رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قال تعالى في محكم تنزيله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [النساء: 58].
إدارة الدولة والمجتمع هي المحدد الأساس للتنمية الاقتصادية العادلة، والقابلة للاستمرار، وهي أيضا مكون رئيسي لأية سياسات اقتصادية ناجحة، وترتبط بها أيضاً أساليب الجودة ونوعيتها، وتبني فكرة الكفاءة والفاعلية داخل المنظمات الحكومية وغيرها من منظمات وجمعيات المجتمع المدني، هذه هي قواعد الحكم الرشيد التي نادى بها ديننا الحنيف، وبنا بها أجدادنا العصور الإسلامية الذهبية التي نهضت بالأمة الإسلامية والعربية، وقادت بها العالم في تلك العصور، هذا الشعور انتابني عندنا قرأت ما دار في لقاء معالي الشيخ خالد بن خليفة بن عبدالعزيز آل ثاني رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية مع رؤساء تحرير الصحف المحلية، الذي كان بمثابة رسائل مبشّرة للشعب القطري تعبر عن توجهات حكومتنا الرشيدة وجهودها المبذولة لتوفير سبل العيش الكريم للمواطن القطري، وقد حمل العديدَ من الأخبار السارّة لفئاتٍ كبيرة من المُجتمع، تحظى باهتمامٍ كبيرٍ من قيادتنا الرشيدة، واتسم اللقاء بالشفافية والإجابات الدقيقة والمباشرة، ونوجز تلك التباشير في المحاور التالية:
رفع المعاناة عن المتقاعدين
تمثل فئة المُتقاعدين شريحة كبيرة من المجتمع، وتتأثر بمعاناتهم شريحة عريضة، سواء المتقاعدون أنفسهم بصورة مباشرة أو من يكونون تحت إعالتهم من الزوجات والأبناء، وأكد معاليه على حرص حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، على كفالة الحياة الكريمة للمُواطنين المُتقاعدين، وتوجيهات سموه برفع الحد الأدنى للمعاش التقاعدي إلى 15 ألفَ ريال، ونوه معاليه بأن قانون التقاعد المزمع إصدارُه سيتضمن العديدَ من الأحكام التي تصبّ في مصلحة المتقاعد، منها إضافة بدل السكن من ضمن العلاوات، وكذلك تعديل الأحكام الخاصة بـ «السلف»، لمُواكبة أعباء الحياة وتلبية تطلّعات المُتقاعدين وضمان حياة كريمة لهم، وهذا بالتأكيد يعكس مدى حرصَ قيادتنا الرشيدة على ضمان الحياة الكريمة للمُواطنين المُتقاعدين، الذين أفنوا حياتَهم لخدمة الوطن وساهموا بمسيرة النّهضة في مُختلف المجالات.
إرساء قواعد المشاركة الشعبية في البلاد
تضمن اللقاء رسائل قوية للناخبين والمرشحين، بتأكيد معاليه حرص قيادتنا الرشيدة على إجراء انتخابات مجلس الشورى، بموجِب الدستور الذي تمّ الاستفتاءُ عليه، وَفق إجراءات نزيهة وشفّافة لتعزيز تقاليد الشورى وتطوير عملية التشريع وتعزيز مُشاركة المُواطنين.
وفي رسالة واضحة ومباشرة، أكّد معالي رئيس مجلس الوزراء أنّ الدولة لا تدعم أشخاصاً بعينهم في انتخابات الشورى المقبلة، وإنما تدعم إجراءَ انتخابات حرّة ونزيهة تكفل مشاركة شعبية واسعة لاختيار الأفضل والأكفأ، والقرار في النهاية هو قرارُ المواطن وحدَه في اختيار من يمثّله في مجلس الشورى المُنتخب من خلال صناديق الاقتراع.
مكافحة الفساد
من القواعد الأساسية لإرساء أركان الحكم الرشيد في الدولة محاربة الفساد، حيث أكّد معاليه على أنّ مكافحة الفساد قضية يهتم بها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى منذ أن كان ولياً للعهد، حيث يحرص سموه على التأكيد دوماً على أنّه لا أحدَ فوق القانون، وأنه لا حصانةَ لأي فردٍ في المُجتمع في هذا المجال، وذلك للحفاظ على أموال الدولة وحقوق الأجيال القادمة، فالدولة تحارب كلّ أشكال الفساد دون تهاون، بما في ذلك التقصيرُ الإداري.
