رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله العمادي

د. عـبــدالله العـمـادي

 

مساحة إعلانية

مقالات

2328

د. عبدالله العمادي

المرحلة الثانوية.. وإعادة نظر

24 أكتوبر 2024 , 02:00ص

استكمالاً لما تطرق إليه زميلي الأستاذ إبراهيم عبد الرزاق في مقالته قبل أسابيع حول امتحانات الثانوية العامة، ووصفها بالمرعبة، فأتفق معه في الوصف، لأنها فعلاً امتحانات مرعبة، وسنة رعب ليس للطلاب فحسب، بل لأولياء أمورهم كذلك !

 ظني أن هذه الأجواء هي نتاج فلسفة ونظام هذه الامتحانات التي وضعت قبل عقود مضت، وظلت راسخة لا تتغير ولا تتبدل، محصنة من أي محاولات تطوير تفرضها التحولات والتطورات الحاصلة بالعالم. هذا ما دفعني لطرح الموضوع، وأهمية إعادة النظر في آلية الاختبارات ضمن دائرة أوسع هي فلسفة التعليم الثانوي بشكل عام، وماذا نريد من الطالب مع دخوله المرحلة الثانوية وليس ما يريده الطالب، باعتبار أنه لم يصل بعد للنضج الذي يكون قادراً فيه على تصور مستقبله التعليمي والمهني دون دعم واستشارة.

 لفت انتباهي تصريح لأحد معلمي الرياضيات في فنلندا حول برنامج دولي لتقييم طلبة المدارس، يقول: «نحضّر طلابنا ليتعلموا كيف يحصلون على المعلومات، ولا نعلمهم كيف يجتازون الاختبارات». فلسفة تعليمية جعلت طلاب فنلندا في التقييمات العالمية متفوقين، ليس لأنه يتم تحضيرهم لتلك التقييمات، بل لأن طريقة جذبهم وتشويقهم للعلم والتعلم في مدارسهم، تجعلهم يتفوقون تلقائياً.

  الصورة الذهنية للثانوية

 بعد هذه المقدمة أجد أهمية تغيير الصورة الذهنية لمرحلة الثانوية بشكل عام، كي تؤخذ سنوات المرحلة كلها بجدية ومثابرة، ولا يقتصر التركيز على السنة الأخيرة كما الحاصل الآن واعتبارها سنة نجاح أو فشل !! في عالم التعليم والتعلم ليس هناك فشل أو إخفاق، بل هي مجموعة ممارسات لأجل إظهار قدرات ومهارات تُنمّى وتُرسّخ عبر مناهج متخصصة، هدفها تنمية تلك القدرات والمهارات في كل طالب يعيش عصر التقنية السريعة والمعلومة المتطورة، وتوجيهه تبعاً لذلك نحو وجهة مناسبة له تلائم تلك القدرات والإمكانات والظروف المحيطة. وكلٌ مُيسّر لما خُلق له.

 الصورة الذهنية لابد أن تتعدل وتساير التوجه العالمي في التعليم، الذي بدأ منذ سنوات عدة يتأثر بالثورة المعلوماتية المتسارعة وتقنيات البحث والحصول على المعلومات عبر أدوات وآليات متعددة ومتطورة، وصولاً إلى ما يسمى الآن بالذكاء الاصطناعي.. وهي كلها وسائل مؤثرة على مسألة التعليم والتعلم بشكل عام، ومنها فلسفة الاختبارات في كل مراحل التعليم وليس الثانوي فقط، والتي لابد أن تتوافق مع التطورات الحاصلة، بحيث لا تكون الاختبارات تقليدية روتينية تعتمد على قياس مهارات الحفظ والاستظهار في كثير من المواد، والتي لم تعد لهذه المهارات تلك الأهمية، ما يجعل تنويع طرق وأدوات التقييم ضرورة، بدءاً بالاختبارات السريعة، إلى اختبارات الكتاب المفتوح، ومروراً باستخدام الإنترنت في حل المسائل، ثم تقييمات القدرة على كتابة التقارير وعمل الأبحاث، وانتهاءً باختبارات شفوية تعتمد على النقاشات وتقديم العروض والمحاضرات وغيرها كثير..

