رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

حمد حسن التميمي

Instagram: hamadaltamimiii

مساحة إعلانية

مقالات

735

حمد حسن التميمي

قطر والتعليم.. حين تصبح المدرسة مشروعًا للهوية والسيادة (2/1)

22 يوليو 2025 , 02:00ص

شهد نظام التعليم في قطر خلال السنوات الأخيرة تحولات مفصلية أعادت تعريف فلسفة المدرسة ووظيفتها. لم يعد التعليم مجرد قطاع خدمي لنقل المعرفة أو تطبيق الأنظمة، بل أصبح مشروعًا سياديًا يُمارس فيه الانتماء، ويُصاغ داخله الإنسان القطري الجديد من خلال رؤية عصرية تواكب تحديات العصر. كما شدد صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني: «إن بناء الإنسان القطري هو رهاننا الأكبر، والتعليم صمام الأمان الأول لهويتنا الوطنية ومستقبل دولتنا».

هذا التحول نال دعمًا غير مسبوق من أعلى مستويات القيادة. تدعمه رؤية ميدانية تقودها سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر، وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي، والتي أكدت في تصريح لها: «نلتزم بأن تكون المدرسة نقطة انطلاق لكل سياسة تربوية، نستمع فيها إلى صوت الميدان التربوي ونمنح للمعلمين شراكة حقيقية في رسم ملامح المرحلة المقبلة».

تحولت الحصة الدراسية إلى مساحة وجدانية حية، وانتقل النشاط المدرسي من روتين تلقيني إلى مختبر يومي تُبنى فيه العلاقة بين الفكرة والإنسان، وتُغرس فيه بذور الانتماء الوطني؛ فأضحت الحصة منصة يومية لممارسة السيادة الثقافية عبر بناء الإنسان لا تلقينه.

هذا التحول العميق يُجسد روح رؤية قطر الوطنية 2030 التي وضعت الإنسان في قلب المشروع الوطني، وجعلت التعليم ركيزة للسيادة الثقافية وسقفًا يتجدد تحت ظله حلم الوطن.

التعليم كقرار سيادي ورافعة تنموية

لم تتعامل الدولة مع التعليم كبند روتيني في الموازنة أو مهمة خدمية تكميلية، بل اختارته كقرار سيادي ينبع من فلسفة ترى في المدرسة منبتًا للهوية وصياغة للمستقبل. صارت المدرسة فضاءً نابضًا تزرع فيه الشخصية القطرية، ويرسخ فيه الوعي والانتماء. وللتأكيد على مركزية التعليم، قال سمو الأمير: «الأوطان التي تضع بناء الإنسان في مقدمة خططها تضمن لنفسها البقاء والتميز».

أصبحت السياسات التربوية إعلانًا سياديًا بأن بناء الإنسان في قطر جوهر تشكيل الدولة الحديثة، لا تفصيلًا إداريًا. ولهذا يُدار الإنفاق التعليمي على أساس التمكين الوطني، حيث تُستثمر الميزانيات في تطوير البنية التحتية الذكية، كإطلاق المدارس النموذجية الجديدة أو إدخال أنظمة تقييم رقمية وطنية، وتحديث المناهج، وتأهيل الكفاءات محليًا وعالميًا، فيُستثمر في صناعة العقول الوطنية، لا استيراد الحلول الخارجية، مع إشراف مباشر من القيادة العليا. هنا، لا تُعد المخصصات مجرد أرقام، بل أدوات استراتيجية تُحمى بالرؤية وتُفتح أمامها آفاق لا يحدها سوى طموح الإنسان. ليغدو التعليم أفقًا سياديًا يتسع للعقل والانتماء معًا.

من الرؤية إلى الفعل.. التعليم فلسفة مجتمعية متكاملة

لم يكن موقع التعليم في قطر محصلة قرارات وزارية منفصلة، بل نتج عن وثيقة سيادية أعادت رسم خريطة التنمية الوطنية: رؤية قطر الوطنية 2030. هذه الرؤية جعلت من التنمية فعلًا ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا في آن معًا.

تبرز «التنمية البشرية» كقلب نابض بين المواطن وطموحات الدولة، ليصبح التعليم حجر الزاوية في بناء المجتمع. هكذا لم يعد التعليم مجرد مرحلة تمهيدية للمهنة، بل أداة تصوغ الإنسان القطري المفكر، المنتج، المنتمي.

تشكلت على مدى الأعوام فلسفة تربوية جديدة تبتعد عن التلقين، وتعامل المنهج كفضاء لصناعة الذات الوطنية. الكتاب المدرسي لم يعد مجرد وسيلة نقل معرفة، بل رمز لغرس القيم واستنهاض العقل وحلقة وصل بين الأصالة والانفتاح دون مساس بالهوية.

هذا التحول كرس التعليم رؤية حية في صميم المجتمع، يعيد تشكيل الوعي الجمعي ويجهز الأجيال لامتداد سيادي يصنع المستقبل بإرادة أصيلة، ليغدو التعليم بوابة المجتمع القطري إلى السيادة الإنسانية قبل التقنية.

التعليم أداة تمكين وتحرير

التربية القطرية اليوم لا تكتفي بتطوير المناهج ولا بإدخال التقنية، بل ترى التعليم بوابة تحرير الفكر وتمكين الإنسان. الهدف يتجاوز اجتياز الامتحانات، ليُكيف شخصية تفاعلية مع العصر دون أن تنقلب على جذورها.

وقالت سعادة الوزيرة لولوة بنت راشد الخاطر في بيان رسمي: «هدفنا الأكبر أن يكون الطالب القطري منتجًا للقيم، لا مستهلكًا للمعرفة فقط؛ نريده منفتح الذهن وواثق الجذور».

تصبح المدرسة فضاء يُغرس فيه الانتماء، حيث يتحول الطالب من متلق إلى حامل لفكر السيادة القطرية في حياته اليومية، وتُصقل فيه الشخصية. التعليم لم يعد مجرد اكتساب معرفة، بل تكوين مواطن يعكس صورة قطر للعالم بأخلاقه ومبادراته وقيمه، لا بشهاداته فقط.

والرؤية التحررية لا تعني القطيعة مع الثوابت، بل ترسيخ التفكير الحر داخل إطارها، بحيث تُفتح نوافذ المدرسة على العالم من داخل الذات الوطنية. وهكذا يصبح الطالب القطري نقطة انطلاق لرواية وطنية جديدة تُكتب من الصف، لا تُستورد من الخارج، عبر مشاريع العمل المجتمعي داخل المدرسة التي تعزز حس المسؤولية والانتماء.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية