رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كارت وردي – منيرة آل ثاني- أول كتاب أدبي عربي عن كرة القدم.. يصدر عن كاتبة قطرية
أفضل ما يتيحه الله سبحانه لأستاذ هو أن يعيش ليرى أحد طلابه يتألق فيشعر الأستاذ بأنه هو الذي ينجح من خلال نجاح طالبه وأنه هو صاحب بعض الفضل في تميز ابن من أبنائه أو بنت من بناته وهو شعور فيه من النرجسية جزء مقبول ومشروع، فالأستاذ حتى وإن أصابه يأس وبدأ يحس بوطأة السنين يتحول إلى مشارك في تفوق طلابه يفرح لفرحهم وتسعده منهم كلمة عرفان صادقة يشحن بها "بطارية" العمر، وأنا أدركت مروءة منيرة منذ زمن حين فجعت بفقدان إحدى معلماتها في المجال الصحفي الميداني طيبة الذكر ثريا نافع رحمها الله ففكرت في رصد جائزة تحمل اسمها لأحسن إنتاج صحفي.
هذا هو شعوري حين أهدتني طالبتي منيرة خالد آل ثاني كتابها الجديد بعنوان "كارت وردي" ومنيرة من المعدن الأصيل لأنها لا تقطع صلتها بمن درسوها في كل مراحل تعليمها، وأنا لا أبالغ إذا وصفت كتابها هذا بأنه أول كتاب عربي أدبي عن عالم كرة القدم، بالطبع صدرت كتب كثيرة عن هذه الرياضة الشعبية الجماهيرية ولكنها لم تكن أدبية بل لم تطمح إلى بلوغ مستوى الأدب، كانت مؤلفات رياضية أو تقنية أو احترافية أو تأهيلية خاطبت أصنافاً من الجمهور "الكروي" بلغة صحفية أو ملاعبية لكنها لا ترقى لدرجة الأدب، فللأدب نواميس وفنون ويشترط موهبة لم تتوفر في أغلب من كتبوا عن الرياضة والرياضيين، ولم أعرف أدباً راقياً في كرة القدم سوى كتب فرنسية كتبها صديقي "باسكال يونيفاس" وهو مولع بكرة القدم لكنه أستاذ في العلوم السياسية ورئيس المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية بباريس ومعلق مثقف على أحداث العالم والقضايا الاستراتيجية وهو أيضا أديب وذو هواية وموهبة في رياضة كرة القدم.
وحين فتحت الكتاب الأنيق الصادر عن منشورات مجلة "ستاد الدوحة" كان أول ما استرعى انتباهي وإعجابي هو العنوان "كارت وردي" ترفعه الكاتبة في وجه بعض مظاهر العنف والخطأ في الملاعب كما يرفع الحكم كارت أحمر أو كارت أصفر، فاللون الوردي الذي اختارته منيرة للكارت هو علامة سلام وتعامل حضاري وأنثوي رقيق مع من يستحقون النقد ولفت النظر، والأمر الثاني الذي جلب اهتمامي هو الإخراج الفني الأنيق للكتاب فهو في حد ذاته عمل فني بطغيان اللون الوردي وجمال الصورة وإتقان التصفيف.
إنني لا أعجب من صدور أول كتاب أدبي عن رياضة كرة القدم في دولة قطر وبقلم كاتبة قطرية متميزة وغزيرة الإبداعات لأن قطر هي التي ستنظم مباريات كأس العالم لسنة 2022 وهي التي تقوم بجهود عملاقة ومشكورة لتأمين كرة القدم من مخاطر الانحراف للفوضى والتعصب، وقد خصصت الكاتبة لهذا الحدث – الحلم، كما نعتته مقالات أهمها وقفة مع ملف 2022 (ص 84) توضح فيه منيرة أبرز شروط نجاح هذا الاستحقاق الكبير ومهام كل من عينوا "سفراء" لخدمة هذا الهدف السامي.
فمنيرة آل ثاني تؤكد على صفحات كتابها أنها شاعرة بمسؤولية دولتها ومقدرة لمساعي أميرها في سبيل أن تنجو كرة القدم من نزعات التناحر والتعصب لتعود هذه الرياضة الراقية، كما كانت نقطة التقاء الأخلاق العالية والتسابق النزيه على الفوز واحترام المنافس والقبول بالنتيجة وبروح رياضية كما كان يقال، ونرى اليوم منيرة تثور بقلمها على العقليات المريضة التي انحرفت بكرة القدم إلى "حرب داحس والغبراء".
قدم للكتاب رئيس تحرير مجلة ستاد الدوحة السيد ماجد الخليفي، فقال إنه يقدر كيف استطاعت منيرة أن تكسر قيود الخوف من دخول ميدان كان حكراً على الإعلام الذكوري غير أنها استطاعت أن تشق طريقها بثقة وأن تجد لها فضاء واسعاً من الإبداع والتميز.
