رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله حمد الخالدي

د. عبدالله حمد الخالدي - باحث في القانون المدني

مساحة إعلانية

مقالات

210

د. عبدالله حمد الخالدي

القانون بين العام والخاص.. تقسيم تقليدي أم ضرورة معاصرة؟

05 يناير 2026 , 06:49ص

منذ بداية رحلة الدراسة في تخصص القانون، يتعلّم الطالب الفرق بين قسمي القانون العام والخاص، إذ يندرج تحت كل منهما فروع القانون المعروفة، كالقانون المدني والقانون الجنائي، وغيرها من فروع يدرسها طالب القانون خلال أربع سنوات، تزيد أو تقل بحسب عدد الساعات التي ينجزها.

غير أن الخلاف الفقهي حول جدوى هذا التقسيم هو خلاف استعصى على الاتفاق، فمنهم من يرى جدوى لهذا التقسيم التقليدي، ومنهم من يعارض وجوده وينفي فائدته، ولا سيما في هذا الزمن.

والجدير بالذكر أن أصل هذا التقسيم يعود إلى القانون الروماني، إذ اعتبر الرومان القانون العام قانون الدولة، وتغلب على قواعده المصلحة العامة، بينما اعتبروا القانون الخاص قانون الأفراد، وتغلب على قواعده المصالح الخاصة. ولكن هذا التقسيم زال بزوال الدولة الرومانية في القرن الخامس الميلادي، ثم عاد إلى الفقه اللاتيني الحديث انتصارًا للنزعة الفردية التي تتجه نحو فصل نشاط الدولة عن نشاط الأفراد والجماعات.

بيد أن السؤال المطروح هنا هو: هل ما زلنا بحاجة إلى مثل هذا التقسيم في وقتنا الحالي؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن اختزالها في هذا المقال؛ فكما يُقال: «لكل مقام مقال». إذ تحتاج الإجابة إلى دراسة معمّقة وفق الأصول والقواعد البحثية، غير أن ذلك لا يقدح في مشروعية التساؤل والتفكر، ولا يقلل من قيمة البحوث القانونية الثرية التي نُشرت في هذا الموضوع، والتي يدعو بعضها إلى الإبقاء على هذا التقسيم.

ولعل ما يدعو إلى إعادة النظر فيه أن هذا التقسيم وُضع في زمن قديم، ومع ذلك ما تزال الكليات، تميز بين برامج الماجستير أو الدكتوراه في القانون الخاص والقانون العام، فضلًا عن التقسيم التنظيمي في كليات القانون. ومع دخول الدولة في مختلف شؤون الجماعة، وامتزاج قواعد القانون الخاص بالعام، يفقد هذا التقسيم كثيرًا من أهميته وجدواه في الواقع العملي، فضلًا عن قيام الدولة أحيانًا بمباشرة أنشطة تجارية واقتصادية كانت محصورة بأشخاص القانون الخاص.

كما يرى البعض أن هناك بعض الفروع التي تخرج عن نطاق هذين القسمين، مثل القانون الدولي. ويُعد من أبرز أمثلة التداخل بين القسمين عقود الاستثمار الأجنبي، التي تجمع بين طرفين: أحدهما الدولة، التي تتعاقد بهدف تحقيق المصلحة العامة من خلال تنفيذ خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والآخر المستثمر الأجنبي، الذي يسعى إلى استثمار أمواله في بيئة آمنة. ومع ذلك، فإن هذه العقود لا تتعلق دائمًا بمرفق عام.

ومن جانب آخر، يرى البعض أن لهذا التقسيم قيمة عملية، وقد تبنته بعض الدول حين أنشأت قضاءً إداريًا للمنازعات الإدارية إلى جانب القضاء العادي المختص بمنازعات القانون الخاص.

غير أن هذا القول يمكن الرد عليه بأنه ليس كل الدول تمتلك قضاءً إداريًا مستقلًا، كما أن وجود هذا القضاء لا يعد دليلًا على تبني تقسيم ثنائي شامل بين القانونين العام والخاص، بل يدل فقط على تبني قضاء مختص بفرع معيّن من فروع القانون، وليس بقسم القانون العام بأكمله، الذي يضم القانون الجنائي، والقانون الدولي، والقانون المالي، والقانون الدستوري، وغيرها من الفروع.

كما توجد العديد من القوانين التي يصعب تحديد انتمائها لأي من القسمين، ومنها قانون الجنسية، الذي يُدرَّس غالبًا ضمن نطاق القانون الخاص رغم اتصاله الوثيق بالقانون الدستوري، وكذلك القانون الطبي، الذي تتداخل في موضوعاته قواعد القانون الإداري والقانون الجنائي. هذا فضلًا عن تشريعات ضبط الأسعار ومكافحة الاحتكار. وأمام هذه الانتقادات، اضطر الفقه إلى طرح تقسيم ثالث أُطلق عليه «القانون المختلط».

وبما أنه لا يوجد في الواقع العملي ما يبرّر اعتماد التقسيم الثنائي، ومع التداخل بين عدد كبير من القوانين، ووجود تشريعات يصعب تصنيفها، يحق لنا أن نتساءل: ما جدوى هذا التقسيم؟ ولماذا لا يُعتدّ بفروع القانون باعتبارها تقسيمًا موضوعيًا ومتخصصًا أدقّ؟ فالمتخصص في القانون الجنائي لا يمكنه التعمق في القانون المدني، كما أن من يبرع في القانون الإداري يكون بعيدًا عن القانون التجاري.

كما يثور التساؤل: لماذا نحتاج اليوم إلى تخصص عام يُسمى «القانون العام»، عندما يكون المتخصص في القانون الدولي، مثلا، ليس متخصصًا في القانون الجنائي أو الإداري؟

برأيي، إن هذه المسألة تقتضي بحثًا معمقًا حول جدوى هذا التقسيم في زمن تداخلت فيه القوانين، وزالت به الأسباب التي بُني عليها التقسيم التقليدي بين العام والخاص، والمصلحة العامة الخاصة.

وفي الختام، أدعو الباحثين وأساتذة القانون إلى تقبّل أسباب التغيير ومبرراته بصدر رحب، والبحث في البدائل الممكنة في زمن متغيّر ومتسارع، يتّسم بالتعقيد والتشابك.

والله من وراء القصد. 

 

اقرأ المزيد

alsharq نظرية فن الاحتواء.. الواقع الجديد في الصومال

دخلت الصومال مرحلة سياسية حساسة بعد إعلان إسرائيل الاعتراف بإقليم «صوماليالاند»، وهي خطوة لم تأتِ في فراغ سياسي،... اقرأ المزيد

66

| 06 يناير 2026

alsharq بركان الشرق.. ودخانه المتصاعد من فنزويلا

حين تتألّه القوى الكبرى، فإن أي نظام تُسهم في صياغته لا يسري عليها، هي من صنعته، وهي أول... اقرأ المزيد

96

| 06 يناير 2026

alsharq عين الرائي منبع الجمال

عندما يتأمل المرء الحُسن فإنه يتصل به كحقيقةٍ داخلية تستيقظ فيه وتتحرّك مع وعيه، وكأن التأمل فعل اعتراف... اقرأ المزيد

36

| 06 يناير 2026

مساحة إعلانية