رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عنوان مقالي هو نفس عنوان الكتاب الذي ألفه الأمير شكيب أرسلان السوري في نهاية القرن التاسع عشر وأنا أعيده للتأكيد على أن نفس السؤال مطروح منذ ذلك التاريخ الى يومنا هذا. وسبق أن طرحه بوعي رواد حركات الإصلاح الإسلامية أمثال محمد عبده وجمال الدين الأفغاني والشيخ عبد العزيز الثعالبي صاحب كتاب (أليس الصبح بقريب) وفي أيامنا هذه حاول الأستاذ التونسي (عماد بن نصر) الإجابة عن نفس السؤال فانطلق الباحث من تجربة وطنه (الجمهورية التونسية) كمثال يمكن أن ينسحب على بقية الدول العربية ما عدا تجربة دولة قطر الرائدة التي تفطن أميرها في منتصف التسعينيات الشيخ حمد بن خليفة رحمة الله عليه الى المكانة التي ستحظى بها طاقة الغاز في تمكين العالم من طاقة نظيفة وسهلة الاستخراج لكن الشيخ كان يدرك أن ذلك الرهان الصعب يحتاج الى تمويلات ضخمة فشرع في خوض معركة إقناع الشركات العملاقة والمصارف الكبرى بالمساهمة في التمويل وبفضل إرادته التي لا تلين رحمه الله تمكن من الحصول على الموافقة. واليوم أعلنت جامعة قطر عن إنشاء قسم للهندسة النووية وابتعاث أول دفعة إلى الخارج لتطوير مشروع تخصيص الهندسة النووية لأغراض سلمية مدنية وهذه مبادرة تؤكد استمرار حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على نهج الخروج من التخلف ومسايرة العصر الحديث.
وننتقل لتحليل المقال المهم للأستاذ عماد بن نصر الذي قدم لنا شرحا علميا لتخلف العالم الاسلامي وتقدم الأمم الأخرى. فيقول: "إن التاريخ في هذه الرقعة من العالم لا يسير في خط مستقيم بل يدور في حلقة مفرغة من الطموحات المجهضة والفرص المهدورة. فحين نتأمل مسار الدولة التونسية بعد الاستقلال لا نجد أنفسنا أمام مسيرة بناء طبيعية بل أمام ملحمة مأساوية تشبه تراجيديات مدن الملح حيث تولد الأفكار الكبرى مشحونة بالضوء ثم تطفأ بدم بارد في دهاليز السياسة الضيقة وخلف كواليس التبعية العميقة. ومثال ذلك نذكر المشروع النووي التونسي بين عامي 1959 و1969 الذي لم يكن مجرد ترف تقني أو رغبة عابرة في مجاراة العصر بل كان محاولة جذرية لإعادة صياغة الهوية التونسية من حالة الاستهلاك والتبعية إلى حالة الفعل التاريخي والسيادة المطلقة. وكان رهانا على توليد إنسان جديد يكسر قيود الحاجة ويمتلك مفاتيح القرن العشرين من بوابته الأكثر تعقيدا وهي الطاقة الذرية. فالملحمة تبدأ برجلين صاغا مفهوم الجهاد العلمي في زمن كانت النخب السياسية تغرق في صراعات الزعامة والولاءات الضيقة. والرجلان هما: (محمد علي العنابي) ذلك العقل الاستراتيجي الذي كان يتحرك في أروقة (فيينا) مقر المفوضية الدولية للطاقة الذرية، وهو الذي أدرك قبل غيره أن الاستقلال بلا سيادة طاقية هو مجرد وهم قانوني فوضع اللبنات الأولى لمفوضية الطاقة الذرية قبل أن يغيبه الموت في ظروف غامضة عام 1962. وتسلم المشعل منه شاب قادم من أرقى مخابر باريس (البشير التركي) الذي لم يكن مجرد عالم فيزياء فذ بل كان منظرا جيوسياسيا يرى في المختبر امتدادا