رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لماذا تهتم الدول بتطوير أسواق رأس المال لديها؟ وهل كل الدول على اختلاف ظروفها بحاجة لمثل هذه الأسواق؛ يستوي في ذلك من يسجل عجزاً في موازينه العامة والخارجية سنوياً، ومن يحقق فوائض مالية؟ ومن هي الفئات المقصودة بالتطوير، وما هي متطلبات عملية التطوير؟ هذه أسئلة من بين أسئلة أخرى، كانت بانتظار الإجابة عليها في المؤتمر الذي انعقدت فعاليته في الدوحة في الأسبوع الماضي، بتنظيم من مصرف قطر المركزي، والأمانة العامة للتخطيط التنموي، وبمشاركة من صندوق النقد الدولي والبنوك المركزية وبعض المؤسسات المالية في دول مجلس التعاون وبخاصة الإمارات وعمان.
بداية أشير إلى أن تعبير أسواق رأس المال يغطي عادة أسواق الأسهم والسندات وما في حكمها من صكوك وأذونات، وهذه الأسواق قد تكون تحت مظلة واحدة تجمع الاثنين، وقد يكون كل منهما مستقلاً عن الآخر. وقد يكون أحدهما موجودا ومتطورا بالفعل، والآخر غير موجود أصلاً - وهذه هي حال السوق في قطر ودول مجلس التعاون- حيث تطورت في العقدين الأخيرين أسواق الأسهم وبورصاتها، في حين تخلفت أسواق السندات والصكوك عن الظهور، باستثناء ما عرفته دول المنطقة من إصدارات محلية للسندات والصكوك والأذونات الحكومية، وهي إصدارات أشرفت عليها البنوك المركزية واقتصر الاشتراك فيها على البنوك والمؤسسات المالية.
وقد سعت دولة قطر إلى تطوير سوق رأس المال لديها بعد أن جعلت ذلك ضمن أحد أهدافها الاقتصادية التي رسمتها رؤية قطر 2030. ونلاحظ لذلك أن دولة قطر قد عملت- ولا تزال- على تطويع الظروف الملائمة لعملية التطوير بدءاً من إصدار الصكوك والسندات ثم الأذونات بشكل منتظم، مروراً بتعديل اللوائح المنظمة لعملية الإدراج في بورصة قطر؛ بحيث باتت قابلة لعمليات تداول الأذونات الحكومية كما هو الحال في تداولات الأسهم.
ورغم ذلك فإن عملية تطوير سوق رأس المال في قطر ما زالت في بداياتها، وأمامها الكثير لكي تصبح حقيقة واقعة. ذلك أن المقصود بالتطوير كما سعى إليه المؤتمر هو حث الشركات والمؤسسات الكبيرة مثل كيوتيل وبروة والكهرباء والماء وكافة البنوك وشركات التأمين وصناعات وناقلات وقطر غاز ورأس غاز وغيرها، على إصدار سندات بالريال القطري في السوق المحلية بدلاً من الذهاب إلى الأسواق العالمية لإصدار سندات أو صكوك بالدولار والعملات الأجنبية الأخرى. وأن يتم بعد ذلك تداول هذه السندات والصكوك التي تصدرها الشركات في بورصة قطر، بحيث يتم شراؤها من جانب المستثمرين الذين لديهم فوائض مالية سواء كانوا قطريين أم أجانب. فإذا وصلنا إلى هذه المرحلة تكون سوق رأس المال قد تطورت وأصبحت أداة فاعلة في التطوير التنموي الذي تنشده رؤية قطر 2030.