كما أن رئيس الاتحاد القطري لكرة القدم الشيخ حمد بن خليفة بن أحمد آل ثاني أكد هذه المعاني، فقد قدم للكتاب بكلمات لطيفة تقبل فيها نقد "كارت وردي" بصدر رحب، كما قال لأن النقد يصحح الأخطاء ويسلط الأضواء على بعض الهنات التي لا يتفطن لها المسؤول الكروي.
ومنيرة لا تخفي أنها في البداية ترددت عن اقتحام هذا المجال لكنها تسلحت بثقتها في نفسها وإيمانها بأنه لا حدود مسيجة للمرأة المثقفة ولا يمكن حبسها في مجالات معينة أنثوية، بل إنها مدعوة لتتبوأ مكانتها كفاعلة إعلامية وتوجيهية لهذه الرياضة التي تمس في الواقع أغلب مواطني قطر والعالم رجالاً كانوا أو نساء، وهي تنجح في تصحيح مفاهيم خاطئة متوارثة مثل الاحتراف ومعانيه ومثل تسييس الرياضة ومثل رفع النوادي إعلانياً في عالم التجارة ومثل شراء اللاعبين وتداولهم كالأسهم في البورصة، ومثل دور الجمهور المشجع للفريق والمتنقل بين المدن في العالم، ومثل المافيات التي تمارس في الظلام تأثيراتها السيئة على الرياضة والرياضيين، ومثل حقيقة الفيفا ومن وراءها من رجال التأثير والإعلام والمال والأعمال.
قالت منيرة عن كتابها بكل تواضع: "كارت وردي يختلف عن الكروت الصفراء والحمراء، بل هو نظرة بتطلع أنثوي قطري خاض مجالاً يرونه حكراً على الرجل في زمن أمير الحرية والقلوب أطال الله عمره، فشكراً على قبولكم وجودي وسط الحروف الرياضية، وبقلب هجوم الكرة القطرية والدفاع عن الروح الرياضية".
وأنا أضيف إلى كلامها هذا بعض التحيات الخالصة من أستاذها الذي تشرف بتخريج أربعة أجيال من الإعلاميين مع نخبة من الزملاء الكرام، تحية من القلب لهذه المبادرة الجريئة التي لا تحمل رمزاً رياضياً أو أدبياً أو إعلامياً فحسب، بل إن إصدار هذا الكتاب يعتبر بحق إنجازاً اجتماعياً وسياسياً كبيراً تعتز به دولة قطر، وهي الدولة الخليجية المحافظة لأن قيادة قطر الرائدة والسباقة لتحرير الكفاءات النسائية هي التي تستحق مع الكاتبة وسام شرف الريادة.
فهنيئاً لقطر بهذا القلب الأنثوي المشاكس ولكن في أدب، والمصرح بالحق ولكن باحترام، والداخل إلى ملعب كرة القدم من بابه الواسع بلا "تسلل" ومنيرة ستظل لاعبة متميزة في فريق الأخلاق الرياضية العالية تلبس فانيلة محترمة وردية تلفها عبايتها رمز الأصالة وهي ستسجل أهدافها في مرمى أعداء الروح الرياضية، وإذا قدر لها أن تكون حكم المباراة، فهي سترفع في وجوه قرائها ومحبيها "كارت وردي" بكل ود، وبكل ابتسامة ثقة وأمل في مستقبل الرياضة في وطنها وفي مستقبل وطنها بأسره بقيادة حكيمة من أفضل رجاله ونسائه.
وإني أنصح بمطالعة هذا الكتاب الذي يجمع بين الإمتاع والمؤانسة وبين الخفة والعمق وبين الجد والهزل وبين الواقع وأفق المستقبل، وسأعمل شخصياً على إدراج هذا الكتاب في المعرض الدولي للكتاب بكل من باريس وفرنكفورت، كما أرجو أن يحتل مكانه في معرض الدوحة والقاهرة لأنه بكل بساطة طريف ونادر.. ويحمل رسالة ومجموعة قيم رياضية ووطنية عليا.
جوهر الحضارة ورياحين النفوس
في تجربتنا الإنسانية على هذه البسيطة، جميلٌ أن يُدرك المرء أن الفنون جوهر الحضارة ولبّها الأصيل، يرتفع بها... اقرأ المزيد
168
| 02 يونيو 2026
رحلتي وعودتي من الحج.. ذكريات لا تغيب
عندما غادرت أرض الوطن متوجهاً إلى الديار المقدسة، كنت أحمل شوقاً طال انتظاره إلى بيت الله الحرام، لكنني... اقرأ المزيد
243
| 02 يونيو 2026
قطر تدين اقتحام المسجد الأقصى
في امتداد لموقفها الثابت والتاريخي الداعم للقضية الفلسطينية والدفاع عن القدس ومقدساتها، أدانت دولة قطر اقتحام متطرفين إسرائيليين... اقرأ المزيد
132
| 01 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4218
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2631
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1635
| 29 مايو 2026