لساحة المعركة ضد الاستعمار. وهو الذي أنشأ مركز تونس قرطاج للبحوث النووية حيث لم تكن الخطط حبرا على ورق بل كانت خريطة طريق لقلب المعادلات الجغرافية والاقتصادية لشمال إفريقيا. وتجلت عبقرية المشروع في اختيار مدينة (ڨابس) بالجنوب التونسي لتكون حاضنة للمفاعل النووي العتيد. ولم يكن الاختيار عشوائيا بل استند إلى رؤية علمية متكاملة لربط الطاقة بالماء فكان المخطط يقضي بإنشاء محطة لإنتاج الكهرباء وتوطين صناعات ثقيلة بالتوازي مع منشأة عملاقة لتحلية مياه البحر بطاقة إنتاجية تصل إلى 150 ألف متر مكعب يوميا. وطبعا كان هذا المشروع كفيلا بتحويل الجنوب التونسي الصحراوي القاحل إلى واحة خضراء شاسعة وتأمين احتياجات البلاد من المياه لقرون وإلغاء مصطلح الجفاف من القاموس التونسي. لكن الصدمة المعرفية الكبرى التي فجرها (د. البشير التركي) كانت تكمن في أحشاء الأرض التونسية نفسها وتحديدا في قطاع الفسفاط. لأن (التركي) اكتشف عبر أبحاث مخبرية دقيقة أن الفسفاط التونسي الذي كان يصدر خاما بأبخس الأثمان الى أوروبا يحتوي على نسب عالية من اليورانيوم تصل إلى 140 جزءا في المليون لا سيما في مناجم (صرا ورتان). فوضع الرجل المعادلات الرياضية والكيميائية لاستخلاص هذا الذهب المشع كمنتج ثانوي أثناء تصنيع حمض الفسفوريك. كانت الحسابات تؤكد إمكانية استرجاع 360 طنا من اليورانيوم سنويا وهي كمية ضخمة لا تمنح تونس الاكتفاء الذاتي الكامل للطاقة لقرون فحسب بل تحولها إلى لاعب استراتيجي ومصدر رئيسي للوقود النووي في العالم مما يخرجها نهائيا من دائرة الابتزاز المالي والنفطي للقوى الكبرى. هنا اصطدم الحلم العلمي بالجدار الصلب للجغرافيا السياسية والجبن العقائدي للنخبة الحاكمة عندما مارست واشنطن وباريس ضغوطا خانقة على الوكالة الدولية للطاقة الذرية لحرمان تونس من أي تمويل فلم يتردد (البشير التركي) في كسر الطوق وتوجه إلى موسكو عام 1963، حيث قدم السوفييت عرضا سخيا ومكتملا لبناء المفاعل وتدريب الكوادر دون شروط سياسية مسبقة لكن هذا العرض اصطدم بالفوبيا الشيوعية الهستيرية التي كانت تسيطر على الزعيم الحبيب بورقيبة وبشهوته الدائمة لنيل الرضا الغربي. ففضل بورقيبة مع الأسف دولة تعيش على المساعدات المبرمجة والقروض المشروطة تحت المظلة الأمريكية والفرنسية على دولة تصنع مصيرها بمفاعلاتها الذرية وتنافس الكبار. ولم يقتصر التخريب على رأس السلطة بل شاركه في الجريمة رموز البيروقراطية وعلى رأسهم أحمد بن صالح الذي رأى في المركز النووي كيانا علميا متمردا يهدد خطته المركزية في التعاضد القسري فكان الصراع بين عقل تقني يستشرف المستقبل وعقل بيروقراطي يسعى لاحتكار الحاضر حتى لو كان ركاما. ووصلت التراجيديا التونسية ذروتها المفجعة عام 1969. أي في الوقت الذي كان فيه المجتمع العلمي الدولي ينحني إجلالا للبشير التركي بانتخابه رئيسا للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في (فيينا) كانت السكاكين السياسية في تونس تجهز لطعن المشروع في الظهر. فعاد (التركي) محملا بالمجد الدولي