رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قد تتساءل وتقول: ماذا تريد من هذا العنوان أعلاه؟
أو ماذا تريد أن تقول عن الهند؟
تساؤلك هذا منطقي وطبيعي، مثلما هو التساؤل الذي أرغب في طرحه ها هنا.
نعم، ماذا عن الهند؟ أو أكثر تحديداً: لماذا لا يتم تركيز الأضواء الإسلامية، السياسية منها والإعلامية عليها، كما الحال مع الكيان الصهيوني الغاصب مثلاً، وخاصة أنها دولة محورية ذات علاقة تاريخية قديمة مع العالم الإسلامي، وجوار أو قدر جغرافي، لكن توجهاتها وسياساتها تجاه المسلمين خلال السنوات القليلات الماضيات، بدأت تتقاطع وتتشابه مع توجهات ومخططات الكيان الصهيوني تجاه الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يستوجب تسليط الأضواء على ما يجري بالهند، فالمسألة تكبر وتتضخم يوماً بعد يوم، ما لم يتم ضبطها.
غالب أحاديثنا عن مسلمي الهند تدور عادة حول مشكلة كشمير، وهي واحدة فقط من مشاكل المسلمين في هذه البلاد الواسعة، التي يتجاوز عدد المسلمين فيها مائتي مليون نسمة، وتعتبر أكبر أقلية مسلمة في العالم، تعاني ما تعاني منها الأقليات المسلمة في الصين وبورما وبعض الأقطار غير المسلمة الأخرى.
منذ وصول اليمين المتطرف وتغلغله في أجهزة الحكم والسيادة في الهند قبل سنوات ثمانٍ ماضيات، والمسلمون فيها يتنقلون من معاناة إلى أخرى، بدءاً بهدم مساجدهم التاريخية، ومروراً بمدارسهم وبيوتهم هنا وهناك تحت دعاوى ومزاعم عدم قانونيتها، وانتهاء بمزاعم يتم الترويج لها سياسياً وإعلامياً حول خطر المسلمين على مشروع إقامة الهند الكبرى أو بلاد الهندوستان، وضرورة تهجيرهم إلى الجوار المسلم، باكستان وبنغلاديش وغيرهما، بالإضافة إلى ما يقع عليهم من تضييق مستمر في معاشهم ومصادر أرزاقهم، إلى درجة غض الطرف عن التحريض المستمر ضدهم، المباشر منه وغير المباشر، من لدن كهنة هندوس متطرفين، تحت سمع وبصر الحكومة، وبشكل يكاد لا يتردد المرء المراقب في القول بأنها حملات ممنهجة.
علاقات الهند التاريخية
مع العالم الإسلامي قديمة
تتطور تلك العلاقات أو تتراجع بحسب أيديولوجية وسياسات الحزب الذي يحكم البلاد. فمنذ أن جاء إلى الحكم، حزب «بهاراتيا جناتا « بعد وعـود بالمساواة بين جميع الطوائف والأعراف، والمسلمون في معاناة وضيق وقلق وتوتر مستمر، حتى صار عند المراقب للشأن الهندي، يقين شبه تام بأن المتطرفين أو المتشددين الهندوس، هم المسيطرون على منهج الحزب الحاكم الحالي وسياساته، والتي بدأت مؤخراً تتجسد على أرض الواقع على هيئة تضييق متدرج متصاعد على الأقليات - المسلمة تحديداً - بالإضافة إلى الأقلية المسيحية أو غيرهما، والعمل بوضوح شبه تام نهاراً جهاراً لإقامة هندوستان، أو بلاد الهندوس، اعتماداً على مبدأ الأغلبية العددية، خلافاً للدستور الهندي المعتمد والمعدل في 1976 الذي يؤكد على علمانية الهند، والمتمثلة في الفصل التام بين الدين والدولة. حيث لا يوجد دين رسمي للدولة، ولا يمكن للمدارس المملوكة بالكامل للدولة مثلاً أن تفرض تعليماً دينياً محدداً، ولا يمكن استخدام أموال دافعي الضرائب لدعم أي دين. هكذا الوضع دستورياً. لكن ما جرى خلال السنوات القليلات الماضيات ولا يزال يجري، يفيد أن الأمر خلاف ذلك.
من يتابع أخبار المسلمين بالهند وما يتعرضون له من حملات تشويه وتضييق وترهيب، لا يكاد يخالجه أدنى شك في أنها ممنهجة ومدعومة بشكل وآخر، بل وتؤكد على نوايا الجناح المتطرف في الحزب الحاكم لفرض أجنداته ومشاريعه على أرض الواقع، تساعده قدرات مادية وإعلامية وسياسية بالغة التأثير على سياسات هذه الدولة المحورية في شبه القارة الهندية. هذا من ناحية الداخل الهندي، أو الدعم الداخلي.
أما من ناحية الدعم الخارجي، فإن من يتأمل الحاصل الآن ضد المسلمين بالهند، ويقارنها بالحاصل مثلاً ضد الفلسطينيين في دولة الاحتلال الصهيوني في فلسطين، يكاد يصل إلى نتيجة مؤكدة أن السياسات والمخططات في الدولتين تكاد تخرج من مشكاة واحدة، أو أن مصدر التفكير والتخطيط فيهما واحد، خاصة إذا علمنا متانة وعمق العلاقات بين الهند والكيان الصهيوني، والتي بكل تأكيد تتأثر بفكر ومنهج الحكومات المتعاقبة على الدولتين.
