رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تجتمع دول العشرين دوريا، آخرها في جنوب فرنسا منذ أسابيع، لمعالجة المشاكل الدولية الناتجة خاصة عن الأزمة المالية العالمية. عاش العالم عقدين طويلين من الازدهار أي منذ سنة 1990 حيث تحقق نمو قوي خاصة في الدول الناشئة. اعتمد الازدهار على التقدم الذي حصل في قطاع الاتصالات والتكنولوجيا بالإضافة إلى تخفيض الرقابة والقيود. نتج عن هذا الواقع ارتفاع في الإنتاجية وزيادة في رؤوس الأموال المتنقلة دوليا وانخفاضا في تكلفة الاقتراض وتوزعا متنوعا للاستثمارات. خلال فترة 1993 \\ 2002، نما الاقتصاد الدولي سنويا بنسبة 3.3% موزعة على 2.8% للدول الصناعية و4.1% لمجموعة الدول النامية والناشئة. لا شك أن النسب تختلف بين منطقة وأخرى بل بين دولة وأخرى، إلا أن الاتجاه واضح صعودا. في نفس الفترة، ارتفع حجم التجارة الدولية حوالي 6.5% سنويا مما أسهم في تقليص فجوة الدخل بين الدول، إلا أن الفجوة ارتفعت داخل الدول بحيث انخفضت نسبة الأغنياء وارتفعت نسبة الفقراء. اقتراب المعدلات بين الدول جيد شرط أن تستفيد منه كل الطبقات الشعبية، وهذا ما لم يحصل بسبب القوانين الاقتصادية المبنية على الرأسمالية المتطرفة وعلى ضعف الرقابة. من أهم مساوئ العولمة اتساع الفجوة داخل الدول بين الأغنياء والفقراء.
كان لا بد لهذا النهار الطويل من أن ينتهي بسبب سوء الممارسة واعتماد العقيدة الليبرالية غير الإنسانية المبنية على الجشع، أي تماما عكس ما أوصى به مؤسسوها أعني بهما "آدام سميث" و "فريديريك فون هايك". كتب "آدام سميث" كثيرا عن الجشع وضرورة تعزيز المنافسة لضرب الاحتكارات وتخفيض الأسعار. قلق سميث مما كان يحصل من استغلال للعمال في حقوقهم وأجورهم، وبالتالي كان له حس اجتماعي متقدم. في كل حال نتج عن ممارسات اليوم تغيرات أربعة كبيرة في الاقتصاد الدولي أي أزمة مالية خانقة أصابت كل العالم وفي مقدمتها أوروبا. تشير الأزمة إلى ارتباط وثيق بين المؤسسات المالية الدولية وأن أي مشكلة جدية في مكان ما تنتشر دوليا. ثانيا، انحدر ثقل الولايات المتحدة الاقتصادي الدولي من الثلث إلى الخمس بسبب سياسات الداخل التي عززت الاستهلاك على حساب الاستثمارات، ثالثا تحقق ركود قوي في أكبر الدول الغربية خاصة في سنة 2009 أي انخفض الناتج بنسبة 3.5% في الولايات المتحدة، 4.3% في منطقة اليورو و6.3% في اليابان. في الوقت نفسه ورابعا استمر النمو القوي في العديد من الدول الناشئة حتى في سنة 2009 أي نمو قدره 7.2% في آسيا و2.6% في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا و2.8% في إفريقيا. انقلب الوضع الاقتصادي الدولي وتغيرت هوية وثقل مراكز القوى بشكل واضح منذ بداية الأزمة.
من الممكن أن تكون الأوضاع قد تحسنت بدأ من سنة 2001 ليس في كل المناطق وإنما كمعدل دولي، إذ تبلغ تقديرات النمو تبعا لصندوق النقد حوالي 4% بينها 1.6% في الدول الصناعية. لكن رغم هذا التحسن يبقى الوضع الدولي ضبابيا بل قاتما إذ لا يمكن للنمو وحده أن ينقذ الاقتصادات بل أن يحل مشاكل 7 مليارات مواطن في مقدمتهم الطبقات الوسطى وما دون. ما هي أسباب هذا الوضع وما هي مصادر القلق الواضح على وجوه الشعوب وقطاعات الأعمال كما الحكام الذين فقد بعضهم حتى لذة أو واجب طمأنة المواطن ربما لأن العوامل الموضوعية والقرارات الصائبة غائبة؟
أولا: البطالة التي ارتفعت إلى معدلات جديدة غير مسبوقة أي 9.1% في الولايات المتحدة، 5% في اليابان و10% في منطقة اليورو بينها 21% مثلا في إسبانيا. لا يمكن لأي حاكم أن يتعايش مع نسب بهذا المستوى، ولابد للانتخابات القادمة في إسبانيا والولايات المتحدة وفرنسا وغيرها من أن تبرهنها. تؤدي نسب البطالة ليس فقط إلى تعثر الإنتاج كما الاستهلاك، بل تحدث مشاكل اجتماعية لا يمكن للحكومات تطويقها أو استيعابها.
