رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بمناسبة اليوم الدولي للتعليم، تتجدد الأسئلة الكبرى حول دور التعليم في بناء المجتمعات وصناعة مستقبلها، وحول جوهر العدالة في التعليم بوصفها ضمانةً حقيقيةً لأمن المجتمعات واستقرارها لا تنفصل عن مفهوم الأمن الإنساني.
وعند الحديث عن التعليم لابد من التأكيد على الدور المحوري للمعّلم، بوصفه حجر الأساس في العملية التعليمية، وصانع الأثر الحقيقي في بناء الأجيال، والمحرّك الرئيس لكل مشروع نهضوي. فهل هناك تعليم دون مُعلّم؟ وهل هناك تقدم وتطور ونمو في مسيرة الأمم دون مُعلّم؟ إن المعلم سيبقى العنوان لنهضة الأمم والشعوب؛ ورمز حضارتها، ومنبع تراثها، وقيمتها الحقيقية في المجتمع ؛ فالتعليم إبداعُ معلمٍ، وأخلاقُ عالمٍ.
عندما أطلقت الأمم المتحدة مبادرتها الدولية باعتماد الرابع والعشرين من يناير من كل عام يوماً عالمياَ للتعليم، جاء ذلك تعبيراً عن الإيمان العميق بدور التعليم في تحقيق الأمن والاستقرار داخل الدول وبين الشعوب، ونشر قيم السلام بين مختلف شرائح المجتمعات. فإن هذه المناسبة تمثّل رسالةً واضحةً إلى العالم بضرورة الاهتمام بالمعلم لأنه القوة الحقيقية لنهضة الأمم، وبناء الحضارات، ومن خلاله يمكن الاستثمار في التعليم، وهو الشعار الذي رفعته الأمم المتحدة هذا العام باعتباره حلقةً أساسيةً في سلسلة متكاملة لبناء الشخصية المتعلّمة والمعلِّمة على حدّ سواء. ومن هنا، تزايد الاهتمام بالتعليم وبالمعلّم معاً، لكونهما حبلَي النجاة لكل فئات المجتمع من الغرق في مستنقع الفكر السلبي والانغلاق العقلي.
إن دولة قطر ليست بعيدة عن كل المفاهيم السابقة، ومنها « الاستثمار في التعليم» وكذلك « الحق في التعليم « ليس فقط لأبنائها، بل وللمقيمين على أرضها لتحقيق التنمية المستدامة بكل مفاهيمها، والمساواة والعدالة بين شرائح المجتمع دون النظر لمعتقد أو هُوية، لهذا جاءت مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع لتكون الحاضة لكل المبادرات والمشاريع التعليمية التي تساهم في بناء وتطوير المجتمعات والأفراد، ومن هذه المؤسسات «التعليم فوق الجميع « التي لعبت دوراً في معالجة كثير من معوقات التعليم في كثير من دول العالم لإحداث تغيرات إيجابية في مسيرة المجتمعات، ثم مبادرة « علّم طفلاً « هذه المبادرة التي منحت الملايين من طلاب العالم الانخراط في العملية التعليمية لتأسيس مجتمعات قادرة على التناغم مع البيئة التي يعيشون فيها، وخلق مجتمعات صالحة للعيش بحرية وأمن وأمان. وكذلك مشروع « سويا « كإحدى المبادرات المحلية للمؤسسة داخل دولة قطر، والتي تستهدف الأطفال غير الملتحقين بالمدارس لضمان حصولهم على تعليم عادل وشامل.
ويوفر هذا المشروع – سويا - بيئة تعليمية عادلة من خلال مدارس «السَّلم» التي أصبح عددها اليوم ست مدارس منها مدرستان بمنهاج « كامبرج» وثلاث مدارس بمنهاج وطني، ومدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة، كل هذا بالشراكة مع عديد الجهات الخيرية، والمؤسسات المحلية، والوزارات، لإنقاذ المستقبل التعليمي لهذه الفئة، وبما ينتصر لحقهم في التعليم، ليصبح عدد الطلاب الذين التحقوا وما زالوا أكثر من أربعة آلاف طالب وطالبة.
إن الطلاب في هذه المدارس يمارسون حياتهم التعليمية بصورة متكاملة، تعليماً وتعلّماً، وأنشطة مدرسية متنوعة، وبرامج تعزيز؛ وتنمية مهارات، وينهلون من ينابيع الفكر داخل مدارسهم علماً نافعاً على أيدي معلمين أكفاء، ويمارسون هواياتهم وبرامجهم التعليمية، ويحققون الكثير من الإنجازات في عديد المهارات والمشاريع العلمية والفنية والرياضية ؛ موازاة ومشاركة مع أقرانهم في مدارس الدولة، ويؤدون دورهم المجتمعي بشكل فعّال للمحافظة على إرثهم الثقافي بقيادة إدارة تربوية رفيعة المستوى.
إن التعليم القائم على تحقيق الأمن والاستقرار في أي مجتمع من المجتمعات مبنىّ على رؤى مُلهمة، وأقتبس في هذا المقام ما قالته صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر « في منتدى الدوحة «... من العدالة تحقيق الأمن التعليمي لضمان صون اللغة والتقاليد والهُوية الثقافية باعتبارها، معا، مواريث وجدانية مبجّلة وضامنة لسلامة المجتمعات وأمنها القومي. كذلك يصبح الأمن التعليمي شرطا لتحقيق العدالة الاجتماعية، وسيكون إهماله انغماساً في الجهل والتخلف المفضيين إلى التبعية.»
إن تحقيق العدالة في التعليم باعتبارها عنصراً مهماً من عناصر رؤية مدارس السّلَم الرسمية، والمستلهمة من فكر سموها، يمثل ركيزة قِيَميّة ودينية ووطنية، عاكسة للدور الكبير الذي تقوم به مؤسسة التعليم فوق الجميع من توفير فرص تعليمية مناسبة للأطفال الذين حُرموا من التعليم في أوطانهم لأسباب مختلفة، منها الحروب والنزاعات، وليجدوا في قطر الملاذ الآمن الذي يحقق لهم ما كانوا يتمنوه في بلدانهم، فدرسوا، ونجحوا، وتفوقوا، ودخلوا الجامعات بمنحة « الفاخورة» التي هي جزء من المؤسسة، وحافظوا على إرثهم الثقافي، وهويتهم الوطنية، متوازين تماماً مع أقرانهم في مدارس وجامعات دولة قطر.
أختم فأقول: إن ما تحقق من خلال هذه المدارس استند إلى فكر مُلهم من القيادة العليا لمؤسسة التعليم فوق الجميع والتي رسمت ملامح الطريق لتحقق الهدف المنشود منها وهو العدالة والاستدامة والاستثمار في تعليم الطلاب.
إن خير هدية تُقدم اليوم بمناسبة اليوم الدولي للتعليم؛ هو تقديم تعليم نوعي لكل الطلاب، لأنه يحقق الغايات، ويصل بالمُتعلم إلى مبتغاه، ويحد من الفقر، ويساوي بين فئات المجتمع، ويعزز التنمية المستدامة، ويبني المجتمعات.
كل الشكر للشركاء مع مؤسسة التعليم فوق الجميع، وزارة التربية والتعليم العالي، ووزارة الأوقاف، والمؤسسات الخيرية منها قطر الخيرية، ومؤسسة عفيف، وصندوق دعم الأنشطة الاجتماعية والرياضية، وغيرها من القطاع الخاص.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15159
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1629
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
834
| 10 فبراير 2026