رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نواف بن مبارك آل ثاني

رئيس مجلس الوساطة الدولية
 

X (Twitter): @NawafAlThani
Instagram: @NawafAlThani

مساحة إعلانية

مقالات

180

نواف بن مبارك آل ثاني

السلام بعد التوقيع.. من الدوحة إلى الميدان

25 أغسطس 2026 , 11:16م

لم يكن أهم ما جرى هذا الأسبوع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية توقيع اتفاق جديد، ولا مصافحة أخرى أمام الكاميرات. كان الحدث أقل صخباً، لكنه أبعد أثراً. فقد وصلت إلى منطقة مينمبوي أول بعثة ميدانية لمراقبة وقف إطلاق النار بين الحكومة الكونغولية وتحالف نهر الكونغو وحركة «إم 23»، في إطار المسار الذي رعته الدوحة. وهكذا غادر الاتفاق قاعة التفاوض، ودخل للمرة الأولى جغرافيا النزاع.

تبدو المسافة بين الدوحة وشرق الكونغو بعيدة، غير أنها أقصر من المسافة التي تفصل عادة بين إعلان السلام وصناعته. فالتوقيع قد ينهي جولة من التفاوض، لكنه لا ينهي بالضرورة جولة من القتال. وبين النية والتنفيذ تتراكم التفاصيل التي انهارت عندها اتفاقات كثيرة، لا لأن أطرافها رفضت السلام علناً، وإنما لأنها اختلفت على معنى الالتزام، وعلى تحديد الخرق، وعلى الجهة التي تملك إثباته.

والصراع في شرق الكونغو ليس طارئاً يمكن احتواؤه بتسوية عابرة. إنه حصيلة عقود من الانقسامات، وتداخل الحدود، وتنافس القوى المحلية والإقليمية، والصراع على الثروة المعدنية، فضلاً عن ذاكرة مثقلة بالعنف والنزوح. وفي نزاع بهذه الطبقات، لا تكفي براعة الصياغة. فالوثيقة تحدد ما ينبغي فعله، لكنها تحتاج إلى عين ترى ما يجري، وآلية تسجل الخروق، وسياج يمنع الحادث المحدود من أن يتحول إلى ذريعة لحرب جديدة.

هنا تكتسب بعثة المراقبة معناها السياسي. فهي ليست ملحقاً فنياً بالاتفاق، وإنما أداته العملية. وجود ممثلين عن الأطراف ومراقبين إقليميين، واعتماد منهج موحد لتلقي ادعاءات الخروق والتحقق منها، يهيئ مرجعاً مشتركاً للوقائع. ففي الحروب الطويلة لا يقتصر الخلاف على الحل، بل يمتد إلى تعريف ما حدث أصلاً. وحين تغيب الحقيقة المشتركة، تتحول كل رواية إلى سلاح آخر.

ثم إن المراقبة تمنح الأطراف مورداً بالغ الأهمية هو الوقت. فبدلاً من أن تفرض كل حادثة رداً فورياً، تتيح آلية التحقيق مجالاً للتثبت والاتصال والتراجع عن التصعيد. وفي بيئة يسودها الشك، يصبح إبطاء رد الفعل إنجازاً في ذاته، لأن حروباً كثيرة لم تبدأ بقرار محسوب، بل بسلسلة اتهامات لم تجد مرجعاً يفصل بينها.

ولا تكمن أهمية المسار الذي رعته قطر في جمع الخصوم حول طاولة واحدة فحسب، وإنما في انتقاله من التوافق العام إلى إجراءات قابلة للقياس، من مراقبة وقف النار إلى معالجة ملف المحتجزين، ومن إعلان المبادئ إلى خريطة طريق للتنفيذ. عند هذه النقطة تخرج الوساطة من حدود المناسبة الدبلوماسية، وتصبح مسؤولية مستمرة بعد انفضاض الاجتماعات ومغادرة الكاميرات.

ومع ذلك، لا ينبغي تحميل البعثة أكثر مما تحتمل. وصولها لا يعني أن السلام قد تحقق، فالقتال لم يختف، والمصالح الخارجية لم تتراجع، وملايين المدنيين لا يزالون يدفعون ثمن صراع لم يصنعوه. تستطيع المراقبة توثيق الخرق، لكنها لا تستطيع منع من عقد العزم على خرق الاتفاق. وتستطيع الوساطة فتح الطريق، لكنها لا تستطيع السير فيه نيابة عن أطرافه.

ذلك هو الحد الفاصل بين دور الوسيط ومسؤولية المتفاوضين. فالوسيط يهيئ مساحة ممكنة للسلام، ويقلل فرص سوء الفهم، ويبني أدوات للمساءلة، لكنه لا يمنح الإرادة السياسية لمن يفتقدها. ومن ثم، لا يُقاس نجاح الوساطة بعدد الاتفاقات الموقعة، وإنما بقدرة تلك الاتفاقات على احتواء الأزمات حين تتعرض لاختبارها الأول.

الرأي الأخير

ما جرى في شرق الكونغو خطوة محدودة في نزاع كبير، لكنه يعيد التذكير بحقيقة تضيع كثيراً وسط مراسم التوقيع. الاتفاق يُكتب في قاعة، أما السلام فلا يثبت إلا حين يصمد خارجها.

”الاتفاق وعد، والسلام وفاء“

إلى اللقاء في رأي آخر،،،

اقرأ المزيد

وساطة الثقة.. حين تُختبر السمعة وساطة الثقة.. حين تُختبر السمعة

في يوم قائظ من أيام لندن، وكانت بريطانيا تقف على عتبة موجة حر قيل إنها قد تدفع يونيو... اقرأ المزيد

369

| 23 يونيو 2026

قيادة سمو الأمير.. وفعالية الوساطة القطرية قيادة سمو الأمير.. وفعالية الوساطة القطرية

في السياسة، كما في التاريخ، لا تظهر قيمة الأدوار الحقيقية في ساعات السكون، وإنما في اللحظات التي تقترب... اقرأ المزيد

657

| 16 يونيو 2026

هدنة فوق المضيق هدنة فوق المضيق

في السياسة الدولية مناطق لا يراها العالم إلا عند الخلل. لا يطيل النظر في تاريخها، ولا في حساسياتها،... اقرأ المزيد

459

| 09 يونيو 2026

مساحة إعلانية