 التعليم الأساسي

حتى ندخل في صلب الموضوع ولا تضيع منا الخيوط، أقول:

بعد أن ينهي الطالب تعليمه الأساسي خلال سنوات عشر متتاليات تتكون من ست سنوات ابتدائية وأربع سنوات إعدادية، لا مجال فيها لإعادة السنة الدراسية (سنبين في نهاية المقال سبب الزيادة في الإعدادية) تكون خلالها القدرات والتوجهات الأولية والمهارات لدى كل طالب قد تشكّلت وظهرت، خاصة في السنة العاشرة أو السنة الإعدادية الرابعة، وبانت للجهة المشرفة عليه، وهي الإدارة المدرسية بقسميها الإداري والأكاديمي، بحيث لا يتخرج الطالب من التعليم الأساسي، إلا وتكون الرؤية واضحة له ولأهله والجهة التي ستتولى تعليمه، كي تكون انطلاقته صحيحة للسنوات الثلاث القادمات، بحيث يمكن بناء على ما حصل عليه من التعليم الأساسي من قدرات ومهارات وإمكانات، تحديد المرحلة التالية المناسبة له، إما مهنية أو أكاديمية نظرية.

وفي السطور التاليات شروح وتفصيلات..

  الثانوية الأكاديمية

 الثانوية الأكاديمية أو التعليم الأكاديمي، هو ذاك النوع من التعليم الذي يركز على الدراسة النظرية والعلمية في المواد المختلفة، كالرياضيات والفيزياء والكيمياء أو التاريخ والجغرافيا واللغات. ويغطي المنهج الدراسي مجموعة واسعة من المواضيع تمنح الطالب قاعدة معرفية واسعة، مع تنمية مهارات حل المشكلات وتطوير المعارف ومهارات التفكير النقدي عنده، وتدريبه على طرائق وآليات القيام بأبحاث ودراسات عن الموضوعات الأكاديمية في كل مادة. ويكون هدف هذا التعليم هو إعداد الطالب لمهنة عامة مستقبلية عبر توجيهه نحو تخصص معين في المرحلة الجامعية وما بعدها.

 وتكون الثانوية الأكاديمية نظرية عامة، أو تخصصية - والاتجاه العالمي نحو التخصصية أقوى من ذي قبل - بحيث تكون هناك ثانوية علمية، تكنولوجية، إدارية، إنسانية، تجارية، مالية، وغيرها من مجالات متنوعة بحسب حاجة كل بلد.

 الثانوية المهنية

  أما الثانوية المهنية أو التعليم المهني، فهو ذاك التعليم الذي يركز على تدريب الطلاب على مهارات تطبيقية ومهنية من أجل تمكينهم وتوجيههم نحو إكمال تعليمهم المهني في المعاهد الفنية العليا، أو للتوجه مباشرة إلى سوق العمل.. ويهتم المنهج بتوفير تدريب مهني وعملي في مجالات حياتية عديدة مثل مجالات الصيانة المختلفة، الإنشاءات، الصناعات، التمريض، الخدمات، وغيرها من مجالات مهنية متنوعة. ويركز على مجال معين من أجل تطوير مهارات الطالب الفنية ومعارفه العملية المؤدية به لإجادة مهنة محددة، يمكنه بعدها وبكل ثقة بعد إتمام المرحلة، خوض الحياة العملية، أو مواصلة دراسته المهنية في المعاهد الفنية العليا كما أسلفنا.

 واقعنا التعليمي

 الطالب الآن يبدأ تعليمه الثانوي دون توجيه حقيقي من المدرسة السابقة ولا اللاحقة. يبدأ عامه الأول بمواد كثيرة وعلى ضوء نتائجه، يحدد هو أو أهله إلى أي مسار يتجه، العلمي أم الأدبي. ومؤخراً المسار التكنولوجي، وإن كان لا يختلف عن العلمي في شيء. اختيارات الطلاب أو الأهالي تكون غالباً وفق تصورات ونظرات المجتمع للقسم العلمي والأدبي، أو النظرة لبعض المهن في المستقبل، أو بسبب نظام التوظيف بالخدمة المدنية، والمطلوب إعادة النظر فيه أيضاً، وهو موضوع يحتاج حديثاً مطولاً ليس مجاله ها هنا.

 اختيار الطالب لمسار علمي أم أدبي أم مهني، عادة لا يكون وفق قدراته ومهاراته وإمكاناته وميوله، والتي غالباً لا يقدر على تحديدها دون مساندة واستشارة، ومن هنا تتضح أهمية دور المدرسة السابقة في إعداد تقرير مفصل يوضح فيه إمكانات كل طالب، والتوصية بالتوجه نحو تعليم أكاديمي أو مهني.

