رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خولة البوعينين


Khawla.life@outlook.com
@Khawlalbu3inain

مساحة إعلانية

مقالات

423

خولة البوعينين

اتساقات الحياة!

25 نوفمبر 2025 , 03:57ص

ثمّة لحظات يقف فيها الإنسان أمام مرآة روحه الداخلية، يزن فيها ما يليق بها وما ينبغي أن تبعده عن تخومها. 

في تلك اللحظات الثمينة، يشفّ المعنى الكامن خلف دعوى أن يتخيّر المرء لنفسه ما يليق بها، كإشارة من البواطن تدله على إدراك أن مساراته تُبنى بما يختاره هو لها، وأن انتقاء الطريق ليس إلا أدق صورة من صور الوفاء للذات !

ولذلك من الأجدر أن يعي المرء أن أمامه صورا شتى من الاتساقات التي آن له أن يتماهى معها: 

اتساق في انتقاء الصُحبة، فلا يرافق إلا من تسرّه رفقته، فحضور بعض الوجوه ينساب في الداخل كوجود مليء بالسكينة، يفتح فسحات أوسع للنبض، ومساحات أشسع للطمأنينة، بينما وجود أخرى يُطفئ النور ولو كان متلألأً مشعاً، ويضيق بالصدور ولو كانت في رحابتها تحلق، فالرفقة سوى محض نسيج يتشكّل منه المزاج، والمسار، وطريقة النظر للعالم !. 

ومن حُسن شيم الكرام فطنة الانتقاء، فلا يليق بالكريم سوى الإقدام على ما يراه يليق بطموحه، فالأحلام لا تنمو في أراضٍ بور، ولا تتّسع إلا بقدر ما تمنحه الروح من مساحات للتحليق والانطلاق، فبعض القرارات مآلها أجنحة تُشرّع، وأبواب تُفتّح، وبعضها ليس لها من شأن سوى أنها محض تكدير للخاطر، وتضييق للصدر حتى يصبح حرجاً كمن يتصعد في السماء ! 

ويمتد هذا الاتساق إلى الجوار أيضاً، فليس كل قربٍ قرباً، ولا كل ألفة تُشبه الألفة التي تُفتح لها أبواب القلب، ذلك لأنه هناك من يفتح في الداخل نوافذ من نورٍ لا تُغلق، ومن يُشرّع في الروح شبابيك من الإشراق على آفاقٍ لم تُكتشف بعد، ومن يكلّل الدروب بالبهجة وينثر في الطرقات المسّرة، ويترك أثراً رقراقاً لا يغيب.

وكذا الأمر في اتساق الدروب التي يُمضى فيها، فبعض الدروب ترفع صاحبها نحو سموّ متلاحق، وطريق مشرق باذخ، وبعضها يثقل خطواته، ويضيع فيه الاتجاه حتى يفقد المرء من نفسه بريقها ! 

 فما التخيّر هنا إلا قرار منير بأن لا تسير إلا في الطرق التي تشبهك، والتي تتناغم مع نبرة روحك، وحُسن مقصدك، وترف شعورك، وألا تساوم على ذلك إخلاصاً ووفاءً، حباً وكرامة.

*لحظة إدراك: 

هكذا تتشكّل الحياة في نسقها الأرقى: اتساقