رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اليوم الوطني: احتفاء بالوحدة والتطور
أوضحت في مقالي السابق بأن منتدى الدوحة، ظل منذ انطلاقته في العام 2001، حدثاً سنوياً يعقد في العاصمة القطرية، وأصبح يُعد من أكبر الفعاليات العالمية في مجال الشؤون الدولية المعاصرة. ذلك لأهمية أجندته وراهنيتها، إلى جانب ثقل المشاركين فيه، فضلاً عن كونه ملتقى عالميا لصناع القرار. ووقفت عند المنتدى باعتباره تاريخا حافلا وسجلا عامرا بالحوارات الكوكبية، كما تناولته وهو يمثل منصة للحوار العالمي أسهمت في تعزيز دور قطر في الدبلوماسية العالمية، واليوم نواصل الحديث عن النسخة الثانية والعشرين من منتدى الدوحة (7- 8 ديسمبر 2024)، ومدى اتساقها مع ما تشهده دولة قطر من تطور وهي تحتفي في 18 ديسمبر باليوم الوطني.
اليوم الوطني: احتفاء بالوحدة والتطور
مثلت النسخة الثانية والعشرون قفزة في سلم تطور منتدى الدوحة، من خلال ما تميزت به، كما سيرد التفصيل، فجاءت متسقة مع ما تشهده دولة قطر من تطور، وهي تحتفي في 18 ديسمبر باليوم الوطني. وهو يوم إحياء ذكرى تأسيس دولة قطر على يد المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني في 18 ديسمبر من العام 1878، الذي أرسى قواعد دولة قطر الحديثة، والذي أصبحت قطر في ظل زعامته كياناً عضوياً واحداً متماسكاً وبلداً موحداً مستقلاً. ويأتي هذا اليوم لتتذكر فيه دولة قطر، كيف نجحت في تحقيق وحدتها الوطنية، ليكون اليوم الوطني، هو احتفاء بالوحدة الوطنية، واحتفاء بسجل التطور ومسيرة التنمية التي تقودها قيادتنا الحكيمة.. إنها قصة تلاحم التاريخ والأصالة مع المستقبل والمعاصرة بفضل القيادة الحكيمة والرؤية المستقبلية الثاقبة. وها نحن اليوم نشهد كيف أنها اتبعت تحقيق الوحدة الوطنية بالتطور في مختلف المجالات. وفي تطورها على المستوى المحلي، تميزت دولة قطر بتحقيق تنمية شاملة، مثَّل الإنسان محورها وغايتها، حيث وفرت له التعليم والصحة والأمن، بمستوى يضاهي أنظمة العالم الأول، بل يتفوق على بعضها. كما تميزت دولة قطر بأنها من الدول ذات النصيب الأعلى للفرد من الناتج المحلي الإجمالي. ففي العام 2023 ووفقاً لتقرير صندوق النقد الدولي، احتلت دولة قطر المرتبة الأولى عربياً للدول ذات النصيب الأعلى من الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد، بنحو 81.9 ألف دولار أمريكي. وعلى المستوى الإقليمي والعالمي، ظلت دولة قطر حاضرة وبقوة في سبيل تحقيق التعايش وبناء السلام، من خلال الدبلوماسية الإنسانية ودبلوماسية الوساطة والعمل على حل النزاعات، ورأب الصدع، حقن الدماء. واليوم ومع النسخة الثانية والعشرين من منتدى الدوحة، أصبحت دولة قطر تحتضن أكبر منصة كوكبية لمواجهة التحديات العالمية. كما أطلق منتدى الدوحة لهذا العام، ولأول مرة، منتدى قطر للوساطة 2024، بهدف تطوير استراتيجية قطر لدعم الوساطة، وتعزيز الدبلوماسية الإنسانية.
قفزة في سلم التطور
في كلمته خلال افتتاح المنتدى في نسخته الثانية والعشرين (7-8 ديسمبر 2024)؛ أكد معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، أن منتدى الدوحة قد تجاوز كونه فضاء لتبادل وجهات النظر، ليصبح منصة عالمية لجمع القادة ومواجهة التحديات العالمية، وإعادة تعريف الحلول في زمن تتشابك فيه التحديات وتتعقد فيه المسارات. وبهذا، في تقديري، يصبح استمرار منتدى الدوحة حاجة عالمية، تعاظم الأزمات العالمية، وعمق التحديات التي تواجه العالم، حيث تصاعد النزاعات الدولية، وتسارع وتيرة العنف في العالم، في ظل وحدة المصير المشترك للإنسانية جمعاء، الأمر الذي يتطلب فتح الآفاق لحلول جديدة ومبتكرة من أجل تحقيق الاستقرار والتنمية وبناء السلام. العالمي وعن هذا المعنى، تحدث معاليه، قائلاً: «من هنا أتى خيارنا لشعار منتدى الدوحة لهذا العام (حتمية الابتكار) إدراكاً منا لعمق التحديات التي تواجه الإنسانية، وحاجة العالم إلى رؤية جديدة تستشرف المستقبل، وتواجه الواقع بفاعلية، فالعودة إلى الحقائق الجوهرية، ثم معالجة المشكلات المستعصية بروح إبداعية، أصبحت حاجة ملحة».
تميزت النسخة الثانية والعشرين من منتدى الدوحة، لهذا العام، بأنها الأكثر حضوراً منذ تاريخ انطلاقته، حيث بلغ عدد المتحدثين أكثر من 350 متحدثاً ومتحدثة، وحضر فعاليات المنتدى أكثر من 4600 مشارك ومشاركة من أكثر من 140 دولة.
وتميز كذلك منتدى الدوحة لهذا العام، بانطلاق منتدى قطر للوساطة 2024، بالشراكة مع منتدى الدوحة، وبتنظيم مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني. ويمثل هذا قفزة في سلم تطور منتدى الدوحة، كونه يؤكد على صحة رؤية دولة قطر ونجاحها تجاه دبلوماسية الوساطة، ويكشف عن تطور دورها في الدبلوماسية الإنسانية. ليضاف كل ذلك إلى سجل الإنجازات والتطورات التي تشهدها بلادنا الحبيبة وهي تحتفي باليوم الوطني. ويهدف منتدى قطر للوساطة 2024 إلى الإسهام في تطوير استراتيجية قطر لدعم الوساطة، وتعزيز القدرات في مجالات الوساطة في النزاعات والدبلوماسية الإنسانية ضمن العالم العربي والإسلامي. ولي عودة لموضوع منتدى قطر للوساطة 2024 ودبلوماسية الوساطة، في مقالاتي القادمة.
حراك المدن الحية: الاستشراق الجديد (1 - 2)
المدن الحية ليست هي المدن التي تسهر حتى الفجر، أو تلك التي تضج بالحركة والزحام والصخب والضوضاء، وإنما... اقرأ المزيد
735
| 28 أبريل 2025
الأسرة لبنة المجتمع ومهد الهوية الإنسانية
يوافق الخامس عشر من شهر أبريل من كل عام، الاحتفال بيوم الأسرة في دولة قطر. وترجع فكرة تخصيص... اقرأ المزيد
1107
| 21 أبريل 2025
السودان في القلب.. عن زيارة سعادة الوزيرة مريم المسند
تابعت باهتمام زائد واحتفاء خاص زيارة سعادة السيدة مريم بنت علي بن ناصر المسند، وزيرة الدولة للتعاون الدولي،... اقرأ المزيد
1374
| 14 أبريل 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4260
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3204
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1125
| 28 سبتمبر 2026