رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خلال الأيام القليلة الماضية، تتابعت الأحداث بشكل متسارع وتراكمت وكأنها تضع خاتمة للعام المنصرم وما حمله للعالم من تحولات وتغيرات و"مآسٍ"، وأكثر ما أثار الرأي العام العالمي خلال الأيام الماضية، قضية منع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية "السابق" دونالد ترامب من التغريد وإيقاف حسابه الشخصي بشكل نهائي من على منصة تويتر الشهيرة، تبعتها مواقع وسائل التواصل الاجتماعي التي قامت هي الأخرى بوقف حسابات ترامب ومنعه من مخاطبة جمهوره عبرها.
أعادت تلك الأحداث إلى ذاكرتي تفاصيل رواية شهيرة قرأتها منذ زمن للكاتب جورج أورويل نشرت عام 1949، وكانت تحمل اسم" 1948"، وتصور تلك الرواية دولة "إيرستريب" المتخيلة التي يحكمها "الأخ الكبير" ويسودها الفساد والقمع وتزوير الحقائق في إسقاط على انتشار الاشتراكية وتمكنها من مفاصل العالم. بطل الرواية هو "وينستون سميث" موظف في وزارة "الحقيقة" وأحد أعضاء الحزب الحاكم، تتلخص وظيفة سميث في تغيير الحقائق وتمجيد الأشخاص أو"محوهم" من الواقع وإعادة صياغة المقالات القديمة التي سبق نشرها لتتوافق مع الحالة الراهنة لبلاده التي تخوض حروباً لا تهدأ مع جيرانها، مسترشدة بشعارها" الحرب هي السلام، والحرية هي العبودية، والجهل هو القوة". وتصور الرواية الحزب الحاكم وهو يقوم بمراقبة المواطنين على الدوام وطوال الوقت عبر ميكروفونات مخفية مثبتة في كل منزل، ويخاطبهم عبر شاشات مثبته في جدران منازلهم لا يمكن إطفاؤها، حيث يقوم الحزب عبرها ببث الدعاية الحزبية والإعلانات المهمة، ويهدد المتذمرين من النظام ويرصدهم.
استرجعت تلك الصورة التي أبرزتها الرواية بحبكة جميلة، وقارنتها بالسطوة والقوة والسلطة التي تمتلكها وسائل التواصل الاجتماعي في وقتنا الراهن وعلى رأسها "تويتر"، والقدرة الكبيرة لدى تلك الوسائل في التأثير على الرأي العام وتوجيه مساره، وكيف استطاعت تلك المواقع من إخفاء شخص بحجم رئيس أقوى دولة من على الوجود "الافتراضي"، والمفارقة هنا أن رواية "1948" تصور نهاية العالم في ظل حكم اشتراكي متخيل في حين أن عالم اليوم المشابه إلى حد ما لأحداث تلك الرواية هو عالم أفرزته الرأسمالية والحرية والانفتاح، وتساءلت هنا "من سيحكم عالم المستقبل؟".
تفسر نظرية صراع الطبقات الاجتماعية للفيلسوف كارل ماركس أسس التوترات والصراعات في مجتمع منقسم إلى طبقات، ويرى ماركس أن صراع الطبقات هو المحرك الرئيس للتغيرات الاجتماعية في سياق التاريخ، حيث يتولد عن هذا الصراع طبقات جديدة تتصارع هي الأخرى فيما بينها في حركة مستمرة، وبحسب النظرية الماركسية فإن الصراع بين الطبقات لا يقضي على تناقضاتها بل يعيد تشكيلها.
