رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو أن هذه الحكمة التي أشار إليها الكاتب مصطفى حايد هي إحدى مرتكزات السياسة الخارجية القطرية لأن الموقف القطري يحدده فهم الآليات النفسية التي تقود إلى العنف الاجتماعي الذي هو ليس ترفا فكريا بل هو خطوة أساسية نحو تفكيكها ومقاومتها وبدلا من أن نكون ضحايا سلبيين لهذه العمليات يمكننا الاختيار أن نكون فاعلين ومؤثرين في كسرها. هل لاحظتم موقف قطر من تصعيد حرب الإبادة وهي كوسيط تسجل عدم تفاعل المحتلين مع حلول مقترحة من قبل الوسطاء ولذلك لا تستبعد الانسحاب من هذه الوساطة. وإذا أردنا تحليلا صحيحا مثلا للزيارة الموفقة التي أداها حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى إلى موسكو فنحن ندرك أن غاية السياسة الخارجية الذكية القطرية هي الحرص على توازن الشركاء وتعادل الحلفاء بين القوى العظمى التي تتصارع وتتقاسم النفوذ والمكاسب وثروات العالم فيما بينها. وهل يفيد إنكار هذا المعطى الأساسي في مجال العلاقات الدولية الراهنة والاستعاضة عن الواقع رغم مرارته بأحلام وهمية وبطولات جوفاء قد تعود علينا نحن العرب والمسلمين بالوبال والخيبات ومزيد الهزائم؟!
بهذا التفكيك العميق لحقائق العلاقات الدولية نفهم الوساطة القطرية بين المحتلين مغتصبي الأرض وحماس التي تدافع عن أرضها ومستقبل شبابها.
وأورد هنا رأيا يندرج في نفس السياق كتبه المدون التونسي حميد الغربي يقول فيه: «الاستهانة بحقوق الشعوب لا تصنع سلاما بل تراكم الغضب وتمهد لانفجارات لا تحمد عقباها. فحين يصبح الظلم قانونا يعوض القانون الدولي كما جاء في ميثاق الأمم المتحدة علينا أن نرفضه مع إدراكنا بأننا لا نريد عالما خاليا من الظلم فالظلم داء قديم وجرح يسكن الأرض منذ أن قتل قابيل هابيل لكن المصيبة أن يصبح للظلم أنصار وأن يتحول الجلاد إلى بطل والضحية إلى متهم.
* إن العدالة لم تعد عمياء بل مكممة مقيدة مختطفة من قبل كائن يصرخ في وجه الزمن بأنه هو القانون وأن من يعارضه خائن وأن الوطنية حكر على عيونه التي لا ترى وأذنيه التي لا تسمع ولسانه الذي يقطر حقدا. وكم من ضحية فلسطينية أخرى بعد عشرات الآلاف من الأبرياء ونصفهم من الأطفال على أيدي (ناتنياهو) المطلوب من محكمة الجنايات الدولية ليدرك الأحرار أن الوقت حان لمقاومة القهر والإبادة بالطرق العقلانية؟ وكم من مرة سنشرب القهر كالماء ونعض على الغصة كالرغيف؟ توزع المظالم كما توزع القبائل الطبول والمزامير يوم العيد. ومن يحلم يدفن حيا ومن يقول «لا» رافضا تعويض القانون الدولي بقانون الغاب يطرد من جغرافيا الوطن ومن يطالب بالحرية يتهم بالخيانة وتصبح القوانين لا تحمي الحقوق بل تدوسها وتصبح محاكمهم لا توزع «عدالتهم» بل تبيعها. حيث إن السكوت ليس حيادا بل جريمة.. بل خيانة. لن يتوقف الظالم لأنه لم يجد من يوقفه ولن يتراجع لأنه وجد في عبيده تصفيقا لكل صفعة.. هو لا يفهم معنى الوطن لأنه ليس من هذا الوطن.. وفي نفس سياق انعدام المنطق واستفحال الفوضى الاقتصادية والمالية وفي ظل الحرب الجمركية التي يشنها الرئيس (دونالد ترامب) يبقى السؤال الأكثر تداولا: هل سيصمد الدولار ويحافظ على مكانته المركزية في الاقتصاد العالمي؟
وفي حال أرادت الدول التخلي عن «الأخضر» فهل من بدائل؟ وكما نعلم فالدولار يترنح على وقع الحرب الجمركية التي يشنها الرئيس (دونالد ترامب) غير أنه لا يزال في الوقت الراهن يحافظ على موقعه كعملة لا غنى عنها في المبادلات التجارية والاحتياطات العالمية. لكن لكم من الوقت؟ فالعملة الخضراء التي تستمد قوتها من النفوذ الاقتصادي والسياسي للولايات المتحدة تظل الوسيلة الأوسع انتشارا للتحوط في أوقات الأزمات أو النزاعات لكن يمكن أن تفقد قيمتها مع تحول القوة والنفوذ من الولايات المتحدة إلى الصين مثلا وهي التي تملك اليوم عام 2025 أكبر مخزون من الدولارات بل أكثر مما هو موجود في الخزينة الفيدرالية الأمريكية!!!
