رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
"يا برتقال يا أخضر يا جديد، طالت الوقفة وأمتى العيد"، كانت أغنية زمن الهزيمة، ولكننا في زمن انتصار الشعب العربي وثورته المستمرة، فبشائر العيد تبان للأعين، تدركها الأبصار وتعيها البصيرة، وينبض العقل بفوران الشباب وحماسة وقداسة دم الشهداء التي تحي الإرادة، وتحميها وتهيئها لغد أكثر اقترابا من غاية الحرية والعزة والعدل الاجتماعي.
المشهد يوحي بيوم العيد الذي بانت بشائره. أسر، سيدات وفتيات في مجموعات تدلف إلى المقر الانتخابي، أب في أول الثلاثينات يقف أمامي وابنه الطفل متعلق برقبته في مشهد ينافس الكنغارو، وهما في طابور الناخبين، وتكتمل الصورة الجميلة، بابنة لا تتجاوز الثالثة من العمر، بريقها ينافس سطوع الشمس من حولنا وترتدي الأبيض والبمبي، داعبتها وسألتها عن رأيها، ويأخذ الأب طرف الحديث لنسمع منها نشرة أنباء الثورة، وماذا ستقولين اليوم وأنت صاحبة المستقبل كله، قالت نعم، وضحكنا وقلت لها الآن اختلفنا ولكنه غدك أنت وأنت أكثر حقا فيه منا جميعا.
مشهد شعرت فيه براحة وبهجة لم أشعرها أبدا في مقار اللجان، كنت دائما أذهب إليها كمن سيدخل كهفا به سواد وجريمة متواصلة، لكن المشاعر هذه المرة كانت في صفاء سماء نفس اليوم وكأنه عرسا في الأرض والسماء.
هؤلاء لا يدلون بأصواتهم لكنهم يدقون باب الأمل بأيديهم، آمنين من الخوف، دفعوا ثمن الحرية، ويسعون لتأكيدها.
دوي القنابل في ليبيا يصم الآذان في مصر، شاهدا على جريمة ثائر 1969 والعجز العربي الذي استنجد بالقوة الغربية للدفاع عن الشعب الليبي، أما العرب وحكوماتهم فوجودهم طارئ وعليهم الإعداد للدفاع عن أنفسهم، ويبشرون باستدعاءات مماثلة قد تتم في سوريا أو اليمن.
دم الشهداء السوريين على بوابة المسجد الأموي وفي "درعا" يطالبنا بتحرير الجولان، ودم الشهداء في اليمن السعيد يسقط طائرات أمريكا من دون طيار التي تقتل بتفويض وسماح من رئيس اليمن، وطوابير المصريين وبأطفالهم على أبواب لجان الاستفتاء يوحي باقتراب يوم العيد، ومهما كانت نتائج حركة الشعب العربي، إلا أنه خرج ولن يعود إلا وإرادته بيده حتى لو حاول مرات عديدة.
في تونس لم ينجح نظام بن علي في الالتفاف على إرادة الشعب لوجود مؤسسات كاتحاد الشغل، ولكن في مصر كان الائتلاف بين بقايا نظام مبارك والذين يكابدون الشوق للوجود ولو على حساب ثورة هم ضيوف عليها، يلتف من حول الثورة ويعتقد ظنا خاطئا أنه أقرب لتحقيق أهداف تبعدهم عن الثورة وتؤمنهم وتشبع شبق الانضواء عندهم.
سينتصر الشعب إن شاء الله حتى ولو دفع الثمن مرات متعددة فنحن وطن الفرص الضائعة.
ولا يخلوا المشهد من المناكفات، فالمكان الذي أقف فيه كان مدرستي الإعدادية منذ قرابة النصف قرن، وجاءتني مكالمة من صديق كنا معا في نفس المدرسة، قال إنه ذاهب إلى التصويت الآن ومعه زوجته وكلاهما سيقولان نعم، فماذا أنت قائل، أجبته سأقول لا، وإذا به ينفجر ضاحكا 70% نعم و30% لا، أنت طول عمرك بتراهن على الحصان الخاسر، وأكمل أن ابنته خريجة عين شمس "مثلك" وأيضا ستقول لا، وقلت له لأن خريجي عين شمس لا يستطيعون الإمساك بالعصا من منتصفها، بل يا جنرال يمضون إلى أهدافهم عبر أقصر المسارات، ضحك علي ووعد بهجوم تالي بعد النتائج.
