رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

396

موزا محمد الكواري

إلى أبي وأمي…

21 أكتوبر 2026 , 12:00ص

تحية تليق بعمرٍ كامل قضيتماه في محاولة أن تكون الحياة أقل قسوة علينا، حتى في الأيام التي لم تكن فيها الحياة رحيمة بكما.

أكتب إليكما اليوم من الجهة الأخرى من العمر؛ من المكان الذي لم أكن أراه حين كنت صغيرة، حين كنت أظن أنكما تعرفان كل شيء، وأنكما لا تتعبان، ولا تخافان، ولا تترددان أمام القرارات الصعبة. كنت أعتقد أن البيت يقف لأنكما فيه، وأن الأمان شيء طبيعي يولد معنا، ولم أفهم أن أحدًا كان يسهر كي أنام، ويقلق كي أطمئن، ويؤجل أشياء تخصه حتى لا ينقصني شيء.

كبرت قليلًا، فبدأت أكتشف أنكما لم تكونا تعرفان كل الإجابات، لكنكما كنتما تحاولان. وأن بعض القرارات التي لم أفهمها في وقتها كانت تحمل خلفها حسابات لم أكن أراها، وأن بعض المنع كان خوفًا، وبعض الصمت عجزًا عن التعبير، وبعض الحزم طريقة مرتبكة لحمايتي من عالم لم تكونا تريدان له أن يؤذيني.

لم أكن أعرف أن الأب قد يعود إلى بيته مثقلًا بأشياء لا يستطيع أن يرويها، ثم يجلس معنا وكأن يومه لم يترك فيه أثرًا. ولم أكن أفهم أن الأم قد تخفي تعبها خلف سؤال بسيط: هل أكلتِ؟ وأنها قد تحفظ تفاصيل يومنا أكثر مما نحفظ نحن تفاصيل أيامنا، وأن قلبها يظل مستيقظًا حتى حين ينام الجميع.

لم أفهم أن الحب قد يأتي أحيانًا في هيئة نصيحة لا تعجبني، أو قلق أراه مبالغًا فيه، أو سؤال يتكرر حتى أشعر بالضيق منه. احتجت إلى أن أكبر لأدرك أن بعض الناس لا يسألون لأنهم يريدون معرفة الإجابة فحسب، بل لأن الاطمئنان علينا هو الطريقة التي يعرفون بها أنهم ما زالوا قريبين منا.

أبي…

لم أكن أعرف أن وراء قوتك أشياء ربما لم تجد وقتًا لتقولها، وأن المسؤولية قد تجعل الرجل يتقن إخفاء خوفه حتى ينسى الآخرون أنه يحتاج أحيانًا إلى من يسأله: وكيف حالك أنت؟

ربما لم أقل لك كثيرًا إنني ألاحظ تعبك، أو إن بعض ما أملكه اليوم يحمل أثرًا من صبرك ومحاولاتك. وربما اعتدت أن أراك في المكان الذي يمنحني الشعور بأن الأمور ستكون بخير، حتى نسيت أن أسأل نفسي عمّا تحتاجه أنت كي تكون بخير.

أمي…

لم أكن أعرف أن قلبك يحتفظ بأشياء لا تجد طريقها إلى الكلام، وأنك قد تفرحين لفرحي أكثر مما أفرح أنا، وتحملين همًّا قد لا أعرف عنه شيئًا. لم أفهم لماذا تتذكرين تفاصيل ظننتها عابرة، ولماذا تستطيعين أن تعرفي من صوتي أن شيئًا ما يؤلمني، حتى حين أقول إن كل شيء على ما يرام.

كبرت، وفهمت أن بعض الأمهات لا يحتجن إلى اعترافات طويلة؛ يكفيهن أن يرين أبناءهن بخير. لكنني فهمت أيضًا أن الأم ليست مجرد قلب يعطي بلا حدود، بل إنسانة لها أحلامها وتعبها وأيامها التي ربما احتاجت فيها إلى من يعتني بها كما اعتنت بالجميع.

ولعل أكثر ما يؤلمني اليوم أنني كلما فهمت الحياة أكثر، اكتشفت كم كنت صغيرة أمام ما تحملتماه من أجلي.

لم أعد أرى الأشياء بالطريقة نفسها. صرت أفهم أنكما لم تكونا تبحثان دائمًا عن القرار المثالي، بل عن القرار الذي يمرّ بنا إلى بر الأمان بأقل خسارة ممكنة. وأنكما ربما أخطأتما أحيانًا، كما يخطئ كل إنسان، لكنني أدرك أن وراء كثير من محاولاتكما رغبة صادقة في أن نكون بخير.