ليستقبله قرار رسمي بحل المفوضية وإغلاق المركز النووي نهائيا. وطبعا لم يكن القرار مجرد تراجع سياسي بل كان عملية إبادة علمية وحضارية مكتملة الأركان. فتم تحطيم الأجهزة المخبرية المتقدمة وتحويلها إلى خردة تباع في الأسواق ونقلت الكوادر العلمية والنوابغ إلى وظائف إدارية بائسة لقتل روح الإبداع في نفوسهم. ثم جاءت الجريمة الكبرى التي لا غفران لها وهي إحراق أرشيف المركز بالكامل حيث احترقت المخططات والنتائج المخبرية والدراسات الجيولوجية التي استغرقت عقدا من الزمن. وكان حرق الأرشيف فعلا مقصودا لمحو الذاكرة العلمية لتونس وللأمة العربية وضمان بقائها في حالة تبعية أبدية وتأكيدا للقوى الخارجية بأن تونس ومن حولها الدول الاسلامية لن يخرجوا عن الدور المرسوم لهم كحديقة خلفية عاجزة عن أي "تمرد". وهنا يصل المحلل الى طرح السؤال الجوهري وهو: ماذا لو لم يغتل ذلك الحلم في عام 1969؟ والإجابة هي: "لو نجح مفاعل (ڨابس) لكان وجه تونس والمنطقة بأسرها قد تغير كليا. ولكنا اليوم نتحدث عن تونس بصفتها القوة التكنولوجية والصناعية الأولى في شمال إفريقيا كدولة مصدرة للطاقة النظيفة ومكتفية ذاتيا وتمتلك احتياطات استراتيجية من اليورانيوم المستخرج من فسفاطها. ولو نجح المشروع لما كانت تونس اليوم تعيش تحت وطأة المأساة المائية الخانقة ولما كان الجنوب التونسي يعاني العطش لأن محطات التحلية العملاقة كانت ستغرق البلاد بالمياه العذبة وتحول الصحراء القاحلة إلى سلة غذاء خضراء للمتوسط. ثم إن ما يحدث اليوم في تونس من انقطاع متكرر ومذل للكهرباء وجفاف الصنبور في بيوت التونسيين لعدة أيام ليس مجرد أزمة عابرة ناتجة عن التغير المناخي أو نقص الأمطار بل هو النتيجة الحتمية المباشرة والجرح الغائر لقرار عام 1969. نحن اليوم ندفع فوائد الديون التاريخية للجبن السياسي. تونس التي كانت على وشك أن تصبح بنكا للطاقة النووية تقف اليوم عاجزة أمام تلبية أبسط مقومات الحياة لمواطنيها، تتسول القروض لشراء المحروقات وتنتظر رحمة المساعدات الخارجية لتأمين طاقة متهالكة. وكذلك العتمة التي تلف المدن التونسية اليوم والعطش الذي يجفف حلق الأرض والإنسان هما الصدى الحقيقي لرماد الأرشيف العلمي الذي أحرق قبل عقود. وخلاصة تحليلنا.. أن قصة الرجلين المغامرين (البشير التركي) و(محمد علي العنابي) أثبتت "أن التخلف في هذه البلاد لم يكن يوما قدرا جغرافيا بل هو صناعة محلية بامتياز تمت برعاية دولية وبأيدي نخب آثرت كراسيها على سيادة أوطانها ليبقى اليورانيوم المدفون في مناجمنا شاهدا على ثروة منهوبة وحلم وطني ذبح بدم بارد ومستقبل مهدور يعيش التونسيون اليوم تفاصيل انكساره في الظلام والظمأ". هذه نماذج حية للفرص المهدورة والمغامرات الشجاعة المجهضة حتى تتعظ بها الأجيال العربية القادمة فتتجشم الصعاب وتكسب الرهانات كما فعل قبلهم ثلاثة رجال وهم سمو الشيخ حمد بن خليفة والبشير التركي ومحمد على العنابي تغمدهم الله سبحانه برحمته وأنزلهم في أخراهم منازل المؤمنين بالله تعالى وبقدرتهم على تحديد مواعيد مع التاريخ.