ولأنّ قطر دولة مؤسّسات، فقد أكّد معاليه أنّ إستراتيجية مواجهة الفساد لا تعتمد على أفراد بعينهم، ولكن عبر التشريعات والأجهزة والهيئات الرقابيّة، والتحديث الدوري للقوانين والقرارات الخاصة بمكافحة الفساد، وتعزيز النزاهة والشفافية.
كما نوّه معاليه بأنه تم إصدار العديد من التشريعات مؤخراً في إطار مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة والشفافية، منها قانون مُكافحة تضارب المصالح، وكذلك تغيير القوانين المنظمة لإجراءات محاكمة الوزراء، بما في ذلك المحكمةُ الخاصة بمحاكمتهم ليكونَ الجميعُ سواءً أمام القضاء، ودون حصانة، كما أنّ الجهات القضائية المختصة هي وحدَها من سيحدّد نشر المعلومات الخاصة بالتحقيقات والمحاكمات في قضايا الفساد من عدمه، ونوه إلى دور الإعلام في دعم ونشر ثقافة النزاهة والشفافية والحفاظ على المال العام، وتغليب المصلحة العامة.
النهوض بالكفاءات الإدارية
وحظيت قضيةُ النهوض بالكفاءات الإدارية والارتقاء بأداء الوزارات والأجهزة الحكومية، وإحراز مزيدٍ من التقدّم في منظومة الخدمات الإلكترونية باهتمامٍ كبيرٍ من معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وأعلن معاليه الخطوط العريضة للمرحلة المُقبلة، حيث أكّد أنّ ملف التوظيف يتصدّر الأولويات خلال اجتماعات مجلس الوزراء، وكشف عن تشكيل لجنة للكفاءة الحكومية، التي ستنتهي من أعمالها قريباً، وشملت أهدافها تحسين أداء الجهات الحكومية ووضع توصيف أوضح للوظائف، وكذلك دراسة تغيير اختصاصات بعض الوزارات وإعادة النظر في بعض الجهات الحكوميّة، وكذلك تحديث وتطوير التطبيقات والنوافذ الحكومية لتسهيل الخدمات ووصولها لأفراد المجتمع بجودة عالية وسهولة ويسر، كما شدد معاليه على توجيه ودعم الحكومة للقطاع الخاص للمُساهمة بشكل أكبر في التوظيف ورفع نسبة تقطير الوظائف، كما تطرق معاليه إلى عزوف المواطنين عن دراسة تخصصات معينة مطلوبة في بعض القطاعات مثل القطاع الصحي والتعليمي والحاسب الآلي، وأن الحكومة تسعى لمعالجة ذلك بوضع امتيازات للطلاب المُبتعثين لدراسة التخصصات التي تحتاجُها الدولة.
تمكين المرأة من أداء رسالتها الكاملة
كما كشف معاليه عن أن هناك دراسة لتطبيق نظام الدوام الجزئي للنساء في سبيل المُحافظة على استقرار الأُسرة، وتأسيس قواعد جديدة للكفاءة الوظيفيّة التي سيستفيد منها الجميع وينعكس أثرُها على الأجيال القادمة.
نجاح التجرِبة القطرية في مكافحة وباء كورونا
حظيت التجرِبةُ القطرية في التعامل مع جائحة كورونا «كوفيد - 19»، وما تتخذه الحكومة من تدابير احترازية وإجراءات وقائية، بتقدير وإشادة شعبية ودولية معاً، حيث نجحت تلك الجهودُ بتوفيق من الله عزّ وجلّ، ثم التوجيهات السديدة لحضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى، في تطويق انتشار الوباء، والحدّ من تداعياته الصحية والاقتصادية والاجتماعية.
وكان سرّ نجاح التجربة القطرية في مواجهة الجائحة كما كشفه معالي الشيخ خالد بن خليفة بن عبدالعزيز آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، يكمن في رفض فكرة الإغلاق التام لعدم وجود دراسة واضحة حتى في الدول التي طبّقتها، واعتمدت الحكومة على تطبيق إجراءات مدروسة لكل من الأنشطة والمجالات للحدّ من انتشار الفيروس.
