رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سليمان صالح

مساحة إعلانية

مقالات

252

د. سليمان صالح

كيف نستخدم الأدب في إعداد قيادات المستقبل؟

25 أغسطس 2024 , 02:00ص

تحتاج الأمة إلى طرح أسئلة جديدة تسهم الإجابة عنها في بناء المستقبل، لذلك يجب أن يطلق العلماء خيالهم لتطوير علوم جديدة، ومواجهة التحديات، وإعداد أجيال جديدة تستطيع أن تغير الواقع وتحقق المجد والانتصارات.

ومن أهم تلك الأسئلة كيف يمكن أن يسهم الأدباء في إعداد القادة عن طريق رواية قصص الأبطال، الذين تمكنوا من مواجهة التحديات.. وقد بدأت بعض الجامعات في استخدام القصص في برامجها لإعداد القادة؛ حيث لاحظ جوزيف باداراكو أستاذ إدارة الأعمال بجامعة هارفارد أن طلابه يحتاجون إلى فهم الطبيعة الإنسانية، لذلك بدأ يستخدم القصص في تحفيز الطلاب على التفكير، وتطوير أحكامهم الأخلاقية.

وعلى النهج نفسه سار أساتذة آخرون في استخدام القصص لتوضيح مميزات القيادة ووظيفتها، وإثارة خيالهم لبناء رؤية جديدة؛ فقراءة الأدب يجب أن لا تكون بهدف التسلية، لكنها يمكن أن تطور عملية إعداد القيادات.

لكن الغرق في الواقعية خلال القرن العشرين جعل معظم الإنتاج الأدبي يركز على وصف الواقع، ويصور خضوع أبطال القصص واستسلامهم وضعفهم وعجزهم وانهيار ثقتهم في أنفسهم.. وهذه القصص يمكن أن تكون مسلية، وتعبر عن مشاعر الكثير من الناس الذين يواجهون الواقع بعجز، ويخافون من المقاومة التي يمكن أن تحمل الكثير من المخاطر.

وهذا يمكن أن يفسر لنا قلة المؤهلين للقيادة في العالم العربي، فلم يكن هناك ما يشجع على التقدم للقيادة، فالشخص العادي يؤثر السلامة والانزواء والبحث عن تحقيق مصالحه الذاتية الدنيا التي تدور حول الحصول على حاجاته المادية دون التطلع إلى تحقيق الذات، والدفاع عن القيم والمبادئ.

وهناك الكثير من القصص التي بالغت في تصوير النجاح بالمقاييس المادية الغربية، وصورت النهايات الحزينة لأولئك الذين يتمسكون بالمبادئ والقيم، ويدافعون عن حقوق شعوبهم وآمالها في الحرية والاستقلال، ولم تستطع تلك القصص إثارة خيال الشباب ليصبحوا أبطالا، فالبطولة يمكن أن تؤدي إلى دفع ثمن لا يستطيعه الإنسان العادي.

لذلك تحتاج الأمة إلى أدب جديد يرفض الاستسلام للواقعية، ويحرك أشواق الناس للتغيير الذي يمكن أن يحقق التقدم والحرية والاستقلال.

هذا الأدب الجديد يمكن أن يسهم في إعداد القادة عن طريق رواية قصص الأبطال، والتاريخ الإسلامي يقدم لنا الكثير من النماذج التي تثير الخيال، ويسهم تصوير حياتها في إعداد قادة المستقبل.

من أهم ما يميز أبطال التاريخ الإسلامي تمسكهم بالمبادئ والدفاع عنها، والتضحية بالمال والنفس دفاعا عن الدين والحق والعدل، وأنهم قادوا عملية تغيير للواقع، وبنوا حضارة عظيمة.

إن قصص هؤلاء القادة تلهم الشباب، وتطلق خيالهم، وتشحذ عزائمهم للقيام بأعمال عظيمة، ويمكن أن يقدم لنا أبطال المقاومة الإسلامية الفلسطينية مثالا واضحا على أهمية قصص الأبطال لإطلاق الخيال، وبناء رؤية لتغيير الواقع، فشباب فلسطين تمت تربيتهم على قصص أبطال الإسلام؛ لذلك لم يخضعوا للواقع، وخططوا لتغييره، وقرروا تحرير فلسطين.

على سبيل المثال ألهمت قصة الشيخ عز الدين القسام الذي واجه الاحتلال بما يملكه من سلاح بسيط، مرددا شعاره «إنه لجهاد نصر أو استشهاد» الكثير من الشباب، وأسهمت قصته في تحويل الكثير منهم إلى قادة لكفاح شعبهم، يضحون بأنفسهم من أجل تحرير فلسطين.

وهذا يثير سؤالا: ماذا لو شجعت الأمة الأدباء ليكتبوا قصص الآلاف من أبطال الإسلام، ويصوروا مشاعرهم وأهدافهم ورؤيتهم للحياة، وماذا لو تم نشر هذه القصص لتشكل أهداف الشباب، وتعيد صياغة حياتهم لتحولهم إلى قادة يحلمون بالحرية، ويعملون لتغيير الواقع.

إن ذلك يمكن أن يشكل نهضة أدبية عربية جديدة، ويسهم في إصلاح النظم التعليمية، بحيث يكون هدفها إعداد القادة الذين يبنون المستقبل، ويقدمون أفكارا جديدة، تواجه بها الأمة التحديات.

من المؤكد أن الاستعمار كان يدرك خطورة هذا الاتجاه.. لذلك استخدم الأدباء المتغربين للتركيز على الواقعية، والمبالغة في تصوير الضعف الإنساني الذي يدفع للعجز والخنوع والخضوع والاستسلام، كما شجعت النظم الاستبدادية هؤلاء الكتاب بتوفير أسباب الشهرة لهم.

لكن لكي تبني الأمة مستقبلها وتحقق الانتصارات يجب أن تشجع الأدباء الذين يقدمون لها قصصا أبطالها الذين غيروا الواقع وبنوا الحضارة، ودافعوا عن المبادئ، وصاغوا رؤيتهم التي استمدوها من الإسلام دين الحق والتوحيد والحرية والعدل.

مساحة إعلانية