ولكي تستطيع الشركات والمؤسسات القيام بإصدارات ناجحة في السوق المحلية فإن ذلك يتطلب توافر عدد من المقومات في مقدمتها توافر مؤسسة تصنيف محلية لتقييم الملاءات المالية على غرار ستاندرد آند بور وفيتش وغيرها التي تشتهر في الخارج. فلكي يقبل المستثمر على شراء أي سند أو صك لأي شركة في أي وقت، فإنه بحاجة إلى مؤسسة متخصصة تنظر في أوضاع الشركة المُصدرة وتعطيها درجة منشورة ومُعلنة على مدى سلامة ذلك الوضع؛ كأن تكون AA+ أو AA- أو B أو C وغيرها، وهي حروف تدل على مدى متانة الملاءة المالية للشركة وقدرتها على الوفاء بقيمة الصك أو السند عند الاستحقاق. وأهمية هذه الدرجة أنها تؤثر على سعر الورقة المالية عند تداولها في البورصة وعلى سعر الفائدة أو سعر المرابحة الذي تحمله الورقة. وغياب مثل هذه المؤسسة يجعل من الاتجار في هذه السندات والصكوك مجازفة مالية غير مأمونة العواقب.
ولكن لماذا تضطر الشركات إلى إصدار سندات أو صكوك محلية طالما باستطاعتها الاقتراض من البنوك المحلية بسهولة، أو طالما أن بإمكانها إصدار سندات بالدولار في أسواق خارجية. الحقيقة أن هذا الأمر يُعد من متطلبات الاستقرار المالي التي أفرزتها الأزمة المالية العالمية قبل سنوات، والتي ترتب عليها وضع ضوابط قوية على عمليات البنوك وعلى مراكزها تصنيفاتها المالية تُعرف باسم قواعد بازل 3. ورغم أن تطبيق هذه القواعد الدولية لن يتم رسمياً قبل 6 سنوات، إلا أن التحضير له قد بدأ منذ أعوام. فالبنوك من جهتها راحت ترفع رؤوس أموالها حتى تحقق النسب المطلوبة منها كي تظل في المقدمة. ولكن ذلك لا يكفي ولا بد من تغيير نمط الائتمان الكبير الموجه للشركات قدر الإمكان من النمط التقليدي المعتمد على القروض المباشرة للمقترضين إلى السندات والصكوك، وبدلاً من إقراض كيوتيل أو بروة مثلاً مليار ريال، تقوم البنوك بشراء إصدارات أو صكوك منهما بنفس القيمة. وبذلك تحصل كيوتيل أو بروة على المال اللازم بتكلفة أقل ولآجال ومدد أطول قد تصل إلى عشر سنوات أو أكثر، وفي الوقت ذاته يكون البنك في وضع أفضل حيث يتم تصنيف قيمة السندات والصكوك لديه على أنها استثمارات وليست قروضا، كما يكون بإمكانه استرداد كل أو جزء من مشترياته منها بطرحها للبيع في البورصة دون انتظار لأمد الاستحقاق، وقد يحقق البنك من وراء البيع أرباحاً مالية إذا ما كان هناك إقبال على السندات والصكوك وارتفعت بالتالي أسعارها في فترة ما قبل الاستحقاق.
وبعد فإن الموضوع يحتاج إلى مقال آخر للإجابة على بقية الأسئلة التي طرحها المؤتمر، والتي لم يتسع لها المقام في هذا المقال، فإلى لقاء آخر بإذنه تعالى.
ما هي السيناريوهات المحتملة لأزمة كورونا؟
مضى قرابة الشهر منذ أن انتشر الكورونا في قطر بشكل مؤكد، في منتصف شهر مارس الماضي عندما صدرت... اقرأ المزيد
2855
| 12 أبريل 2020
نظرة على واقع ومستقبل الأوضاع الاقتصادية
المحنة التي نمر بها هذه الأيام سوف تنبثق منها إيجابيات عديدة في الأجل الطويل بعد مرور ثلاثة أسابيع... اقرأ المزيد
1241
| 05 أبريل 2020
كيف قام مصرف قطر المركزي بما يلزم في مواجهة الأزمة؟
لم يتخلف مصرف قطر المركزي عن القيام بواجباته المنوطة به في ظل الأوضاع المستجدة التي فرضها تفشي وباء... اقرأ المزيد
4536
| 29 مارس 2020
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11580
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8004
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3714
| 22 أكتوبر 2026