كما تعاملت الحكومة مع تداعيات الجائحة بشكل مبكر عبر وضع التشريعات وإصدار القرارات العاجلة، وإعادة تنظيم اللجنة العُليا لإدارة الأزمات، التي فرضت بدورها إجراءات احترازية مشدّدة، مع الحرص على ألا تؤثر تلك الإجراءات سلباً في سير المشاريع الكُبرى والحيوية في الدولة أو تُلقي بظلالها على الجانب الاقتصاديّ والاجتماعيّ لأفراد المُجتمع.
وتعاقدت دولةُ قطر مُبكراً مع شركات كبيرة لها مكانتُها وسمعتُها العالميةُ في مجال صناعة الأدوية، للحصول على أفضل اللقاحات التي ثبتت فاعلية التجارب عليها، وتمت إجازتها وهي «فايزر- بيونتيك» و"مودرنا"، ليحصل 72 % من إجمالي السكان على جرعة واحدة على الأقلّ من اللقاح، ما كان له اكبر الأثر في تراجع أعداد المصابين في الآونة الأخيرة.
جاهزية الدولة لتنظيم المونديال العالمي
بطولة كأس العالم FIFA قطر 2022 تبدو الحدث الأهم الذي يترقّبه العالم الذي تتّجه أنظاره إلى قطر لمتابعة آخر الاستعدادات، ولذلك حمل لقاء معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية حول هذا الملف رسالة مهمة للعالم بجاهزية قطر لاستضافة البطولة من كافة النواحي، سواء استكمال إنشاءات أو تجهيزات الاستادات والبنية التحتيّة المرتبطة بمشاريع المونديال التي يجري العملُ فيها بمعدلات مُمتازة للغاية.
كما كشف معاليه عن الانتهاء من عددٍ كبيرٍ من استادات المونديال التي أصبحت جاهزة بالفعل لاستضافة المباريات، بينما تتواصل حالياً أعمال التجهيزات في ثلاثة ملاعب هي لوسيل والثمامة ورأس أبوعبود، كما أنّ استاد لوسيل الاستاد الرئيسي الذي سيشهد المُباراة النهائية لكأس العالم في 18 ديسمبر 2022، أصبح جاهزاً بنسبة 90 %.
صون حقوق العمال
وفيما يتعلّق بجهود دولة قطر في حماية حقوق العمالة الوافدة، أكّد معاليه حرص أجهزة الدولة ومؤسساتها على أن تأمين حياة كريمة للعمالة الوافدة، يتصدّر أولويات دولة قطر، منوهاً بإصلاح قوانين العمل والمُمارسات المُتعلّقة به لتحقيق نظام ملائم لاحتياجات كلّ من العمال وأصحاب العمل، وأكد أن معاملة العمال بصورة إنسانية تنبع من أخلاقنا وتقاليدنا ومبادئ وتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، التي لا تسمح بإساءة معاملة العمالة أو إهدار حقوقهم، وإنما تحرص على ضمان حياة كريمة لهم والتصدّي للحالات والمخالفات الفردية لبعض الأفراد أو الشركات واتخاذ إجراءات صارمة ورادعة في مواجهتهم.
كسرة أخيرة
جاء لقاء معالي رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية حافلاً بالأخبار التي تستشرف مستقبلاً مشرقاً تحت قيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، كما عكست الأداءَ المشرّف للحكومة في التعامل مع كافة التحديات، والارتقاء بالخدمات في مختلف القطاعات.
ومن حقنا كشعب قطري يحب بلاده أن نفخر ونعتز بأن حبانا الله بقيادة حكيمة هداها الله إلى اتباع سبل الحكم الرشيد وكانوا أهلاً لذلك، وإننا إذ نعبر عن شكرنا وتقديرنا للشفافية والصراحة التي اتسم بها لقاء معاليه مع قياداتنا الإعلامية، نؤكّد أننا سنظل على الدرب دوماً مرآةً لنبض الشارع وجسراً للتواصــل بيـن المســؤولين والمُواطـنين لتحقيق كل ما يخدم وطننا الغالي قطر، ويدفع مسيرة دولتنا لتحقيق أهدافها التي رسمتها في محاور رؤية قطر 2030 للوصول إلى رفاهية المواطن القطري وتوفير سبل العيش الكريم.
الكاتبة الصحفية والخبيرة التربوية
Falghazal33@gmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
6030
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1797
| 13 مايو 2026
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1281
| 18 مايو 2026