رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قد تُفهم المدن اليوم من خلال طبقتين متداخلتين: طبقة مرئية تتجسد في شوارعها وبناها المادية، وأخرى خفية تتكوّن من تدفقات مستمرة من البيانات تعيد إنتاجها في صورة رقمية موازية. هذه الطبقة الثانية لا تعكس الواقع فحسب، بل تعيد صياغته ضمن نماذج تحليلية قادرة على التقاط إيقاع الحياة اليومية، واستخلاص أنماطها، وتوقّع تحوّلاتها. هكذا تغدو المدينة نصًا مفتوحًا يُكتب في الزمن الحقيقي، ويُعاد تأويله خارج حدوده الجغرافية.
عند هذه النقطة، تتغير طبيعة القوة نفسها: من امتلاك الوسائل إلى امتلاك القدرة على التفسير. فما يُنتج داخل المدينة من حركات وعلاقات وتكرارات زمنية يتحول إلى مادة خام تغذّي منظومات تحليلية معقدة، تُدمج فيها البيانات وتُعاد معالجتها ضمن سياق شبكي يتيح استخراج معرفة دقيقة بالبنية العميقة للسلوك الاجتماعي. ومن هنا يتشكل نمط جديد من السلطة، قوامه التحكم في تدفقات البيانات، لا السيطرة على الأرض وحدها.
في هذا السياق، يكتسب مفهوم الاختراق دلالة أوسع. فالمسألة لم تعد تتعلق بمجرد الدخول إلى الأنظمة، بل بالقدرة على قراءة المدينة من الداخل، عبر تفكيك أنماطها وإعادة تركيبها في صورة رقمية متماسكة. الاختراق، بهذا المعنى، ليس فعل نفاذ تقنيا فقط، بل عملية تفسير مستمرة، تتحول فيها البيانات إلى معرفة، وتتحول المعرفة إلى أداة لإعادة تشكيل الواقع.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن التوسع المتسارع في سوق الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، الذي أخذ يتبلور بوصفه بنية اقتصادية واستراتيجية تدير جانبًا مهمًا من الصراع المعاصر. ومع تصاعد الاستثمارات، واتساع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وأنظمة الاستشعار متعددة المصادر، تتشكل منظومات قادرة على دمج البيانات الآتية من البر والجو والفضاء والفضاء السيبراني في صورة واحدة، تُستخدم لإنتاج ما يمكن وصفه بـ”الذكاء القابل للتنفيذ”. هنا تتقلص المسافة بين الرصد والفعل، فيغدو التحليل جزءًا من القرار، لا مرحلة منفصلة عنه.
وفي هذا الإطار، تتجلى طهران بوصفها مثالًا مكثفًا لهذا التحول. فالعمليات التي تستهدف مراكز الثقل داخل المدن لم تعد تُفهم باعتبارها أفعالًا عسكرية دقيقة فحسب، بل بوصفها تعبيرًا عن بنية صراع تتداخل فيها الخوارزميات مع الاستخبارات، والبيانات مع القرار السياسي. والدلالة الأعمق هنا لا تكمن في الضربة ذاتها، بل في المسار الذي يسبقها: مسار طويل من الاختراقات، والتحليل الخوارزمي، والتنسيق الاستخباري العابر للحدود، حيث تُبنى لحظة الحسم قبل أن تُنفذ.
ومن خلال تراكم هذه البيانات يتشكل ما يُعرف بـ ”خريطة الحياة”، وهي بنية تحليلية تعكس انتظام السلوك اليومي، وتتيح رصد الانحرافات الدقيقة ذات القيمة العملياتية العالية. فالصور والمعطيات لا تُقرأ في بعدها الفردي، بل ضمن سياق شبكي يكشف الروابط الخفية، ويحدد مراكز الثقل، ويقدّر أثر كل عنصر داخل المنظومة.
عند هذه النقطة، يتحول الهدف من موقع جغرافي إلى نمط سلوكي، ومن حضور مادي إلى بنية قابلة للتحليل. وما يُرصد هنا ليس المكان بقدر ما هو الإيقاع، وما يُستهدف ليس الموقع بقدر ما هو اللحظة التي يتقاطع فيها السلوك مع فرصة التدخل. بذلك، تتشكل المعركة في مستوى أعمق من المجال الفيزيائي؛ إذ تُبنى في الخوادم قبل أن تظهر في السماء.
هذا التداخل بين التحليل الرقمي والفعل الحركي يعكس نموذجًا متكاملًا للحرب، حيث تتعانق الخوارزميات مع الذخيرة ضمن سلسلة واحدة. وإعادة تشكيل بيئة المعلومات، عبر الاختراق أو التشويش أو تعطيل الاتصالات، لم تعد عنصرًا مساعدًا في العمليات، بل أصبحت جزءًا من بنيتها الداخلية.
ومن زاوية مفاهيمية، يعيد هذا النموذج تعريف السيادة بوصفها قدرة على التحكم في قابلية القراءة. فالدولة التي تصبح بنيتها الرقمية قابلة للفهم من الخارج تفقد جزءًا من قدرتها على إنتاج الغموض، وهو أحد شروط الفعل الاستراتيجي. وعندما تتكشف الأنماط، يضيق هامش المفاجأة، وتغدو القرارات أكثر عرضة للتوقع.
عربيًا، يطرح هذا التحول إشكاليات تتجاوز البعد التقني. فالتوسع في المدن الذكية والبنى الرقمية المتكاملة يضاعف كثافة البيانات المنتجة، لكنه يفتح في الوقت نفسه مجالًا أوسع لإعادة قراءتها من الخارج. هنا لا يكمن التحدي في إنتاج البيانات، بل في حمايتها، وفي منع تحويلها إلى معرفة قابلة للاستثمار الاستراتيجي. وفي عالم كهذا، يغدو الاستعداد الرقمي شرطًا من شروط البقاء، لا ترفًا تقنيًا. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن مستعدون؟.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• متخصص بالسياسة السيبرانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3663
| 29 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
1077
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
744
| 27 أبريل 2026