رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اليمن، تلك الأرض التي فرضت عليها جغرافيتها أن تكون مطمع الملوك على مر الأزمان والعصور، وكلنا يعرف موقع اليمن الإستراتيجي وتحكمه بإحدى أهم الممرات المائية في العالم، لقد كانت اليمن عرضة لصراع أعظم إمبراطوريتين في التاريخ القديم وهما فارس والروم، كلا الإمبراطوريتين تحالفتا مع القبائل العربية التي كانت تقطن شمال جزيرة العرب، فتحالف الغساسنة مع الرومان، وتحالف المناذرة مع الفرس الذين خاضوا معهم حربًا بالوكالة ضد الرومان مابين 613 – 614م.
وعلى إثر المجزرة التي قام بها آخر ملوك حمير «ذونواس» والتي تعرف بـ «الأخدود» كما جاء ذكرها في القرآن الكريم، إستغل الإمبراطور الروماني «جستنيان» تلك الحادثة وبذريعة نصرة الدين والانتقام للمسيحيين، تحالف عسكريًا مع ملك الحبشة وأمده بالسفن الحربية وأوعز إليه بغزو اليمن في العام 516م واستمرت الحرب عشر سنوات حتى تمكن الغزاة من بسط سيطرتهم عليها في العام 525م، ويرى بعض المؤرخين أن أهداف التحالف الروماني الحبشي على اليمن الغير معلنة كانت اقتصادية بحتة حيث كان الحميريون يهددون المصالح التجارية للدولة البيزنطية.
وبعد أن بسط التحالف سيطرته على اليمن، أصبح أبرهة الأشرم واليًا عليها وبنى كنيسةً عظيمةً في صنعاء، وأخذ ينشر دين المسيحية وأرسل إلى ملك الحبشة يخبره أنه قد بنى له كنيسةً وأنه عازمٌ على أن يصرف العرب عن الحج إلى الكعبة ليتوجهوا بالحج إلى كنيسته، ثم ما لبث أن أخذ به الطمع والغرور فانقلب على الملك ونصب نفسه ملكًا على اليمن، لقد كانت الأهداف الغير معلنة لأبرهة من بناء الكنيسة هي الفوائد المادية من الحجيج، فكان رد العرب أنهم رفضوا وصايته عليهم وتدخل أبرهة في شؤونهم، فقام أحد العرب بقضاء حاجته في الكنيسة وعبث بأثاثها وانتهك حرمتها، فغضب أبرهة وأقسم أن يهدم الكعبة ويرغم العرب على الحج إلى كنيسته، لكن غضب أبرهة هذا وتوعده بهدم الكعبة أيضًا لم يكن للدين كما يدعي، بل كان ذريعةً للسيطرة على الحجاز وتوسع مملكته.
فبدأ بتجهيز جيش جرار وجعل على مقدمة مجموعة من الفيلة يتقدمها فيل ضخم، والفيل بمثابة سلاح الدروع في الجيوش العصرية، فبإمكان الفيل هدم أي منزل في طريقه وجلده سميك جدًا لدرجة أنه لا تؤثر فيه ضربات السهام.
توجه أبرهة بجيشه قاصدَا الكعبة وفي الطريق حاولت بعض القبائل العربية مقاومته دون جدوى حتى وصل إلى الطائف، وكان فيها «بيت اللات» فخشيت ثقيف أن يهدمه أبرهة ظنًا منه أنه الكعبة، فقالوا له إن الكعبة في مكة، وأرسلوا معه دليلًا يقال له «أبورغال» وقد توفي في الطريق بعد أن دلهم على الكعبة، وقريبًا من مكة استولى أبرهة على أموال قريش وغيرها من القبائل، فهمّت قريش وبعض القبائل أن تقاتل أبرهة فلما تبين لهم قوة جيشه وعظمته علموا أنهم لا طاقة لهم بذلك وآثروا أن يخرجوا من مكة ويصعدوا الجبال على أن يروا بيت الله يهدم.
الموقف رهيب مع اقتراب ساعة الصفر، وهاهو أبرهة على وشك أن ينفذ خطته المشؤومة، فأمر الجيش بالتحرك في اتجاه الكعبة، وفجأة برك الفيل الذي في المقدمة في مكانه لا يريد التوجه إلى الكعبة لقد تعطل سلاح المدرعات ذلك السلاح الذي لا يقهره إلا سلاح الجو، سادت حالة من الترقب على كل الجبهات، وكان أهل مكة يرقبون الجيش من فوق الجبال المحيطة.
وفجأة وبدون مقدمات، إذا بسلاح طيرانٍ من نوع خاص يملأ الأفق حاملًا أسلحة دمارٍ شامل، ولا يكاد يحدث أي صوت أو ضوضاء كما تفعل الطائرات في زماننا، إنها ليست طائرات كالتي نسمع عن ضرباتها الذكية كما يدعون ثم يكون معظم ضحاياها من الأبرياء، إنها سلاح ربانيٌ موجه بدقة لدرجة أنه يتعامل مع الأفراد فردًا فردا، إنها طير الأبابيل التي تحمل حجارةً من سجيل فجعلت القوم كعصف مأكول، ولم يكن ذلك نصرًا لتلك القبائل العربية التي كانت مغلوبةً على أمرها فحسب، بل كان انتصارًا لليمن أيضًا، فاعتبروا يا أولي الألباب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1749
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1269
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1044
| 07 يناير 2026