رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

642

د. جاسم الجزاع

لماذا لا يستمع أصحاب القرار للأكاديميين؟

23 أبريل 2025 , 02:00ص

ظهرت في الآونة الاخيرة عدة بحوث ومقالات أكاديمية تناولت الفجوة التي نجدها بين الاكاديميين وبحوثهم وبين أصحاب القرار من الساسة واصحاب النفوذ في الدول العربية، فشعرت بقلق عميق على مستقبل المعرفة التي ينتجها الباحثون العرب، وإنني لم أقرأ مجرد أرقام وتحليلات، بل قرأت بين السطور التي سطرها أولئك الباحثون صرخة مكتومة من قلب أروقة الجامعات ومراكز البحوث، تلك الصرخة التي تسأل وتتساءل.. هل لا يزال لما يكتبه الباحث العربي أثر؟ هل ما زال للبحث وزنه في تشكيل واقع الناس وسياسة الدول ؟ أم أصبح يدور في حلقة مغلقة، فيكتب لنفسه، ويقرأ لنفسه، ويقيَّم على معايير لا تمتّ بصلة لحياة الناس ومشكلاتهم؟

فأدركتُ حينها أننا قد نكون – كباحثين وأكاديميين ومثقفين - من حيث لا نشعر، جزءًا من منظومة تُنتج معرفة معقمة، منزوعة المعنى، منفصلة عن هموم الميدان. فالجامعات، في كثير من الأحيان، صارت تحتفي بعدد ما يُنشر لا بما يُغيّر، وتهتم بمقاييس الاقتباس أكثر من اهتمامها بأثر الأفكار على أرض الواقع، وغاب السؤال الجوهري: لمن نكتب؟ ولماذا نكتب؟ وهل نكتب لأنفسنا أم لمجتمعنا؟

أكثر ما أقلقني هو أن هذا الانفصال والانفصام الذي لا يصيب فقط الباحثين، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله، فصناع القرار والساسة يبتعدون عن الأبحاث ونتائجها والقائمين عليها وبل يتجاهلونها، والباحثون يفقدون الإيمان بجدوى ما يقدمونه، وهذا التباعد يهدد، بصمت، القيمة الحقيقية للتعليم العالي والبحوث الاكاديمية، ويجعلنا نتساءل: ما الفائدة من كل هذا الحشد الأكاديمي إن لم يكن له حضور في حياة الناس؟

بل الأدهى أن بعض الأبحاث – رغم أنها تُبذل فيها جهود ذهنية جبارة – تُرفض لأنها لا تلتزم بالقالب النظري الجامد، أو لا تتماشى مع اهتمامات مجالات النخبة، وكأننا ننتج لمرآتنا، لا لعالمٍ يحتاج إلى حلول واقعية، فأصبحت المعادلة باهتة.. كلما زادت الأبحاث، قلّ الأثر.

ولأنني أعمل في بيئة أكاديمية، فإنني ألمس هذا التناقض يوميًا، أرى أساتذة كبارًا يجهدون أنفسهم في كتابة أبحاث دقيقة، لكنها لا تجد من يقرؤها خارج أسوار الجامعة، وأرى في الجانب الآخر بعض أصحاب الضمير اليقظ ممن يعمل في ادارات الحكومة في الميدان يبحثون عن حلول فورية لمشاكلهم، لكنهم لا يرون في البحوث الأكاديمية سوى ترف نظري لا علاقة له بالواقع، فعلا.. إنها فجوة لا تُقاس بالأمتار، بل تُقاس بعدد الفرص المهدرة، والثقة المتآكلة، والمعرفة الضائعة.

فالدراسات تحدثت عن أسباب كثيرة لهذه القطيعة ومنها.. أنظمة المكافآت التي تكافئ الكم لا النوع، إلى الضغوط المتزايدة للنشر، وحتى أزمة المصداقية التي تتفاقم بسبب الممارسات البحثية المشكوك فيها. ولكنني أعتقد أن هناك سببًا آخر لا يقل خطورة، فقدان الشغف الحقيقي بالأسئلة الكبرى، فحين يتحول الباحث إلى موظف نشر، ويفقد الدهشة الأولى التي دفعته للبحث، فإن النتيجة تكون جافة، بلا حرارة، وبلا حياة.

ورغم كل هذا، ما زال الأمل قائمًا، فأنا أؤمن أن بإمكاننا تصحيح المسار لو تحلّينا بالشجاعة الكافية لمراجعة أنفسنا، أن نكتب بلغة يفهمها غير المتخصصين، وأن ننخرط مع المجتمع ولا ننعزل عنه، وأن نعيد الاعتبار لدور الباحث كبانٍ للحضارة، لا كحافظ لأرفف المجلات المحكمة.

أتمنى من أعماقي أن يدرك الساسة وأصحاب القرار في عالمنا العربي أن الباحثين والمفكرين ليسوا زينة معرفية تُستدعى في المناسبات، بل هم خزائن عقول تضم بين طياتها حلولًا لمشكلاتنا، ورؤى لمستقبلنا، وإجابات لأسئلتنا المؤجلة. كم أتمنى أن تصبح الاستعانة بالأبحاث والدراسات جزءًا أصيلًا من صناعة القرار، لا ترفًا أكاديميًا مؤجلًا إلى حين.

لقد تناول الباحثون في دراساتهم الدقيقة مختلف جوانب الحياة: من الاقتصاد والتعليم، إلى الصحة والإدارة، ومن التنمية البشرية إلى التحولات الاجتماعية والديموغرافية، وقدموا رؤى تحليلية عميقة واقتراحات واقعية مدعومة بالأدلة. لكن المؤلم أن تلك الجهود كثيرًا ما تبقى حبيسة الرفوف أو المجلات العلمية، لا تجد طريقها إلى مكاتب الوزراء ولا إلى طاولات النقاش في غرف القرار. وأتمنى أيضا أن تكون هذه الصحوة الأكاديمية بداية لنهج جديد، يتقدم فيه البحث ليكون في خدمة الإنسان، لا في خدمة الورق، وأن تعود الجامعات لتكون منصات حياة، لا أبراج صامتة، وأن نعيد للعلم شرفه القديم، أن يكون نورًا يهدي، لا نصوصًا مهجورة في زوايا مكتبات مغلقة.

اقرأ المزيد

alsharq جزيرة الشيطان.. وانهيار منظومة القيم

في اليوم الأخير من قصة قوم نبي الله لوط عليه السلام، أرسل الله ملائكته في صورة رجالٍ حِسان... اقرأ المزيد

84

| 21 فبراير 2026

alsharq تجمعاتنا أجر وسعادة

ما أجمل التواصل والألفة والمودة بين الأهل والأقارب والأصدقاء في كل الأوقات، ولكن يزيد جمالها ويضاعف أجرها في... اقرأ المزيد

147

| 21 فبراير 2026

alsharq اسم الله الرحيم

«الرحيم» من أسمائه سبحانه وتعالى التي تشوق المؤمنين إلى صفاته، وتعرفهم بكمالاته، وتغرس في نفوسهم الرجاء فيما عنده.... اقرأ المزيد

75

| 21 فبراير 2026

مساحة إعلانية