رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أمل عبدالملك

Amalabdulmalik333@gmail.com
@amalabdulmalik

مساحة إعلانية

مقالات

0

أمل عبدالملك

بين البر والعقوق

25 يوليو 2026 , 11:18م

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتبدل فيه القيم لدى بعض الناس، باتت الأخبار تحمل بين الحين والآخر قصصًا صادمة عن أبناء تجردوا من إنسانيتهم، فاعتدوا على آبائهم أو أمهاتهم، بل وصل الأمر في بعض الحالات إلى قتلهم طمعًا في المال، أو تحت تأثير المخدرات، أو نتيجة الغضب والانحراف الأخلاقي، وهي جرائم لا تهز المجتمع فحسب، بل تطرح سؤالًا مؤلمًا: كيف يمكن لإنسان أن يرفع يده على من كان سببًا في وجوده؟

لقد جعل الإسلام برَّ الوالدين من أعظم القربات إلى الله تعالى، وقرنه بتوحيده، في دلالة واضحة على مكانته العظيمة. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ثم يوصي بأرقى صور الرحمة واللين معهما، فيقول: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۝ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾.

إن تأمل هذه الآيات يكشف أن الإسلام لم يكتفِ بالنهي عن الإساءة إلى الوالدين، بل نهى حتى عن أقل كلمة تضجر، وهي كلمة “أف”، ليؤسس ثقافة الاحترام والتقدير والرحمة داخل الأسرة.

وفي السنة النبوية، تتجلى المكانة الرفيعة للوالدين في أحاديث كثيرة، منها قول النبي ﷺ عندما سُئل عن أحب الأعمال إلى الله: «الصلاة على وقتها»، قيل: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين». كما قال ﷺ: «رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة».

إن رضا الوالدين ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل هو باب واسع من أبواب التوفيق والبركة، فقد قال رسول الله ﷺ: «رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد»، فما أكثر من فُتحت له أبواب الرزق، ويسرت أموره، وحُفظ من المصائب، بسبب دعوة صادقة من أم أو أب، وما أكثر من تعثر في حياته بسبب عقوقه وجحوده.

وفي المقابل، فإن العقوق من أكبر الكبائر، وقد قرنه النبي ﷺ بالشرك بالله، لما فيه من جحود للجميل واعتداء على من بذلا العمر والجهد والتضحية في سبيل الأبناء، والمؤلم أن بعض الجرائم التي نشاهدها اليوم تعكس انهيارًا في منظومة القيم، حيث يطغى حب المال، أو يفقد الإنسان وعيه بسبب المخدرات، فيتحول من ابن بار إلى قاتل لوالديه، في مشهد يناقض الفطرة السليمة قبل أن يناقض تعاليم الدين.

إن مسؤولية غرس بر الوالدين تبدأ من الأسرة، وتتشارك فيها المدرسة، والمسجد، ووسائل الإعلام، وكل مؤسسات المجتمع، فتعليم الأبناء أن الوالدين نعمة لا تعوض، وأن خدمتهما شرف وليست عبئًا، هو استثمار في بناء مجتمع متماسك تسوده الرحمة والوفاء.

ولعل أجمل ما يقدمه الإنسان لوالديه في حياتهما هو البر والإحسان، وبعد وفاتهما الدعاء والصدقة الجارية وصلة رحمهما، وفاءً لجميلهما الذي لا يمكن أن يوفى مهما طال العمر.

إن بر الوالدين ليس واجبًا شرعيًا فحسب، بل هو طريق إلى رضا الله، ومفتاح للسعادة في الدنيا، وجسر إلى الجنة في الآخرة، وفي زمن كثرت فيه صور العقوق، يبقى الأب والأم أعظم نعمة بعد الإيمان، ومن عرف قدرهما، عرف أن الجنة تبدأ من دعائهما ورضاهما.

اللهم ارحم والدي وكل الآباء والأمهات الذين فارقوا الحياة واكتب لهم المغفرة وأجمعنا معهم في جنات النعيم.

مساحة إعلانية