رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كتب زميلي وصديقي محسن النويشي مقالا في 23 مايو 2021 بعنوان (فلسطين نحررها أم تحررنا) ملخصه أننا نحن العرب نتساءل منذ قرن: «كيف نحرر فلسطين من عدو غاصب يتعذب شعبها يوميا في مظلمة تاريخية غير مسبوقة بلغت مع رئيس حكومة المحتل الحالي حد الإبادة المعلنة للجميع ونحن أهل العروبة والإسلام لا نزال نشعر بعقدة ذنب لا تغفر لنا لأننا عجزنا عن القيام بأي عمل يردع المحتل ويضع حدا لحرب الإبادة؟»، هذا موجز ما قاله أخي محسن النويشي وأنا أضيف له الإشارة إلى نبل وصدق الموقف القطري الذي أعلن للجميع وهو قبول الوساطة بين المحتل والضحية الفلسطينية التي كانت من أجل هدف سام وذي استعجالية وهو إيقاف المجزرة البشرية التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية عبر تصفية الفلسطينيين نهائيا!، و لا يزال الموقف القطري قائما على أسس شرعية المقاومة واحترام القانون الدولي بلا مراوغات المحتلين التي تحرف معاني الإرهاب عن مقاصدها المثبتة في بنود ميثاق منظمة الأمم المتحدة بقصد تحويل وجهة الأنظار الأوروبية والأمريكية من فهم حقيقة الاحتلال إلى قبول المصطلحات المغشوشة وترويجها لدى شعوبهم!، ومن اعتبار الاحتلال عدو فلسطين الحقيقي إلى اعتبار إيران هي العدو! ومن اعتبار إبادة شعب غزة هو الإرهاب بل من الكبائر إلى اعتبار المقاوم من أجل أرضه وعرضه هو الإرهابي!، وربما في نفس السياق من قلب الحقائق كتب أشهر الإعلاميين البريطانيين وأعرفهم بملفات الشرق الأوسط (ديفيد هيرست) في موقعه الإلكتروني ذائع الصيت عالميا (ميدل إيست أي) أي عين على الشرق الأوسط يقول: «لا يمكنني القول ما هي خطط (ترامب) في عهدته الثانية التي سوف ترى النور هذا لو فعلا رأى أي منها النور ولكني أعلم أن العالم العربي تغير خلال الشهور الثلاثة عشر الماضية ولم يعد كما كان، وأن فريق ترامب لن يعود إلى الملعب نفسه الذي كان يلهو فيه من قبل في عام 2017، لأن المشاهد التي تنقلها قناة الجزيرة والقنوات النزيهة الغربية والعربية لم تعد مفاجئة لأحد: «مجموعة من الرجال والنساء وحتى الأطفال من المدنيين يحملون أكياسا من الدقيق يتم سحقهم حيث هم محاولون النجاة بكيس طحين أو أرز بقصف وحشي مباغت لا يبرر من طائرات مقاتلة إسرائيلية أوهمت هؤلاء البؤساء بفتح ممرات آمنة فاطمئنوا وهو ما يشكل مذبحة مريعة الغاية الوحيدة منها هي ارتكاب جريمة إبادة جماعية والقتل بسلاح التجويع ومما رسخ في الذاكرة صورة ما بقي بعد القصف تتمثل في أشلاء بشرية ممزقة بجانب بقايا أكياس على مسافة طويلة في شمال رفح وصورة عربة توك توك مقصوفة بجوار نقطة توزيع المساعدات الإنسانية في نفس الخط المأساوي المروع. مع مشهد حصان يجر عربة بتثاقل وطفل يمشي بعيدا عن المكان ولوحة ناطقة بالجريمة يظهر فيها الفلسطينيون مشدوهين ينظرون في الفراغ وقد تسمروا من أثر الصدمة لا يعرفون ماذا يفعلون كأن الطحين عزيز أما حياة الإنسان فلا! بينما كان ذلك كله يحدث كان وزير الخارجية الأمريكي (أنطوني بلينكن) يعلن على الملأ بزهو أنه «مسرور بعدد شاحنات المساعدات التي سمحت لها إسرائيل بالدخول»، وبأنه لن يفرض عليها العقوبات التي كانت بلاده قد هددتها بها في الثالث عشر من أكتوبر 2024 وقال المسؤولون في وزارته: «إن إسرائيل اتخذت «خطوات مهمة» لمعالجة المسائل التي كانت الولايات المتحدة قد أعربت عن قلقها إزاءها فيما يتعلق بالوضع الإنساني في غزة ولكن هؤلاء الناطقين باسم الخارجية الأمريكية لم يتوسعوا في شرح ما هي تلك الخطوات المهمة التي اتخذتها إسرائيل برأيهم!