الهند بحكم علمانيتها أو دستورها، لابد أن تدرك بأن علاقاتها التاريخية مع المسلمين تبقى متينة بمتانة وقوة حفاظها على حياة ومصالح مواطنيها المسلمين، لا أن تسمح لأصحاب أجندات متطرفة بالتأثير على تلكم العلاقة. وما يجري الآن ضد المسلمين هناك، لا يفيد أبداً حرص حكومة الهند الحالية على علاقاتها بالمسلمين، حرصها على علاقاتها مع الكيان الصهيوني الغاصب على سبيل المثال.
**
ما يدعو للقلق أن محاولات التضييق والترهيب وبث الخوف والقلق بين المسلمين بالهند، لا تلقى ذلك الحزم من الحكومة وكأنما تباركها، أو هكذا يبدو المشهد للمراقبين. بل ما يزيد القلق أكثر، هو ذلك الدعم من منظمات أخطبوطية متطرفة، تتلاقى أجنداتها مع الجناح المتطرف في الحزب الحاكم، أبرزها منظمة المتطوعين الوطنيين المعروفة باسم RSS التي كان لها دور حاسم مؤثر في وصول رئيس الوزراء الحالي مودي إلى السلطة عام 2014.
تؤكد أدبيات وأجندات هذه المنظمة واستراتيجياتها البعيدة على تحويل المجتمع الهندي إلى أمة هندوسية خالصة، على حساب المسلمين والمسيحيين وبقية الأقليات الذين تستهدفهم المنظمة، صاحبة التأثير القوي على مسؤولين ورموز الحكم، والتي لا يُعرف مصادر تمويلها أو ما إذا كانت واجهة لنشاطات أخرى خفية، وإن كانت ظاهرياً تبدو أنها معتمدة على دعم خيري من الشتات الهندي في الولايات المتحدة وأوروبا، بالإضافة إلى دول الخليج العربي، حيث للمنظمة شعبية كبيرة في هذه الدول، ومن غير المستبعد أن مئات الألوف من الهندوس العاملين بالولايات المتحدة ودول الخليج تحديداً، ربما هم أعضاء في المنظمة، وتساهم اشتراكاتهم وهباتهم في ترسيخ أقدامها وتعزيز نفوذها بالداخل الهندي ومصانع القرار، وربما إشارة إلى قُرب تجسيد أجنداتها على أرض الواقع.
**
أن يتأثر نحو مائتي مليون مسلم بسياسات حكومة متأثرة بفكر هندوسي متطرف، ليس بالأمر اليسير الذي يجعل منظمة إسلامية كبيرة كمنظمة التعاون الإسلامي لا تحرك ساكناً، وكأن حملات التضييق والترهيب المستمرة ضد المسلمين هناك لا تعنيها من قريب أو بعيد، أو تبدو كأنما لا ترغب التدخل بأي صورة كانت، حفاظاً على علاقات ومصالح بعض الدول الأعضاء مع الهند، وهذا خلاف لسياساتها، بل وأسباب قيامها.
منظمة التعاون الإسلامي، في ختام هذا الحديث، عليها أن تلعب دوراً بارزاً حاسماً، وخصوصاً من لدن بعض الدول المؤثرة فيها، لاسيما تركيا ودول الخليج، للعمل على دفع الأذى عن مسلمي الهند، وذلك عبر دفع الحكومة الهندية أولاً لضبط إيقاعات السياسة الداخلية المتجهة بقسوة وقوة تجاه الإضرار بمصالح وحياة المسلمين فيها، وعدم الخضوع لأجندات منظمات أخطبوطية مشبوهة مثل RSS والعمل ثانياً على ضبط تدفق العمالة الهندية نحو دول الخليج تحديداً، لاسيما الهندوسية منها، خشية أن تكون تلك العمالة مصادر تمويل رئيسية لتلك المنظمة، أو ربما خلايا نائمة يخشى من عواقب التساهل مع تحركاتها، المباشرة وغير المباشرة.
الأمة محاطة بما يكفي من أعداء خطرين، وإن جاءوا بثياب الناصحين أو الباحثين عن تجارة واستثمار، وهم في الأساس ذئاب أو أشرس منها. والمؤمن كيّسٌ فطن، وليس بالخِب أو المخادع، ولا الخبُ في الوقت ذاته، يخدعه ويتلاعب به وبمصالحه.
النظام في إيران بين خطاب التبرير وسياسات التصعيد
دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر الأمني مع اتساع رقعة الحرب التي اندلعت في 28 فبراير... اقرأ المزيد
141
| 17 مارس 2026
وداعاً أيها الراقي المتميز
يوم الأحد الماضي وردنا خبر وفاة مذيع قناة الجزيرة المتألق الراحل جمال ريان، رحمه الله وغفر له، والذي... اقرأ المزيد
111
| 17 مارس 2026
رمضان ليس موسماً للتسول
يأتي شهر رمضان كل عام محملًا بقيم الرحمة والتكافل الاجتماعي، وهو شهر تتضاعف فيه أعمال الخير، ويحرص الناس... اقرأ المزيد
90
| 17 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية. الخلاصة، الجغرافيا تخدم إيران، الديموغرافيا تخدم إيران، خطوط الإمداد تخدم إيران، الأوضاع النفسية في داخل إيران او خارجها تخدم ايران، الاسلحة الدقيقة القادرة على ضرب أصول القوات الامريكية والاسرائيلية في صالح إيران، وورقة الطاقة في صالح ايران، واذا استطاعت ايران ضبط معدل اطلاق الصواريخ والمسيرات مع معدل الإنتاج فستملك إيران أوراق الصمود وهي من سينهي الحرب.
4572
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1506
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1266
| 11 مارس 2026