رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبد الله النعمة

مساحة إعلانية

مقالات

213

د. عبد الله النعمة

سمعتك الرقمية لم تعد ملكك وحدك

22 يوليو 2026 , 06:59ص

حين يبحث مستثمر أجنبي أو شريك تجاري عن شركتك، فهو لا يتصل بمكتبك ولا يقرأ تقريرك السنوي، يفتح هاتفه ويسأل ChatGPT أو Google AI أو Perplexity. وما يحصل عليه ليس موقعك الإلكتروني الرسمي، بل رأي الخوارزمية فيك، مُركَّباً من موقعك ومن كل ما كُتب عنك في أي مكان على الإنترنت.

هنا تبدأ المشكلة

موقعك الإلكتروني، إن كنت مثل كثير من الشركات الكبرى في المنطقة، ربما لم يُحدَّث منذ سنوات، ويحمل معلومات ناقصة أو متجاوزة. هذا لم يكن خطراً كبيراً حين كان الزائر يقرأ الموقع بنفسه ويحكم. لكن المشهد تغيّر جذرياً. محركات البحث الذكية اليوم لا تعرض موقعك، بل تُلخّصه وتُحوّله إلى حقيقة جاهزة تُقدَّم بثقة لملايين المستخدمين. والمعلومة الخاطئة في موقعك تصبح خطأً في الذاكرة الرقمية العالمية.

تشير تقديرات متعددة صادرة عن جهات متخصصة في تحليل محتوى الذكاء الاصطناعي إلى أن أغلب الشركات الكبرى تحمل خطأً واحداً على الأقل فيما تقوله عنها هذه المحركات، وأن كلفة هذه الأخطاء على الشركات حول العالم تُقاس بمليارات الدولارات سنوياً. والأشد خطورة أن نماذج الذكاء الاصطناعي تُقدّم المعلومة الخاطئة بلغة أكثر ثقة وحسماً من المعلومة الصحيحة.

ما يُميّز هذه المسألة عن مجرد إهمال رقمي هو بُعدها الوطني. شركتك، إن كانت من الشركات الكبرى في قطر، ليست مجرد كيان تجاري بل واجهة. حين يبحث مستثمر عن شركة طاقة قطرية أو مقاول بنية تحتية في الدوحة، فإن ما يجده يُشكّل انطباعه عن البيئة الاستثمارية كلها. وقد حدث بالفعل أن بحث مستثمر آسيوي عن شركة قطرية رائدة في قطاعها، فوجدت الخوارزمية موقعها الإلكتروني متوقفاً عن التحديث منذ سنوات، وملأت الفراغ بمعلومات من منتديات عامة لا صلة لها بواقع الشركة. هذا النمط يتكرر أكثر مما يُعترف به.

علاوة على ذلك، تُغذّي محركات الذكاء الاصطناعي نفسها مما هو منشور. فإن غاب حضورك الرقمي أو كانت معلوماتك متضاربة، ملأت الخوارزمية الفراغ بما وجدته في منتديات ومواقع مجهولة المصدر، وهذا ما يُعرف بالهلوسة الرقمية، أي توليد معلومات تبدو منطقية لكنها مختلقة كلياً.

هل من دولة تُراقب هذا؟

السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا الواقع: هل توجد جهة رقابية في أي دولة تُشرف على الحضور الرقمي للشركات الكبرى وتضمن دقته؟

الإجابة اليوم: لا توجد بعد بالمعنى الشامل. لكن الاتجاه واضح. الاتحاد الأوروبي يسير بخطى متسارعة نحو تنظيم محتوى الذكاء الاصطناعي عبر قانون الخدمات الرقمية وقانون الذكاء الاصطناعي. الإمارات أنشأت بيئة اختبار تنظيمية لتقنيات الذكاء الاصطناعي عام 2024 كخطوة استباقية. والولايات المتحدة تُحاسب الشركات التي تُضلّل عبر ادعاءات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. الفجوة واضحة، والفرصة أوضح.

قطر تملك بالفعل الأساس المؤسسي لسدّ هذه الفجوة قبل غيرها. اللجنة الوطنية للذكاء الاصطناعي، التي أُنشئت بقرار مجلس الوزراء رقم عشرة لسنة 2021 وتضم ممثلين من مختلف الوزارات، مخوّلة أصلاً بوضع آليات تنفيذ الاستراتيجية الوطنية والإشراف على مبادراتها. بالتنسيق مع هيئة تنظيم الاتصالات، صاحبة الولاية التنظيمية على الوصول إلى الوسائط الرقمية، تستطيع هذه اللجنة أن تُصدر معياراً وطنياً واحداً محدداً: إلزام الشركات العاملة في القطاعات الحيوية، كالطاقة والبنية التحتية والمال، بتدقيق سنوي لحضورها الرقمي، يُقاس فيه توافق ما تعرضه محركات الذكاء الاصطناعي عنها مع واقعها الفعلي، ونشر مؤشر امتثال علني لكل شركة. هذه خطوة واحدة، قابلة للتنفيذ خلال عام، ولا تحتاج جهازاً بيروقراطياً جديداً بل تفعيلاً لولاية قائمة أصلاً.

شركتك التي لا تملك حضوراً رقمياً موثوقاً لم تعد تخسر فقط عميلاً، بل تخسر ثقة عالَم يسأل الخوارزمية قبل أن يطرق بابها.

مساحة إعلانية