 معنى هذا أن المرحلة الثانوية، ومن السنة الأولى، لابد أن تكون معالمها واضحة لكل طالب وأهله. فهذا طالب قضى عشر سنوات في التعليم الأساسي، وكانت المحصلة أنه صاحب قدرات ومهارات معينة تجعله يجيد التعامل مع التعليم النظري، وبالتالي فهو مؤهل لإكمال مسيرة التعليم الأكاديمي في هذه المرحلة وما بعدها في المرحلة الجامعية. فيما طالب آخر صاحب مهارات وقدرات تجعله يجيد التعامل مع التعليم العملي أو المهني ومؤهل لإكمال تعليمه بالمعاهد الفنية العليا، أو دخول سوق العمل إن كانت له رغبة في ذلك بعد إنهاء الثانوية.

 بتلك المعطيات، نحفظ أعمار طلابنا من الضياع والتوهان بسبب التبديل بين هذا المسار وذاك، أو عدم التوفيق والنجاح بسبب عدم ملاءمة قدراته ومهاراته مع المسار الذي اختاره هو أو تم دفعه إليه، وهذا دون شك سبب رئيسي من أسباب التسرب من التعليم، وهدرٌ لا ينبغي أن يحدث في زمن العلم والتعلم.

الشهادة الثانوية

 نأتي الآن إلى بيت القصيد..

 الشهادة الثانوية أو السنة الأخيرة من التعليم الثانوي، أرى أن تكون كغيرها من السنوات السابقة فيما يتعلق بالتقييم، بحيث يتم احتساب كل مجهودات وأنشطة الطالب طوال العام، لا كما الحاصل الآن والمقتصر على اختبارين فقط بالصورة التقليدية المتبعة منذ سنوات.

 لم لا تستمر عملية التقييم كما السنوات السابقة للطالب، بحيث يكون في كل فصل امتحانان، منتصف وآخر الفصل، بمجموع أربعة امتحانات طوال العام، بالإضافة إلى تقييم مجهودات أخرى للطالب مثل الواجبات اليومية، التقارير الأسبوعية، الأبحاث الشهرية، وغيرها من أنشطة وأعمال يمكن التفكير بشأنها والتوسع منها، ويكون القصد منها تنويع طرق كسب الدرجات، وتنويع طرق التقييم التي تراعي قدرات ومهارات كل طالب في كل وقت من أوقات العام الدراسي، لا أن تكون النسب موزعة على اختبارين فقط لتقييم قدرات الحفظ والاستظهار وقت الاختبار !

 ولذلك نجد أن تنويع طرق التقييم وتحصيل الدرجات، عامل مهم في دفع الطالب ألا يتراخى ويتكاسل طوال عامه الدراسي الأخير، أو أن يتعامل مع الاختبارات التجريبية بتهاون وعدم جدية، كما الحاصل الآن. هذه نقطة أولى.

الرسوب والإعادة

 نقطة ثانية متعلقة بالتقييم، وتتمثل في مسألة عدم تحقيق الطالب درجة النجاح الدنيا في أي مادة، والذي يتم حالياً التعامل معه عبر منحه فرصة ثانية لتقديم الاختبار في المادة أو المواد التي لم يحالفه التوفيق في تجاوز حد النجاح، أو تحقيق العلامة المأمولة، حتى إذا لم يحالفه التوفيق أيضاً في الدور الثاني، عليه إعادة سنة دراسية كاملة !! وهذا من وجهة نظري، هدر للجهود والأوقات والأموال، وسبب من أسباب التسرب من التعليم الثانوي.

فما الحل؟

 إن كان ولابد من الإعادة للسنة الثانية - وسيظل هدراً على أي حال - أرى أن تكون الإعادة مقتصرة على المواد التي لم يحقق الطالب النجاح فيها. بحيث تكون سنة الإعادة فرصة لتحقيق درجة النجاح في المواد التي لم يحالفه التوفيق فيها فقط دون إعادة بقية المواد التي حقق درجات النجاح فيها.

فإن حالفه التوفيق ونجح في سنته تلك، يتم اعتماد درجات المواد الجديدة مع درجات المواد التي تجاوزها العام الفائت وتحسب له النسبة المئوية النهائية. أما إن لم يحالفه التوفيق في سنة الإعادة مرة أخرى في مادة أو أكثر، يُحتسب له الدرجة الدنيا من النجاح، ويتم تخريجه ولا يعيد سنة ثالثة ورابعة ويضيع عمره وجهده وجهود من معه، باعتبار أن خروجه من بيئة الثانوية أو المدارس، ربما دافع له لإكمال مسيرته العلمية في بيئات جديدة بالنتائج التي حصل عليها، سواء كانت ملائمة لإكمال التعليم الأكاديمي الجامعي أم المهني، أو يتجه لسوق العمل كأضعف الإيمان، ويتحول لعنصر منتج إيجابي.