في العالم الرأسمالي الحديث تمثل البرجوازية رأس الهرم في السلطة، في حين تقع طبقة "البروليتاريا" أو الطبقة العاملة على الجانب الآخر من الصراع، وفي الوقت الذي استطاع رجل أعمال وهو ترامب أن يحكم أقوى دولة في العالم، لم يكن الأمر كذلك على الدوام، فقبل الثورة الفرنسية التي تسلقتها البرجوازية واستفادت منها، كان الحكم في فرنسا حكراً في يد طبقة النبلاء تساندها سلطة الكنيسة، ولم يكن للبرجوازية الناشئة آنذاك أن تصل إلى الحكم لولا الصراع المحتدم بين الطبقات، والسؤال هنا: هل نشهد الآن صراعا بين البرجوازية الكلاسيكية وطبقة جديدة مؤلفة من ملاك شركات التكنولوجيا والمعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي، وهل نحن بصدد تبلور تلك الطبقة من النخب التكنولوجية التي تمتلك مقومات مختلفة ولديها قوة هائلة في عالم جديد تسوده التكنولوجيا وتسيطر عليه تقنية المعلومات؟ ومن يعلم ربما يكون لتلك الطبقة أسس وقواعد مغايرة لما نعرفه، فلا يغني امتلاك رأس المال ليتمكن أي شخص من الولوج إليها أو أن يصبح أحد أباطرتها، بل لابد أن يكون له "مواطنون" واتباع ومريدون، وهو ما تحققه تكنولوجيا المعلومات!.
يمكننا التدليل على هذا الواقع بالنظر إلى شركة "أمازون" التي بدأت كموقع لبيع الكتب على الإنترنت، ثم ما لبثت أن أصبحت أكبر متجر لبيع التجزئة في العالم، تبيع كل شيء وتنافس في أسواق بعيده وتمتلك أساطيل من طائرات الشحن تجوب العالم، أما صاحبها فلا يخفى على أحد إنه ثاني أغنى رجل في العالم! بعد أن نُحي عن المركز الأول الذي تصدره لسنوات، وحتى عندما حورب وأريد ابتزازه، تم هذا الأمر عبر تقنية المعلومات عبر اختراق هاتفه! نعم إنه مستقبل المعلومات والتكنولوجيا.
يدور الحديث منذ مدة طويلة في الأوساط السياسية والاقتصادية، عن أن العالم متوجه نحو تبلور نظام عالمي جديد أو حكومة عالمية موحدة، وبالرغم من اكتساء تلك الفرضية بنظرية المؤامرة، إلا أن تلك الأوساط ترى بأن الخطوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بتأسيس المنظمات الدولية والدخول في تحالفات إقليمية وعالمية واتفاقيات التجارة الحرة، ما هي سوى مقدمة لتحقق تلك الصورة، وبعيداً عن تقييم صحة تلك الفرضية من عدمه، لا يمكننا أن ننكر أن موازين القوى العالمية تغيرت بسبب القفزات التكنولوجية الهائلة، وعلى وجه الخصوص خلال السنوات القليلة الماضية، أما الحروب التي كانت تخاض في أرض المعارك، أصبحت تحسم عبر الطائرات المسيرة التي توجه عن بعد بفضل التكنولوجيا الحديثة، ولم تعد اللياقة البدنية والجسمانية شرطاً لأن تكون طياراً مقاتلاً بارعاً، بل يكفي أن تحسن" اللعب" عن بعد لتحسم الحرب لصالحك، والانتخابات وصناديق الاقتراع أصبحت توجه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتحسمها درجة تأثير المرشحين في تلك المواقع.