ثانيا، تعثرت الأوضاع المالية للدول مما يفقدها القدرة على التدخل في الاقتصاد لدفع عجلة النمو عبر الإنفاق الاستثماري كما الجاري. تبلغ نسب الدين العام من الناتج معدلات مقلقة جديدة حيث تصل إلى 100% في الولايات المتحدة، 233% في اليابان، 89% في منطقة اليورو، بينها 121% في إيطاليا التي ينازع اقتصادها اليوم. تقع هذه الدول في مشكلة جدية أي تجبر على التقشف بسبب الوضع المالي السيئ مما يفقدها قوة التدخل لمحاربة الركود وتخفيف البطالة. هذا مأزق جدي تعاني منه كل الدول الصناعية بما فيها ألمانيا. ما العمل؟ هل تعطى الأفضلية للوضع المالي أم للنمو؟ في رأينا يبقى النمو والبطالة أهم من التوازن المالي وبالتالي معالجتهما هي أولوية يفرضها المنطق والاستقرار الاجتماعي.
ثالثا: هنالك مشكلة تضخمية تكمن في ارتفاع أسعار المواد الأولية وفي مقدمتها الغذائية. أسوأ من ارتفاع الأسعار هو زيادة حدة التقلبات المضرة جدا بمعيشة الفقراء. يبقى مؤشر الغذاء الذي يصدره البنك الدولي 19% أعلى من مستوى 2010، منه ارتفاع 30% لسعر القمح، 43% للذرة، 16% للقمح و26% لزيت السوجا وهي المواد الأساسية للفقراء. إذا أضفنا إليه الفيضانات الحاصلة في تايلاندا التي ضربت الإنتاج بما بين 16 و24% والمشكلة المزمنة في إفريقيا، يتبين لنا حجم المعاناة الحاصلة التي ستزداد عند الطبقات الوسطى وما دون. العامل الوحيد الإيجابي في هذا الإطار هو بقاء المخزون مرتفعا، كما ازدياد الإنتاج في بعض المناطق كالأرجنتين والبرازيل وروسيا وأوكرانيا كما الهند يخفف الضغط على الأسعار.
رابعا: تعزز الخلل الدولي بين المناطق مما يشير إلى ضرورة إيجاد مصادر جديدة للنمو. تجنبت الحكومات أخطاء الثلاثينات بعد أزمة 1929 أي عززت السياسات الاقتصادية من مالية ونقدية كما زادت من التنسيق بين الدول والمناطق بإشراف المؤسسات الدولية الأساسية وخلقت مجموعة دول العشرين التي تمثل العالم العربي فيها بالمملكة العربية السعودية. أسهمت هذه الوقائع في تعاون الدول لرفض كل أنواع الحمايات والمساهمة الجماعية في مساعدة الدول الفقيرة لأن تدفق الأموال خف مع الأزمة. كما تتعاون الدول العشرين لإيجاد تشريعات جديدة تخفف من المخاطر وتساهم في خلق أجواء مساعدة على النمو. من هذه التشريعات المحتملة والمدعومة فرنسيا هي وضع ضريبة بنسبة أقل من 1% على رؤوس الأموال القصيرة الأجل المسببة للتقلبات، شرط أن تذهب إيراداتها لدعم التنمية. لن يكون هدف مجموعة العشرين إلغاء العولمة، وإنما جعلها أكثر عدالة وأقل خطرا وأكثر ديمقراطية.
ما هي توقعات النجاح بالنسبة للمجموعة؟ تضم المجموعة 10 دول صناعية و10 ناشئة تمثل 90% من قيمة البورصات و80% من حجم التجارة العالمية و85% من الناتج العالمي و66% من عدد سكان العالم. هنالك من يعترض على هوية الدول العشرين وكيف تم اختيارها أي المعايير المعتمدة، إذ هنالك حوالي 170 دولة خارجها وربما يرغب بعضها في الدخول إلى النادي. اختيار الأعضاء مهم إذ أن قرارات المجموعة يجب أن تنفذ دوليا كي تكون فاعلة، وبالتالي أن شرعية الأعضاء مهمة للمصداقية والمتابعة والتنفيذ. المهم هو أن تحدد المجموعة أهدافا واضحة لها وتخلق هيكلية فاعلة للعمل كما تسعى لإيجاد مناخات مساعدة للتنفيذ عبر تعزيز التواصل فيما بينها. لا شك أن إدارة عالم ذات قوى كبيرة متعددة هي أصعب بكثير من إدارة عالم تسيطر عليه قوة واحدة كما كان الحال سابقا مع الولايات المتحدة وكما يمكن أن يكون الحال عليه مع الصين مستقبلا. فشل مجموعة الدول العشرين مضر جدا إذ يكشف الاقتصاد الدولي ويعرضه أكثر للمخاطر. هنالك مصلحة دولية في إنجاح المجموعة التي يمكن أن تنسق أيضا مع الدول غير الأعضاء كل في قارته كي تتعزز النتائج تأليفا وتطبيقا.
الاستقامة ركيزة الاقتصاد الناجح
هنالك صراع فكري عالمي قديم حول جدوى الاستقامة العملية في الحركة الاقتصادية. هل الاستقامة مفيدة وتؤدي إلى النجاح... اقرأ المزيد
3305
| 24 سبتمبر 2014
الاقتصاد الإيراني.. من العقوبات إلى التنمية
تعتمد العقوبات دوليا لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو غيرها.. لم تكن النتائج باهرة حتى اليوم من ناحية... اقرأ المزيد
871
| 21 سبتمبر 2014
قوة الدولار من قوة أمريكا
المعروف عالميا أن قوة النقد تنبع من الوضع الاقتصادي العام، إلا أن هذا ليس صحيحا دائما، كما شهد... اقرأ المزيد
1289
| 17 سبتمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8901
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4821
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3549
| 23 سبتمبر 2026