* ما من شك في أن (بلينكن) كان يتحدث بشكل آلي إلا أن تفاؤله إزاء دخول المساعدات لم تشاركه فيه (الأونروا) وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة التي صرحت بأن شهر أكتوبر 2024 شهد دخول أقل كمية من الطعام والأدوية إلى غزة خلال عام وشهور منذ الطوفان. الغريب أن الجنرال الإسرائيلي (أتزيك كوهين) قال في تصريح للصحفيين الإسرائيليين إنه: «لا توجد لدينا نية للسماح لسكان شمال قطاع غزة بالعودة إلى مناطقهم»! مضيفاً «ان المساعدات الإنسانية سوف يسمح بدخولها «بشكل منتظم» إلى جنوب القطاع، مؤكدا أنه «لم يعد يوجد مدنيون» في الشمال وجميعهم مسلحون ولكن بمجرد أن انتهى من تصريحه ذلك تدخل رؤساؤه من الضباط الأرفع منه درجة ليكذبوه لأن ما قاله هذا الأهوج دليل إثبات على ارتكاب جريمتي حرب: استخدام التجويع كسلاح والترحيل القسري للسكان!.
* وإذا كان الديمقراطيون يريدون أن يعرفوا لماذا قام عدد كبير من الناس في قاعدتهم الانتخابية – شباب الجامعات والكليات والعرب والمسلمون الأمريكان – بالتخلي عن مرشحتهم «المرحة الضحوكة» لصالح «قوى الظلام»، فهذا هو السبب بل تتحمل المرحة الضحوكة (كامالا هاريس) القدر نفسه من المسؤولية مثلها مثل الرئيس (جو بايدن) ومثل (بلينكن) فهي لم تقدم بتاتا على النأي بنفسها عن سياسة إدارتها تجاه غزة بل وكما قالت هي بنفسها: «نعم كنت حاضرة داخل قاعة العمليات عندما كانت تتخذ القرارات بهذا الشأن» ويقول (هيرست): «رسالتي لهم هي: لا تبحثوا في أي مكان آخر عن سبب هزيمتكم لأنكم سوف تجدونه كله ماثلا هنا في المرآة التي أمامكم!» وهي أيضا الثغرة التي دخل منها (ترامب) لمنطقة الفوز متظاهرا بأنه مرشح «وقف الحرب» فتذكروا حين توجه (ترامب) نحو الإمام الساذج لمسجد بلدة (هامترامك) في (ديترويت) قائلا» إنه سوف يجلب السلام وفي واحدة من أكثر الحركات الانتخابية البهلوانية سخرية حين ظهر الإمام وزملاؤه المصلون على المنصة مع (ترامب) مبايعين له وها هو ترامب بعد بضعة أيام فقط من انتخابه يملأ مقاعد وزارته بأناس لم يكفوا عن تبرير ما تمارسه إسرائيل من نشر للحرب في أرجاء المنطقة كافة ومن هؤلاء (مايك والتز) الذي روج له موقع التواصل الاجتماعي التابع لترامب واسمه (تروث سوشال) باعتباره «خبيرا في التهديدات التي تشكلها الصين وروسيا وإيران والإرهاب!! كان (والتز) هذا هو الذي اختاره ترامب ليشغل منصب مستشار الأمن القومي لديه قد صرح لقناة فوكس نيوز في سبتمبر 2024 بأن وقف إطلاق النار وصفقة تحرير الرهائن لن توقفا الصراع... وأضف اليه الرجل الذي يشاع أنه مؤهل لوزارة الدفاع وهو المتطرف الذي ملأ الوشام ذراعيه المفتولتين وكان اشتغل ضابطا في جيش إسرائيل!! ومن شهادات الأمس الخميس السيد (لازاريني) المفوض العام للأونروا قال: «غزة أصبحت مقبرة للأطفال» والصحفية الفرنسية (هيلين فريفو) من قناة فرنسا الحكومية قالت: «مشهد أجساد أطفال غزة تتطاير في الهواء يقطع القلوب».
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. ib_1983@hotmail.com
4791
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1491
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1257
| 11 مارس 2026