رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في وقت سابق من العام الحالي، سادت درجة عالية من الثقة على نطاق واسع في أن جولة ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات الأكبر بالغرب كانت تقترب من ذروتها. وثبت أن هذا التفاؤل لا أساس له من الصحة، فقد حافظ التضخم المرتفع على «ثباته» في بعض الاقتصادات، لا سيَّما في ألمانيا والمملكة المتحدة.
ويتوقع العديد من المراقبين حدوث ارتفاعات أخرى، حيث توقعت وكالة بلومبرج إيكونوميكس أن يلتزم كل من الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي بقرار زيادتين إضافيتين على أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بحلول نهاية العام، مع رفع الأسعار الرسمية إلى 5.5٪ و 4.0٪ على التوالي، قبل خفضها في عام 2024، على الرغم من انخفاض معدل التضخم السنوي الرئيسي في الولايات المتحدة بمعدل أكثر من المتوقع ليصل إلى 3٪ بعد فترة وجيزة من هذا التوقع الصادر في شهر يوليو الجاري.
وبينما يمكن ملاحظة الاتجاه التصاعدي لأسعار الفائدة في بعض الدول، إلا أن هذا الإتجاه لا يُشكل نمطًا عالميًا. فقد أوقفت بعض الاقتصادات، بما في ذلك الهند وجنوب أفريقيا، إجراءات رفع أسعار الفائدة مؤقتًا، بينما أعلن البنك المركزي الصيني عن خفض أسعار الفائدة بشكلٍ طفيف خلال شهر يونيو. ورغم أن البنك المركزي الأوروبي لا يزال متشددًا في توقعاته، إلا أنه يحاول التكيف مع التضخم الذي ارتفع في ألمانيا، لكنه انخفض في إسبانيا.
ومن المتوقع أن يُعلن البنك المركزي البريطاني عن مزيد من الارتفاعات في أسعار الفائدة، ولكن حتى في هذه الحالة هناك بعض المعارضة حول ما إذا كانت هذه الإجراءات ضرورية أو حكيمة. فقد أكد آندي هالدين، كبير الاقتصاديين السابق في بنك إنجلترا، الذي كتب مقالاً في صحيفة الفاينانشيال تايمز بتاريخ 30 يونيو، أن البنك المركزي البريطاني قد أفرط في اتخاذ إجراءات تصحيحية بعد تقليله من خطورة معدل التضخم المتوقع قبل 18 شهرًا. وقد عكس التضخم المرتفع القيود المفروضة على العرض، وبناءً عليه: «وفقًا لهذا التشخيص، يتمثل الدور الأساسي للسياسة النقدية في تحمل الأضرار الناجمة عن هذا التضخم المؤقت، وليس تعويضها.» وفي الولايات المتحدة، هناك إشارات قادمة من الاحتياطي الفيدرالي على أنه منقسم بين الصقور الذين يؤيدون رفع أسعار الفائدة والحمائم الذين يعارضون ذلك، وهو ما أوقف تنفيذ الاقتراحات برفع أسعار الفائدة خلال شهر يونيو، ولكن ذلك يشير إلى إمكانية رفعها خلال مرحلة لاحقة. ولا يزال معدل التضخم الذي بلغ 3٪، ومعدل التضخم الأساسي الذي وصل إلى 4.8٪، أعلى من الهدف المحدد البالغ 2٪. وفي الوقت نفسه، كما ورد في مقال نُشر مؤخرًا في مجلة الإيكونوميست، لا تزال السياسة المالية في معظم البلدان فضفاضة على الرغم من ارتفاع ديون القطاع العام، وهو ما يوفر حافزًا مستمرًا. ويساهم ارتفاع عوائد السندات الحكومية في رفع تكلفة الديون. وبالنسبة لدولة قطر، التي تتميز باقتصادها الغني وبعملتها المربوطة بالدولار، هناك قيود، ولكن هناك أيضًا مجال أكبر لمواجهة هذه التحديات.