نعم دائما نختار ما هو صعب، وكأني بحفيد السيد أحمد عبدالجواد في ثلاثية نجيب محفوظ وهو يخاطب خاله كمال الذي سرقه العشق والفلسفة من واقع الحياة، عندما زاره وكان هو وشقيقه في "التخشيبة" من جراء مشاركاتهما في المظاهرات فيقول لخاله: "إذا آمنت بما يؤمن به المجتمع فلتقاتل من أجله حتى ينتصر أو تموت دونه، وإذا آمنت بغير ما يؤمن به المجتمع فلتقاتل من أجله حتى ينتصر أو تموت دونه، وهذا معنى الثورة الأبدية".
"الثورة الأبدية" هي معادلة الوجود العربي، مفهوم يعني عدم ترك أدوات الصراع، كلمة كانت أو مظاهرة، اعتصام أو عصيان مدني، لأن الثورة رحلة عمل مستمرة وليست محطة وصول.
يطيب للبعض الحديث عن أن الثورة يصنعها الشجعان ويرثها الجبناء، وهي مقولة نمطية تسقط العقل والجهد والقيمة والتاريخ، نعم الشهداء يعبدون بدمائهم طريق النصر في المعارك العسكرية والثورات، ونعم ممن يرصعون صدورهم بأنواط ونياشين قد يكونوا أقل منهم عطاء، ولكن الأمر يحتاج إلى قراءة ووعي ولا يحتاج إلى الهروب للأمام.
الثورة علم، والشعب ومن معه ومن يدعون أنهم معه، يحتاجون إلى القدرة على معرفة دلالات المفهوم العلمي للثورة، هي علم تغيير المجتمع، وليست انتقاء برغبة من المتكلمة، ولا ممن يستطيبون الخدمة الفنية لأنظمة دون إدراك لمبررات شرعية وجود هذه الأنظمة. ويبدو مثيرا للاستغراب عندما يخرج اللواء ممدوح شاهين رجل القانون وعضو المجلس العسكري ويقول إن مبرر وجود المجلس العسكري في السلطة تفويض الرئيس المخلوع، فهذا غير دستوري، ولكن انتقلت السلطة للمجلس لأن المواجهة بين المجلس العسكري والرئيس المخلوع تمت، عندما اتخذ المجلس جانب الشعب، وأيا كان التوصيف اللفظي لانتقال السلطة، فإن إرادة الشعب بأن الشعب والجيش يد واحدة، هي المصدر الوحيد لشرعية وجود السلطة بيد المجلس العسكري.
والثورة تجاوزت كل المرتعشة أيديهم، أو الذين صنعوا خدودا بين الوطن والدين، وصار على المواطن أن يختار بينهما، واستبدلوا الوطن بجماعات جرى حجر الوعي فيها وهم في حالة خصومة مع من لا يماثلونهم، فصارت الجماعات أوطانا متناثرة، تشبه الانقسام القبلي والقومي. معهم لم يعد للوطن مستقبلا نسعى لبنائه، ولكنهم أحاطوا الوطن بإرهاب فكري أن الرأي بغير ما يرون يعني الكفر، وأن الخيارات تتبدى بين ما هو شرعي وما هو غير شرعي، وينسون ما يحكم به الإسلام ويتجاهلونه، بأن الكيانات التي تضمهم تقع تحت عنوان "البدع" وتقسم المجتمع وتفتته، ولعلهم يدركون أن كل بدعة ضلالة خاصة إذا استخدمت الدين معامل ترغيب وترهيب في غير موضعه، وكل ضلالة في النار، ولعلهم يفيقون من غيهم أن هناك يوما كلنا فيه ملاقون الخالق عز وجل، ولن تخفي عنه خافيه، اتفاقا أو ادعاء أو حتى تمويلا "للسكر والزيت" استغلالا لحاجة المواطن، مقابل سرقة صوته الانتخابي.
