رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

282

موزا محمد الكواري

بين شخصين يسكنان قلباً واحداً

01 أكتوبر 2026 , 12:00ص

هناك أشخاص لا تستطيع أن تضعهم في خانة واحدة.

تلقاهم يومًا ممتلئين بالحياة، يتحدثون كثيرًا، يخططون لأشياء بعيدة، يضحكون من القلب، ويمنحون من حولهم شعورًا بأن الدنيا ما زالت بخير.

ثم، دون مقدمات واضحة، ينسحب كل ذلك.

يصمتون.

تثقل خطواتهم، تتراجع رغبتهم في الكلام، ويصبح حتى السؤال البسيط عبئًا لا يعرفون كيف يجيبون عنه.

فتحتار في أمرهم.

أي النسختين هي الحقيقية؟

والحقيقة أن الإنسان ليس دائمًا نسخة واحدة ثابتة.

داخل بعض الأرواح معارك لا تظهر على الوجه، ومزاج يتغير بطريقة قد يعجز صاحبه نفسه عن تفسيرها. قد يستيقظ في صباح وهو يشعر أن بإمكانه تغيير العالم، ثم يأتي يوم آخر لا يستطيع فيه أن يجد سببًا واحدًا للنهوض.

وحين لا نفهم ما يحدث، نختصر الأمر بكلمات قاسية:

متقلب.

متناقض.

مزاجي.

لا يهتم.

يحب ثم يبتعد.

يقترب ثم يختفي.

ننسى أن وراء بعض التغيّرات أشياء أعمق من قرار لحظي، وأن الإنسان قد يكون أحيانًا أكثر شخص يحاول فهم نفسه.

قد يندم على كلام قاله وهو في قمة اندفاعه، ثم يندم مرة أخرى لأنه ابتعد عن أشخاص كان يحتاجهم حين انطفأ.

وقد ينظر إلى صورته القديمة ويتساءل:

كيف كنت بهذه الطاقة؟

ثم ينظر إلى أيامه الثقيلة ويتساءل:

كيف لم يرَ أحد أنني كنت أحتاج إلى من يفهمني؟

ليس كل تغير خيانة للمشاعر.

وليس كل ابتعاد دليلًا على قسوة.

وليس كل حماس وعدًا يمكن لصاحبه أن يضمن استمراره.

هناك من يعيش داخله صراعًا بين سرعة الشعور وثقل الواقع، بين أيام يشعر فيها أن الحياة تتسع له، وأيام تبدو فيها الغرفة أضيق من أفكاره.

وأصعب ما في الأمر أن الآخرين يرون السلوك، بينما صاحبه يعيش السبب.

لذلك، ربما نحتاج أحيانًا أن نتوقف عن سؤال الإنسان:

«لماذا أنت هكذا؟»

ونبدأ بسؤاله:

«ماذا يحدث لك؟»

فالفرق بين السؤالين كبير.

الأول يحاكمه.

والثاني يحاول الوصول إليه.

ومع ذلك، الفهم لا يعني أن نقبل الأذى، والتعاطف لا يعني أن نسمح بتجاوز حدودنا.

يمكننا أن نحب إنسانًا ونضع حدودًا في الوقت نفسه.

يمكننا أن نفهم أن خلف بعض التصرفات ألمًا، دون أن ننكر أثرها علينا.

فالحياة ليست دائمًا اختيارًا بين أن تكون قاسيًا أو متسامحًا.

أحيانًا تكون الحكمة أن تكون رحيمًا… وواضحًا في آن واحد.

وربما أجمل ما يمكن أن نقدمه لمن يعيش معركة لا نراها، ألا نجعله يشعر بأنه غريب عن العالم لمجرد أن عالمه الداخلي لا يسير دائمًا بالوتيرة نفسها.

فبعض الناس لا يحتاجون إلى من يفسرهم.

يحتاجون إلى من لا يزيد ارتباكهم حكمًا.

وإلى من يقول لهم، في الوقت المناسب:

«أنا لا أفهم كل ما يحدث داخلك، لكنني لن أختصر إنسانك في يوم سيئ، ولن أحكم عليك من نسخة مؤقتة منك».

ربما تلك الجملة وحدها…

تجعل شخصًا كان يحارب نفسه، يشعر للمرة الأولى أنه ليس مضطرًا لخوض المعركة وحده.

مساحة إعلانية