رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبد الله النعمة

مساحة إعلانية

مقالات

432

د. عبد الله النعمة

قراءة في فقيد المعنى

15 يوليو 2026 , 02:30ص

المعنى بلا مبنى شعارٌ يتبخّر، والمبنى بلا معنى جدارٌ أجوف. والسؤال الذي يُسأل عن كل بانٍ ليس: كم بنى؟ بل: ماذا أودع فيما بنى؟ ورحل عنا اليوم رجلٌ لا تُقرأ سيرته إلا بهذا الميزان.

لم تكن قطر في مطلع التسعينيات إلا جغرافيا صغيرة على حافة خليج، لا تكاد تُرى على الخريطة إلا بجهد. فجاء البناء متلاحقًا: الغاز، والصوت، والمدرسة، والملعب. لكن الذي ينظر إلى هذه المباني بوصفها منشآت، لم يرَ منها شيئًا.

الغاز ليس ثروة، بل هو قدرةٌ على أن تقول "لا" فتُسمَع. والجزيرة ليست قناة، بل هي صوتٌ في أمّة أُلجمت. والمدينة التعليمية ليست حرمًا جامعيًا، بل هي إعلانٌ بأن الأمّة تُستأنَف من العقل لا من الريع. والملاعب ليست إسمنتًا، بل هي أن يأتي العالم إلينا مرة، بعد أن ألِفنا الذهاب إليه دائمًا.

جغرافيا ضيقة، ومعنى لا تسعه الجغرافيا. هذه هي المعادلة التي أتقنها الرجل: أن يبني المبنى الصغير، ثم يودعه معنى أكبر منه بكثير.

في يناير من عام 2009، وغزة تحترق، دعا إلى قمة عربية طارئة، وقال إن ما يجري جريمة حرب تحتّم على العرب أن يتحركوا. فماذا كان؟ لم يكتمل النصاب حتى تنعقد القمة. فخرجت كلمة من فمه: "إن هذه القمة ما إن يكتمل نصابُها حتى يَنقُص، حسبنا الله ونعم الوكيل".. قصيرة.. بسيطة.. لكنها عميقة.. ومؤلمة.

قطع، طيب الذكر رحمه الله تعالى، جدوله وسافر إلى القاهرة في زيارة خاصة لا رسمية، ليقدّم واجب العزاء في بيت معلّمه. ولم يسبقه إلى هذا زعيم. نعم رسم معلمُه بيده أول عملة للدولة، وخطّ أول طابع بريد لها. لكن المعنى الأكبر هو الوفاء.

في الخامس والعشرين من يونيو 2013، وفي إقليم لا تنتقل فيه السلطة إلا من فوق سرير أو من تحت دبابة، خرج منه رجلٌ حيّ، صحيح، قادر، في ذروة تمكّنه. وقال في خطابه ما هو أثقل من الخروج نفسه: والله يعلم أني ما أردت السلطة غاية في ذاتها، ولا سعيت إليها من دوافع شخصية.

"غاية في ذاتها". هذه هي الجملة التي تختصر عمر الرجل. من جعل المبنى غاية في ذاته فقد أفرغه من معناه، فصار الكرسي وثنًا يُعبد لا أداةً تُستعمل. ومن أدرك أن المبنى وسيلة، استطاع أن يتركه دون أن ينقص منه شيء.

ثم غزة مرة أخرى.. أرضُ الرجال هُدم فيها كل حجر، فلم يبقَ فيها إلا المعنى عاريًا. جفاها القريب قبل البعيد، ووقف القادرون خلف الأسوار، ولم يدخلها أحد. وفي الثالث والعشرين من أكتوبر 2012، دخلها هو، أول زعيم عربي يكسر حصارها رسميًا، ومعه زوجه ووفده، لا حماية له إلا ما آمن به. القمم تحتاج نصابًا. وأما المواقف فلا نصاب لها. يقولون إنه ترك إرثًا عظيمًا. وأنا أقول: ترك ما هو أثقل من الإرث. ترك سابقةً. الإرث يُورَّث فيُستهلك، وأما السابقة فتبقى شاهدةً على الجميع، "كان الأول".

كان بسيطًا. لا بمعنى السذاجة، بل بمعنى أن المسافة بين ما يعتقده وما يفعله كانت معدومة. وأكثر القادة يملؤون تلك المسافة بالتبرير والتوازن والدهاء. وهو اختصرها حتى انعدمت. ولهذا خرجت منه "حسبنا الله ونعم الوكيل"، الرجل السياسي يُعدّ عبارته، والرجل البسيط تفلت منه حقيقته.

والوجدان العربي اليوم ليس متعطشًا إلى قائد أذكى. إنما هو متعطش إلى رجل يفعل ما يقول. ولذلك حين مات، لم تبكِ الملايين إنجازاته، بل بكت اتساقه. الإنجاز يُعجب، والاتساق يُبكي.

اقرأ المزيد

أين تكمن المسؤولية في صناعة الأثر؟ أين تكمن المسؤولية في صناعة الأثر؟

يُجمع كثيرون على أهمية التدريب، وتستثمر المؤسسات سنويًا ميزانيات كبيرة في تطوير كوادرها، لكن يبقى السؤال الذي يفرض... اقرأ المزيد

51

| 27 يوليو 2026

اللجنة الاستشارية للخبراء اللجنة الاستشارية للخبراء

في كثير من المؤسسات، يُحال الموظف أو المسؤول إلى التقاعد بعد عقود من العطاء وبلوغ السن القانونية، حاملاً... اقرأ المزيد

84

| 27 يوليو 2026

تنسيق مشترك لتعزيز الاستقرار الإقليمي تنسيق مشترك لتعزيز الاستقرار الإقليمي

في إطار دعم دولة قطر الكامل لجميع المساعي الرامية إلى نزع فتيل التوتر، والتوصل إلى اتفاق شامل يحقق... اقرأ المزيد

66

| 27 يوليو 2026

مساحة إعلانية