ولعل العملاق الروسي الذي ظل نائما إلى اليوم شرع يستيقظ من سباته بعد أن أيقظته حربه مع أوروبا القارة العجوز المتهالكة عبر الضحية أوكرانيا!!
* هذه روسيا التي يزورها حضرة صاحب السمو أمير قطر، حفظه الله، وتتضمن مذكرة تفاهم بين جهاز قطر للاستثمار وصندوق الاستثمار الروسي: دفع التعاون مع روسيا إلى مجالات أرحب حيث تم توقيع اتفاقية و3 مذكرات تفاهم لبحث سبل تعزيز العلاقـــات وكذلك دعم الـتـعـاون والاسـتـثـمـار فـي عـدد مـن الـقـطـاعـات الحيوية لا سـيـمـا فـي مـجالات الـطـاقـة والاسـتـثـمـار والـثـقـافـة والـصـحـة بالإضافة إلى مناقشة أبرز القضايا الإقليمية والدولية التي تهم البلدين خاصة تـطـورات الأوضـاع في قطاع غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة وسوريا ولبنان وذلك في حفل رسمي بقصر الكرملين والذي استهله فخامة الرئيس بالترحيب بسمو الأمير، مشيرا إلى تطور العلاقات بين البلدين ومنوها بزيارة سمو الأمير وما تجسده من عمق علاقات الصداقة والتعاون بينهما واصـفـا قطر بكونها مـن أهـم الـشـركـاء لـبلاده في الشرق الأوسـط. كما أعـرب فخامته عن تطلعه إلى تطوير هذه العلاقات لتشمل كافة مجالات الشراكة بما يحقق مصالح وطموحات الشعبين الروسي والقطري. وأصر سمو الأمير على إدراج قضيتنا المركزية الفلسطينية ضمن المحادثات وتضمينها في البيان الختامي للزيارة بما يمكن الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة وذات السيادة في حدود 1967وعاصمتها القدس الشرقية.
* إنه لمن دواعي الاعتزاز أن تشق دولة قطر طريقها بين الأعاصير التي تعصف بالعالم وتفرض موقفها المشرف الجريء في الوساطات والمحافل الدولية دون أن تتنازل عن القيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية التي تؤمن بها وتتخذها مرجعا لعلاقاتها الخارجية وسياساتها العقلانية بتوجيه حكيم من حضرة صاحب السمو أميرها وقائد مسيرتها، حفظه الله ورعاه، وهو ما يفسر مصداقية قطر وثقة الدول فيها. ولو تأملنا فقط نجاح الجزيرة بقنواتها العديدة في كشف جرائم الإبادة وكيف استطاعت الجزيرة بلغاتها العالمية المعروفة وبـ 450 مليون مشاهد يوميا أن تصنع رأيا عاما عالميا ضاغطا على الحكومات وفاعلا في توجيه المواقف الدولية والأممية تجاه قضية شعب فلسطين...!
حنين «مُعلّب».. هل نشتري تراثنا أم نعيشه؟
تجول في ممرات أسواقنا الشعبية المجددة، أو زُر تلك «القرى التراثية» التي شيدناها مؤخراً. المشهد ساحر بلا شك.... اقرأ المزيد
30
| 14 يناير 2026
على لسان كل مقيم: شكراً قطر
لم أكن أتوقع أن أجد هذا الزميل بهذه السعادة كما وجدته بالأمس والجميع حوله لاحظ أنه يبدو سعيدا... اقرأ المزيد
30
| 14 يناير 2026
قطر والوساطة الوقائية
في علم الإدارة، لا تُقاس كفاءة القائد بقدرته على إطفاء الحرائق بعد اشتعالها، بل بقدرته على منعها من... اقرأ المزيد
30
| 14 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1287
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1122
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
1038
| 07 يناير 2026