ولا أكتب هذا لأقول إن الوالدين لا يخطئان، أو إن الأبناء مطالبون بفهم كل شيء أو تجاوز كل ألم. نحن بشر، وقد تترك الكلمات والجراح آثارًا حتى بين أكثر الناس محبة. لكن النضج يمنحنا فرصة أن ننظر إلى الحكاية كاملة، وأن نرى الإنسان وراء دوره، والأب والأم وراء القرارات، وأن نفهم أن المحبة لا تلغي الاختلاف، لكنها تمنحنا فرصة لنفهم بعضنا بصورة أعمق.

إلى أبي وأمي…

لو كان بإمكاني أن أعود إلى بعض الأيام، لما طلبت منكما أن تفعلا المزيد بقدر ما كنت سأحاول أن أفهم ما لم تقولاه. كنت سأنتبه أكثر إلى التفاصيل الصغيرة، إلى التعب الذي يمرّ دون شكوى، وإلى اللحظات التي كنتما تحتاجان فيها إلى كلمة طيبة، وإلى أن العمر يمضي بكما أيضًا، وأنكما لستما ثابتين في مكانكما بينما نكبر نحن.

لقد قضيتما سنوات تنظران إلى المستقبل من خلالنا؛ ماذا سنصبح؟ أين سنصل؟ وكيف ستكون حياتنا؟ وأتمنى أن يأتي الوقت الذي تنظران فيه إلى حياتكما أنتما، إلى الأشياء التي تحبانها، وإلى الراحة التي تستحقانها، وإلى الأيام التي ينبغي أن تكون لكما لا أن تكونا فيها منشغلين بنا وحدنا.

أريد أن تعرفا أنكما لستما مطالَبَين بأن تظلا قويين طوال الوقت، ولا بأن تحملا كل شيء وحدكما، ولا بأن تخفيا احتياجاتكما خلف مسؤولياتكما. لقد كبرنا، وربما لم نعد نستطيع أن نردّ لكما كل ما منحتماه لنا، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نكون أقرب، وكيف نجعل وجودنا في حياتكما مصدر راحة لا مسؤولية جديدة.

أما الأشياء التي لم أقلها في وقتها، فلا أريد أن أنتظر مناسبة استثنائية لأقولها.

أحبكما، لا لأنكما كنتما والدَيّ فحسب، بل لأنني كلما كبرت اكتشفت جوانب جديدة منكما، وأدركت أن لكل واحد منكما حكاية سبقت مجيئي، وأحلامًا ربما تأجلت، وأيامًا لم تكن سهلة كما بدت لي. أحبكما لأنني بدأت أرى فيكما الإنسان الذي يحاول، لا الدور الذي يؤديه فقط.

وأتمنى أن تمنحكما الحياة من الطمأنينة بقدر ما حاولتما أن تمنحاني إياها، ومن الفرح بقدر ما أخفيتما من القلق، ومن الراحة بقدر ما بذلتما من جهد كي تكون حياتنا أكثر راحة.

أبي وأمي، مع التحية…

من ابنتكما التي كبرت بما يكفي لتعرف أن وراء كل ما ظنّته يومًا أمرًا عاديًا، عمرًا كاملًا من الحب والعمل والصبر.

ربما لا أستطيع أن أعيد إليكما السنوات التي مضت، ولا أن أجعل كل الأيام التي تعبتما فيها أقل تعبًا، لكنني أتمنى أن تكون الأيام القادمة ألطف بكما، وأن تجدا فينا ما يطمئن قلبيكما، وأن تشعرا بأن ما بذلتماه لم يذهب هباءً.

وإذا كان العمر قد علّمني شيئًا يستحق أن أكتبه في نهاية هذه الرسالة، فهو أن بعض النعم لا ندرك اتساعها إلا حين نكبر بما يكفي لنرى ما وراءها.

كنت أظن أنكما جزء من حياتي، ثم فهمت أنكما جزء من الطريقة التي أصبحت بها أنا.

وما بين الظن والفهم، مضت سنوات من عمري، وأتمنى ألا تمضي السنوات القادمة دون أن أخبركما، مرة بعد مرة، أن وجودكما في هذه الحياة ليس تفصيلًا اعتدت عليه، بل نعمة ما زلت أتعلم كيف أقدّرها.

إلى أبي وأمي، مع التحية والمحبة…

من ابنةٍ لم تعد تنظر إليكما بعيني الطفلة التي تنتظر منكما أن تفعلا كل شيء، بل بعيني امرأة بدأت تفهم كم كان الحب الذي قدّمتماه أكبر من قدرتها، يومًا، على فهمه.

مساحة إعلانية