وجدت دراسة أجرتها شركة "zignal laps " أن الحديث حول تزوير الانتخابات الأمريكية الأخيرة في مواقع التواصل الاجتماعي، تراجع بنسبة 73% بعد أن قامت تلك المواقع بإيقاف حساب دونالد ترامب من على منصاتها، وتساءل الكاتب Dean Obeidallh في مقال منشور على موقع CNN عما كانت ستؤول إليه الأمور لو أن تلك المواقع منعت الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في وقت مبكر من استخدام منصاتها للتشكيك في نزاهة الانتخابات الأمريكية، وهل كان ذلك سيؤثر في آراء الناخبين؟ والأهم من ذلك، هل كان هجوم السادس من يناير على الكونغرس سيقع لو أن تلك الخطوة تم اتخاذها مسبقاً؟
تكشف تلك التساؤلات المشروعة مدى الإمكانية التي وصلت لها تلك المنصات والمواقع وشركات التكنولوجيا، كما أنها تنبئ بالقوة التي ستبلغها مستقبلا، رغم البراءة التي تبدو عليها والأهداف النبيلة التي تعلنها، فقد كشفت الإحصائيات أن عدد مستخدمي منصة تويتر تجاوز عددهم 330 مليون مستخدم، في حين أن 83% من حكام الدول لديهم حساب على تويتر، وخلال العام 2017 تم إنفاق 70 مليون دولار أمريكي على الإعلانات في المنصة نفسها، كما تتجاوز القيمة السوقية لشركة تويتر 36 مليار دولار، فيما تجاوزت قيمة فيسبوك السوقية 70 مليار دولار. أما شركة أمازون فقيمتها تتجاوز الـ280 مليار دولار! وبلا شك فإن تلك الأرقام تفوق قيمة الناتج الإجمالي المحلي لكثير من دول العالم، بل إنها تفوق الناتج الاجمالي المحلي لدول مجتمعة! وإذا ما أخذنا في الاعتبار التأثير الكبير لتلك المواقع والشركات التكنولوجية الذي يفوق تأثير دول عظمى ويزعزع مكانتها، يتبادر إلى الذهن سؤال مهم عن جدوى الحديث عن تسييس تلك المواقع لمنصاتها واقتحامها للمعترك السياسي، ولماذا علينا أن نفترض أن تنأى تلك الشركات العابرة للقارات بنفسها عن السياسة ونظن جازمين أنها ستبقى دوماً على الحياد دون أن تؤثر في العالم وتسوقه إلى ما تريد؟ أليست هي من يقوم برسم السياسات ويرسي قواعدها؟ إن التكنولوجيا الحديثة ستشكل مستقبل العالم بلا شك، وإذا كان الأمر كذلك ألا يعد منطقياً، أن تسعى تلك الشركات لتجيير العالم لصالحها؟ وتشكيله كما تريده أن يكون! وأين موقعنا نحن المستخدمين من الإعراب؟ هل سنستمر في الاعتراض على استخدام بياناتنا واستغلالها، في الوقت الذي تسمع وترى تلك المواقع كل ما نفعل، ثم تقترح علينا المنتجات التي تحدثنا عنها خلسة بيننا وبين أنفسنا، وتبيعنا وتشترينا كسلع في سوق النخاسة التكنولوجي! ألا يكفي أن يقترح عليك موقع فيسبوك أصدقاء الطفولة الغابرة الذين سقطوا من الذاكرة دون أن تفصح عن الخوارزميات المستخدمة في تحديد ذلك الصديق العتيق! أليس من الأجدر بنا أن نتساءل هل ستحكم تلك الشركات العالم؟ وكيف سيكون شكل العالم المحكوم من مواقع التواصل الاجتماعي؟
سيرى العالم قدرة قطر على استضافة أحداث عالمية بنجاح استثنائي
في عام 1993، انتهى "شكلياً على الأقل" نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، أو ما يسمى بالـ(الأبارتايد)، والقائم... اقرأ المزيد
4314
| 10 نوفمبر 2022
المجلس المنتخب بين الواقع... والمأمول
خلال الفترة الماضية، تصدرت مستجدات مجلس الشورى عناوين الأخبار، وما زالت، إلا أنها لم تعد كالسابق، فقد انتقلت... اقرأ المزيد
2458
| 16 ديسمبر 2021
هكذا تكلم أبو تريكة
اعرف ابو تريكة بالاسم، ولكنني لو شاهدته قبل اليوم لما عرفته، ليس لكونه مجهولاً بل لجهلي أنا الكبير... اقرأ المزيد
3565
| 09 ديسمبر 2021
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4902
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4299
| 23 سبتمبر 2026