وتُشكل أسعار الفائدة التي تفوق المستوى الأمثل للاقتصاد المحلي تحديًا، وقد انخفض معدل التضخم إلى 2.6٪ في شهر مايو 2023 بدولة قطر، وهو معدل أقل من الأرقام المسجلة في الولايات المتحدة الأمريكية. ومع تباطؤ النشاط الاقتصادي في أعقاب استضافة دولة قطر لبطولة كأس العالم لكرة القدم، وارتفاع مستويات الديون وزيادة أسعار الفائدة، هناك خطر يتمثل في إمكانية تحول ذلك الوضع إلى ركود اقتصادي. بالإضافة إلى ذلك، على الرغم من عدم وجود بيانات واضحة، فإننا نعتقد أن قطاع العقارات يتسم بدرجة عالية من الاستدانة. وبالنظر إلى مثلث الخيارات المالية والاقتصادية التي تشمل أسعار الفائدة، والضوابط الرأسمالية، والمحفزات المالية، يجب أن يتركز الاهتمام على ثالث هذه الخيارات. ويجب أن تتبع أسعار الفائدة مجلس الاحتياطي الفيدرالي من أجل الحفاظ على ربط العملة؛ ولا توجد نية لفرض ضوابط رأسمالية بالنظر إلى الالتزام بسياسة السوق الحرة والأولوية التي تمنحها الحكومة لتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، ولكن بسبب الفوائض المالية الكبيرة؛ هناك فرصة متاحة للحكومة لدعم الاقتصاد وتخفيف العبء.
ويمكن تخفيف متطلبات الاحتياطي النقدي على البنوك لتشجيع الإقراض. ويمكن لبنك قطر للتنمية، والمؤسسات التنموية الأخرى، تقديم قروض ميسرة لرواد الأعمال للمساعدة في تنمية الأعمال التجارية، ولشركات الأعمال الأخرى التي تتعرض لصعوبات بفعل المستويات المرتفعة من الديون، عن طريق هذه المؤسسات أو خلال نافذة اقتراض ميسرة للبنوك من المركزي مماثلة لما حدث خلال جانحة الكرونا. ويعني وجود فائض في الميزانية أن هذه القروض يمكن أن تكون ميسورة التكلفة ومنخفضة عن أسعار السوق.
ويجب منح الأولوية للفرص المتاحة في اقتصاد المعرفة، فقد سيطرت مشاريع البناء على خطط المشاريع التي نُفذَّت خلال العقد الماضي، بسبب الاستعداد لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم. ومن المجالات الأخرى التي يمكن أن تشجع النمو تخفيض الرسوم التي تفرضها الإدارات الحكومية، وتقليل البيروقراطية في التعامل مع الشركات الصغيرة. ومن المشجع أن نرى أن الحكومة قد بدأت بالفعل في اتخاذ تحركات في هذه المجالات.
وكانت قطر موضوعًا لعمود صحفي نشر في جريدة الفاينانشيال تايمز بتاريخ 6 يوليو. وسجل هذا العمود الإنجاز الذي حققته البلاد في العديد من المجالات ومن بينها: تنظيم بطولة كأس العالم فيفا – قطر 2022 لكرة القدم بنجاح منقطع النظير، والتوسع في إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وتمتع البلاد بعلاقات جيدة مع قوى عالمية متنوعة، بما في ذلك الصين وإيران والولايات المتحدة الأمريكية. وأشار المقال إلى كل من التقدم الذي حققته دولة قطر والتحديات الراهنة المتمثلة في تنويع مصادر الاقتصاد بعد الطفرة الإنشائية الأخيرة.
وسلط المقال الضوء على أولويات الحكومة، وذكر أن قطاعات الطاقة والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية والتعليم تتمتع بإمكانيات نمو قوية. ومن المرجح أن يكون النمو في هذه المشاريع مستدامًا بشكل أكبر من النمو الذي يمكن أن يتحقق بفعل مشاريع البناء محددة المدة، ويمكن دعم هذا النمو عبر تطبيق السياسات النقدية والمالية المناسبة، في سياق معدل الفائدة المرتفع. ويجب أن يكون لهذا المزيج من السياسات تركيز استراتيجي، عبر استخدام أدوات السياسة المالية بشكلٍ فاعلٍ لدعم النمو المستدام على المدى الطويل، وتشجيع تطوير اقتصاد معرفي يتبنى وسائل التكنولوجيا الفائقة.
أزمة السياحة في الخليج.. ما العمل الآن؟
بعد ست سنوات فقط من تسبب جائحة كوفيد-19 في توقف معظم أنشطة السفر والسياحة، يواجه قطاع السياحة والضيافة... اقرأ المزيد
468
| 07 يونيو 2026
النفط في عصر التراجع
يُعدّ تدمير الطلب Demand Destruction ظاهرةً راسخةً ومعروفة في علم الاقتصاد. ويحدث هذا التدمير عندما يؤدي تقليص العرض... اقرأ المزيد
534
| 16 مايو 2026
آفاق قاتمة للاقتصاد العالمي
حذر صندوق النقد الدولي من أننا قد نكون بصدد دخول أكبر أزمة للطاقة في العصر الحديث. وتُهيمن المخاطر... اقرأ المزيد
534
| 09 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @Fahadbadar
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10728
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3669
| 10 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
3270
| 13 سبتمبر 2026