قائد استثنائي ورجل المواعيد مع التاريخ
من خلال إقامتي الطويلة زمنيا والثرية فكريا في الدوحة لم أنس يوما قصيدة من الشعر النبطي الأصيل قالها... اقرأ المزيد
168
| 16 يوليو 2026
لبنان نحو المجهول
الحقيقة هي أن العالم بأسره يسير نحو المجهول وبخاصة منطقة الشرق الأوسط حيث عادت لشعوب الخليج منذ أمس... اقرأ المزيد
243
| 09 يوليو 2026
تحركات دبلوماسية في الدوحة بشأن تفاهم واشنطن وطهران
استمرت مساعي احتواء التصعيد والخلافات بين واشنطن وطهران بشأن آلية تنفيذ بنود مذكرة التفاهم الموقعة بينهما في 17... اقرأ المزيد
666
| 02 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
5859
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1674
| 09 أغسطس 2026
خلق الله - عز وجل - آدم وجعله خليفته في الأرض وأوكل إليه مهمة إعمارها وإقامة العدل فيها؛ لكن ذريته من بعده هابيل وقابيل كانت قصتهم عبارة عن أول انقسام بين الخير والشر، وبين السمو والدنو؛ الأمر الذي يفسر لنا مآلات الحياة بعدهم من أحداث ماضينا وحاضرنا. إن الإنسان إذا تحلى بالإرادة القوية والإدارة السليمة يستطيع التحكم في الموارد التي أودعها الله في كونه، فالإنسان عبد لله سيد للكون، كما قال الله تعالى، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡه إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ " (سورة الجاثية آية 13). في العصر الحديث في مجتمعاتنا العربية برزت نماذج في عالم السياسة، منها ما كان له أثر سيئ مما أدى إلى حالات انفجار في بعض الدول كسوريا وغيرها، ومنها ما كان له أثر طيب في رفعة بلاده ووضعها في مقدمة الدول مع صغر حجمها، كحاكم دولة قطر الراحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - فقد كان صاحب مبدأ يستمده من المنهج السماوي الذي حدد للإنسان مهمته، وهي عمارة الأرض، كما قال الله تعالى " هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا"(سورة هود آية 61) فأحدث رحمه الله في دولة قطر نهضةً في العمران معتمداً على تنمية الإنسان. إن التطور الذي حدث في دولة قطر في عهد الراحل الكريم - يرحمه الله – يجعلنا نقف أمامه احتراماً وتقديراً، فقد كان صاحب رؤية نافذة سبقت عصره ومحيطه الإقليمي، وتجاوزت تحديات الجغرافيا الضيقة وعدد السكان، فدولة قطر قبل حكمه ليست هي بعد حكمه فهو باني نهضتها، ويتجلى ذلك في وضعها الإنساني والاقتصادي، ودورها المحوري في قضايا الأمة، والوساطة الإيجابية في حل بعض الأزمات الدولية. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله – أهمية الإعلام وقيمته في العالم الحديث، وأنه أشرس أسلحة القوى الناعمة؛ لذلك قام بإنشاء قناة الجزيرة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وجعل لها كامل الاستقلالية المهنية التي هي معيار النجاح في عالم الإعلام الضخم والمتسارع، وأسهمت هذه القناة في رفع حالة الوعي في المجالات المختلفة والثقافة العامة في أرجاء العالم العربي. كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني داعماً لخيارات الشعوب، ويؤمن بأن كرامة الإنسان هي رأس المال الحقيقي للأوطان والأمم، الأمر الذي جعل دولة قطر والتي لقبت بكعبة المضيوم - كما أسماها الراحل - تدفع ثمناً باهظاً بسبب هذا الموقف الإنساني المشرف. إن الشعوب لا تنسى من يحكمها، والراحل الكريم - يرحمه الله – يكفي أنه كان يلقب بين أبناء شعبه بدفان الفقر أو باني قطر الحديثة، وكلا النوعين ذكرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الشريف:" خِيارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تحبُّونَهُم ويحبُّونَكُم وتُصلُّونَ علَيهِم ويصلُّونَ علَيكُم وشرارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تبغَضونَهُم ويبغَضونَكُم وتَلعنونَهُم ويَلعنونَكُم" (رواه مسلم ). لقد كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - يتسم بسعة الأفق والفكر المستنير والسلامة النفسية، وكان يجمع بين عمق الشخصية وبساطة الأسلوب. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - حقيقة المنصب فكان أكبر من المنصب، ولم يتشبث بالكرسي إيمانا منه بضرورة التغيير لتعاقب الأجيال، فقام بالتنازل عنه طواعية وهو في قمة نجاحه لسمو الأمير تميم، وهو خير خلف لخير سلف. وأختم فأقول: الإنسان أثر وذكرى، والرجل أثره عظيم وذكراه طيبة، فقد كان صاحب مدرسة إنسانية راقية في عالم السياسة، ونموذجاً عربياً مشرفاً للحاكم في العصر الحديث، وصدق القائل: ما قـيمة الناس إلا في مبادئهم ** لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب. قال الله تعالى:" إن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"(سورة فصلت آية 8) سلام الله على روح سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الخالدين، وغفر له وأسكنه جنات النعيم.
1044
| 09 أغسطس 2026