 السنة الثالثة بالثانوية

 نقطة ثالثة تتعلق بالسنة الثالثة بالثانوية، سواء الأكاديمية أم المهنية، ولكن قبل ذلك نجيب على تساؤل ربما لاح في الأذهان حين ذكرنا بأن التعليم الأساسي مدته عشر سنوات متتاليات (ست ابتدائيات وأربع إعداديات) ولماذا الزيادة بالمرحلة الإعدادية دون توضيح ؟

 السنة الرابعة الإعدادية، هي بمثابة الأول الثانوي حالياً، أو السنة الحاسمة التي على ضوء نتائج تحصيل الطالب خلالها يتم توجيهه نحو المسار الأفضل له بالمرحلة الثانوية، كما شرحنا في حديثنا عن التعليم الأكاديمي والتعليم المهني أعلاه.

 عودة إلى النقطة الثالثة إذن والمتعلقة بالسنة الثالثة الأخيرة في الثانوية، أقترح أن تكون مواد هذه السنة هي المواد الأساسية والاختيارية ذاتها والمقررة على الطالب في السنة الأولى بالجامعة، وهي مواد اللغة العربية والثقافة الإسلامية واللغة الإنجليزية ومواد إنسانية أخرى كالتاريخ والجغرافيا والجيولوجيا وغيرها من مواد اختيارية معروفة بالجامعات عندنا في قطر. بحيث يكون هناك تنسيق واتفاق بين الوزارة وجامعة قطر وتوابعها من الكليات، لاعتماد تلك المواد التي يدرسها طالب السنة الأخيرة في الثانوية كمواد سنة أولى بالجامعة، بحيث يبدأ الطالب مباشرة في التخصص. بمعنى آخر، يختصر سنة دراسية في الجامعة أو الكلية.

 وهذا موضوع آخر وجيه نحتاج للتحدث فيه مستقبلاً، والمتعلق باختصار زمن التعليم الجامعي في ظل التطورات التقنية والمعلوماتية والبحثية في العالم.

ملخص القول

 كلما كانت البداية صحيحة كانت النهاية سعيدة دون كثير هدر في الجهود والموارد. إن بداية دخول الطالب المرحلة الثانوية بشكل علمي صحيح، هي الأساس الذي بناء عليه يتم الوصول للنهاية المأمولة، بعد أن تكون الرؤية قد اتضحت مع انتهاء الطالب من التعليم الأساسي، وعرف كل طالب قدراته ومهاراته، وأين يمكنه الإبداع والإنتاج والعطاء.

 لهذا كله أجد أن الموضوع يحتاج جرأة وهمة وإرادة في مس محظور مخيف يتجنبه كثيرون، وتفضيل البقاء في منطقة الأمان بالسير على هدى من وضع أسس وقوانين التعليم الثانوي قبل خمسين عاماً أو أكثر، يوم أن كانت الظروف ملائمة ومتوافقة معها، والتي لا أشك اليوم لحظة واحدة أنها لم تعد تتلاءم مع الثورات العلمية والتقنية الهائلة السريعة في عالم التعليم والتعلم، التي أوجزها ذاك المعلم الفنلندي، أنهم يعلمون طلابهم «كيف يحصلون على المعلومات، وليس كيف يجتازون الامتحانات».  المهمة ليست يسيرة، لكنها ليست مستحيلة، بل أجدها ضرورة يفرضها واقع الدولة والتحديات التي أمامها في كثير من المجالات، والتعليم هو الأساس، خاصة أن الدولة تسعى جادة لتجسيد رؤية لم يبق لها من الزمن سوى سنوات ست قادمات، مليئات بكثير من الصعاب والتحديات..

فمن يبادر ويعلق الجرس ؟

اقرأ المزيد

alsharq قطر الآمنة المُستأمنة

قطر الثالثة عالمياً في مؤشر الدول الأكثر أماناً لعام 2026، عنوان لخبر لم يفاجئنا كثيرا لكنه بلا شك... اقرأ المزيد

21

| 26 يناير 2026

alsharq الإدارة بين الشكل والجوهر

تتشكّل أزمات المؤسسات في العمق، في مساحة لا تلتقطها المؤشرات السريعة ولا تنقذها حملات العلاقات العامة، فالتجربة العملية... اقرأ المزيد

15

| 26 يناير 2026

alsharq بكل شفافية بدون قناع

لربما لا يختلف معي أحد بأن الذي بين الشعوب في الخليج ترابط وثيق لا يستطيع أي كائن من... اقرأ المزيد

15

| 26 يناير 2026

مساحة إعلانية