رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. خالد وليد محمود

• متخصص بالسياسة السيبرانية

مساحة إعلانية

مقالات

564

د. خالد وليد محمود

بعد تفجير «البيجر».. أزمة الأمان في عالم متصل

23 سبتمبر 2024 , 02:00ص

شهدت لبنان مؤخرًا انفجار أجهزة «البيجر» والاتصال اللاسلكي المستخدمة من قبل عناصر حزب الله، مما يثير تساؤلات حول أمان التكنولوجيا القديمة مقارنة بما وصل إليه العالم اليوم من تطور تقني هائل. إن الاعتماد المتزايد على الإنترنت في ربط الأجهزة الإلكترونية، المعروف بظاهرة «إنترنت الأشياء» (IoT)، يعكس تحديات جديدة تلوح في الأفق. ربط الأجهزة المنزلية مثل الثلاجات والتلفزيونات بالإنترنت يجعلها عرضة لاختراقات سيبرانية تشكل تهديدًا أمنيًا مباشرًا.

تعتمد صناعة الشرائح المتقدمة والأجهزة الإلكترونية على توزيع عمليات الإنتاج والتوريد بين دول عدة حول العالم، إذ يتألف كل جهاز من مكونات مصدرها بلدان مختلفة. على سبيل المثال، تحصل الشركات على تصميمات الشرائح من الولايات المتحدة، بينما تُصنع الشرائح الدقيقة والمتقدمة في تايوان. وتوفر شركة ASML الهولندية المعدات اللازمة لتصنيع هذه الشرائح، في حين تقدم اليابان والصين المواد الكيميائية الضرورية. يجري تجميع الجهاز النهائي في بلد مختلف ثم يُشحن عبر شبكات التجارة الدولية.

في ظل هذا التعقيد العالمي لصناعة الأجهزة الرقمية، يبدو أنّ إسرائيل قد استغلّت هذه السلسلة، مستهدفة من خلال جهاز الاستخبارات لديها نقاط الضعف فيها. كما هو معروف، يعتمد عناصر حزب الله على أجهزة البيجر للتواصل، لكونها من الأجهزة الإلكترونية التي تنطوي على مخاطر أقل في ما يتعلّق بالتنصت والتتبع. ومع إدراك إسرائيل لهذه الحقيقة، وقع الانفجار، مما يسلط الضوء على التهديدات الأمنية التي قد تنجم عن الاعتماد على هذه الأجهزة في ظل واقع معقد.

بالعودة قليلاً للوراء، وعندما اجتاحت «شاشة الموت الزرقاء» الحواسيب قبل شهور بسبب تحديث لبرنامج «ويندوز»، ما خلق حالة من الهلع في قطاعات عدّة من الاقتصاد المعولم؛ مما تسبب في توقف العمليات في كثير من المجالات، وحصلت اضطراب في كل شيء تقريباً، من الرحلات الجوية إلى انقطاع بث عدد من المحطات التلفزيونية، ومن البنوك إلى أنظمة الرعاية الصحية. في خضم هذه الفوضى، يساور الشك كل لحظة العديد من المراقبين بشأن احتمال وقوع مثل هذا السيناريو.

