما قد يتصور البعض؛ بل جمعتهما في معنى واحد. فالحكمة ليست تراجعًا، والهدوء ليس ضعفًا، والدبلوماسية ليست تنازلًا. وفي المقابل، الصلابة الحقيقية لا تعني الانفعال أو رفع الصوت، وإنما القدرة على معرفة متى نتمسك، ومتى نتحاور، ومتى نصمت، ومتى نقول كلمتنا دون أن نفقد اتزاننا.

ولعل أجمل ما في هذا المعنى أن الوطن لا يحتاج إلى من يثبت حبه له بالكلمات وحدها، بقدر ما يحتاج إلى من يفهم قيمة الموقف حين يكون الموقف ضروريًا، وقيمة الحكمة حين تكون الحكمة أكثر تأثيرًا من أي ردٍّ عابر.

فالسياسة، في جوهرها، ليست دائمًا معركة بين طرفين؛ أحيانًا تكون فنًّا في حماية ما لا ينبغي التفريط فيه، دون أن تتحول حماية الحقوق إلى خصومة دائمة، ودون أن تتحول الرغبة في السلام إلى قبول بما يمس الكرامة.

وهنا يصبح الفرق كبيرًا بين من يبحث عن الانتصار في اللحظة، ومن يبحث عن مصلحة الوطن في الزمن.

الوطن لا يُقاس فقط بما يملكه من قوة، وإنما بما يملكه أبناؤه من ثقة به، وبما تتركه مواقفه من احترام في محيطه، وبقدرته على أن يحافظ على ثوابته دون أن يغلق أبواب الحوار.

وفي زمنٍ أصبحت فيه المعلومة أسرع من الحقيقة، والانفعال أسرع من التفكير، والكلمة قد تعبر الحدود في ثوانٍ، تبدو الحكمة مسؤولية وطنية أيضًا. فليس كل ما يُقال يستحق الرد، وليس كل استفزاز يستحق أن يتحول إلى موقف، وليس كل خلاف يحتاج إلى خصومة.

أن تكون صلبًا لا يعني أن تكون قاسيًا، وأن تكون حكيمًا لا يعني أن تكون مترددًا.

الصلابة أن تعرف ما الذي لا يمكن التنازل عنه، والحكمة أن تعرف كيف تحميه.

وربما لهذا تحمل كلمات القادة أحيانًا معاني تتجاوز السياسة إلى المجتمع نفسه؛ لأن الإنسان في حياته الخاصة يحتاج إلى المعادلة ذاتها. في علاقاته، في عمله، في قراراته، وفي دفاعه عن كرامته… ليس مطلوبًا منه أن يختار دائمًا بين القوة واللين، بل أن يعرف متى يستخدم كلًّا منهما.

فكم من موقف خسرناه لأننا ظننا أن التراجع حكمة، وكم من كلمة كان يمكن أن تُقال بهدوء، فقلناها بانفعال فأفسدنا معناها.

وهكذا يصبح مفهوم كرامة الوطن أوسع من حدود الجغرافيا؛ إنه ثقافة تبدأ من الإنسان نفسه: أن يعرف قيمة ما ينتمي إليه، وأن يحسن تمثيله، وأن يدرك أن القوة الحقيقية لا تحتاج دائمًا إلى ضجيج.

وفي الأمم المتحدة، حيث تجتمع الدول لتناقش قضايا العالم، تأتي هذه المعاني في سياق دولي يختبر قدرة المجتمع الدولي على الموازنة بين القوة والحوار، وبين المصالح والمبادئ. وتنعقد المناقشة العامة للدورة الـ81 للجمعية العامة خلال الفترة من 22 إلى 28 سبتمبر 2026.

لكن خلف كل ذلك يبقى المعنى الأهم:

الوطن الذي يعرف قيمة كرامته، لا يحتاج إلى أن يثبتها في كل مرة.

والدولة التي تعرف متى تكون حكيمة ومتى تكون صلبة، لا تُقاس قوتها بارتفاع صوتها، بل بقدرتها على أن تبقى ثابتة حين يتغير كل شيء من حولها.

فالحكمة ليست أن نتنازل كي نعبر، والصلابة ليست أن نصطدم كي نثبت وجودنا.

الحكمة أن نعبر دون أن نفقد ثوابتنا، والصلابة أن نحافظ على ثوابتنا دون أن نفقد إنسانيتنا.

وهذه، ربما، هي المعادلة التي تختصر معنى الوطن حين يكون الانتماء إليه موقفًا… لا مجرد كلمة.

مساحة إعلانية