لمن لا يعلم، الإسلام ثورة ضد العبودية لغير الله، وليس وسيلة للاستبداد والخداع بين البشر.
والثورة ليست تفسيرات قانونية، ولا صياغات لجان جاءت بالصدفة وتشكيلها محل للريبة، ولكنها كشاف ضوء يعيد فرز الأسماء والنخب، من حيث الوعي، والإدراك لمعنى الثورة، والموقف من المجتمع ونداءاته واحتياجاته، وكشاف الضوء بفرزه للمواقف يستدعي إرادة التغيير مهما كانت مرارة كشف البشر، فهم هكذا كما ترونهم وليس كما تحلمون أن يكونوا، والرجال لا يدرك قيمتهم من يقذفون الحجارة.
والثورة عمل، وأي عمل علمي يفترض الإجابة على أسئلة: من؟ يفعل ماذا؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟ ولماذا؟ وكل هذه الأسئلة تفرض التخطيط والحركة واحترام الزمن وامتلاك القدرات، وتكشف أن الطريق إلى الفشل يبدأ من الارتكان إلى النوايا الطيبة والاكتفاء بها.
الثورة علم صناعة المستقبل وهي كلمة أهمس بها إلى الثوار، لا تتوقفوا عن الحركة، ولن تتحقق أهداف الثورة بغير أيديكم، وإصراركم وأدركوا مفهوم "الثورة الأبدية".
والثورة هدم نظام قديم، ولمن بيدهم قرار أوكله الشعب لهم، ويملك الحق والقدرة على استرداده منهم، الشعب يريد إزالة الحزب الوطني من الحياة السياسية وتقديم قياداته إلى محكمة الشعب بتهمة الإفساد السياسي. والشعب لا يريد التصالح بأموال منهوبة منه يدفعها سارقو الوطن والمفسدون، ولكنه يريد الأموال والأراضي والمصانع، ومحاكمة المفسدين على ما اقترفوه من النهب وإهدار الحياة وإمكانات النمو، بل محاكمة كل هؤلاء بتهمة قتل شهداء الثورة. كتبت الصحفية رشا عزب تقول: "على عكس كثيرين ممن قالوا (لا) أنا متفائلة إحنا النهاردة عرفنا الطريق، ديمقراطية الشارع هي الحل وكل المناطق اللي كان فيها لجان شعبية أداؤها عالي". ولم تخلوا التعليقات المصرية من النكتة لتكتب نورهان الحناوي " لو (لا)كسبت ابقوا صحوني من النوم. لو (نعم)كسبت حاولوا تصحوا مصر من النوم".
صنع جمهور نادي الإسماعيلية الرياضي ما يسمونها "دخلة" الألتراس، أو شعار الافتتاح في مباراة يوم 18 مارس، وكان عبارة عن علم فلسطين بألوانه الأربعة، وأخذوا يهتفون "الشعب يريد تحرير فلسطين"، هل هذا شعب تقاس إرادته (بكيلو سكر وكيلو زيت) رشوة تصويت أيها المخادعون، لعل المتفائلين والمتشائمين والحزانى يدركون من هو الشعب المصري.
قطر الأمن والأمان
ما أروع أن تجد نفسك في بلد يكتنفه الأمن والأمان مهما طرأت عليه تغييرات قد ترهقنا!، ولكن بفضل... اقرأ المزيد
108
| 02 أغسطس 2026
ثنائية التمدد الإيراني والصهيوني
حين يتأمل العقل النقدي المشهد الاستراتيجي للشرق الأوسط، يصطدم بأكبر مأزق فكري يعاني منه الوعي الجمعي العربي: السقوط... اقرأ المزيد
195
| 02 أغسطس 2026
صوت الحكمة
مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، وازدياد المخاوف من مخاطر تجدد انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع من... اقرأ المزيد
78
| 02 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
11292
| 27 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1791
| 29 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1677
| 26 يوليو 2026