ولطالما حذرت تلك الحادثة من ضعف مستوى تعزيز البنية التحتية الرقمية العالمية، خاصة في علاقات الدول والشركات مع مورّدي التكنولوجيا في عالم يزداد اعتماداً على التقنيات الرقمية. إن الاعتماد الكلي على الآخرين، وخصوصا الشركات الكبرى المهيمنة، قد يُشكل خطراً جسيماً. على سبيل المثال، لم يسبق أن تأثرت الصين بعطل في الإنترنت على مستوى عالمي، لأنها لا تعتمد على الشركات الأمريكية المهيمنة على تكنولوجيا المعلومات، بل تستبدلها ببدائل صينية. ومن هنا، يمكن للدول اعتماد استراتيجيات متعددة لمزودي البرمجيات الحيوية، كاستراتيجية أساسية في إدارة المخاطر التكنولوجية.والشيء بالشيء يذكر، تتوازى هذه الأحداث المقلقة مع قصة فيلم «اترك العالم خلفك» (Leave the World Behind) الذي يعرض لنا كيف يمكن أن يتسبب انهيار التكنولوجيا في خلق حالة من الذعر والفوضى. يبدأ الفيلم بانقطاع إشارة الهاتف المحمول وتعطل شبكة الإنترنت، مما يثير قلق الشخصيات ويشعرهم بالعزلة. بينما يتزايد التوتر، تتلقى هذه الشخصيات إشعاراً عبر شاشات التلفاز يُشير إلى حدوث هجوم سيبراني غير معروف المصدر.

عموماً، يستعرض الفيلم كيف يمكن للأنظمة التقنية أن تتداعى فجأة، مما يُبرز المخاوف من الاعتماد الكامل على التكنولوجيا في حياتنا اليومية. هذا السيناريو، الذي يُعتبر خيالًا علميًا، يصبح أكثر واقعية عندما نفكر في الأزمات التي يمكن أن تنجم عن خلل تقني بسيط، كما رأينا في الأحداث العالمية الأخيرة. «اترك العالم خلفك» لا يقدم مجرد ترفيه، بل يدعونا للتأمل في هشاشة بنيتنا التحتية التقنية ومدى استعدادنا لمواجهة الأزمات التي قد تنجم عن الفشل التكنولوجي. إن الرسالة القوية التي يحملها الفيلم، بجانب أحداث حقيقية مثل تلك التي نعيشها، تثير تساؤلات عميقة حول مستقبلنا في عالم يعتمد بشكل متزايد على الاتصال الرقمي.

كما رأينا في انفجار أجهزة «البيجر» في لبنان، فإن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا القادمة من الخارج يفتح الباب لاحتمالات اختراقات أمنية خطيرة. الأجهزة المنزلية المتصلة بالشبكة، التي أصبحت عرضة للاستغلال، تعكس تحولًا في طبيعة الصراعات السيبرانية. ما كان خيالًا في «اترك العالم خلفك» يمكن أن يصبح حقيقة مرعبة إذا لم نتخذ خطوات لتأمين الأنظمة المعلوماتية التي نستخدمها يوميًا.عود على بدء باتت الحاجة ملحة لرؤية شاملة تعزز من الابتكار في تقنيات الأمن السيبراني، مع الاستثمار في التعليم والتوعية حول أخطار التكنولوجيا الحديثة. فتعزيز التعاون بين الدول والشركات على مستوى الأمن السيبراني سيساعد في بناء أنظمة أكثر أمانًا ومرونة. من خلال توسيع نطاق استراتيجياتنا في الاعتماد على مزودي خدمات متعددة، يمكننا تقليل الاعتماد على جهة واحدة وبالتالي تقليل المخاطر المحتملة.

إنّ تعزيز الدول لمنظوماتها «الأمنية الرقمية» لم يعد ترفاً، بل أحد أهم الضرورات للحفاظ على الأمن بمفهومه الشامل، وذلك مع تصاعد دور الفاعلين وغير الفاعلين من غير الدول في العلاقات الدولية ودخولها مجال الصراع السيبراني. في الختام، يتعين علينا أن نكون مدركين للعالم الذي نعيش فيه، حيث تلعب التكنولوجيا دورًا مركزيًا في حياتنا. فتأمين أنظمتنا وتحسين بنيتنا التحتية الرقمية ليست مجرد خيارات، بل هي ضرورات حتمية لضمان سلامتنا وأمان مجتمعاتنا. يجب أن نعمل معًا، كمجتمعات ودول، لبناء عالم رقمي أكثر أمانًا وموثوقية.

مساحة إعلانية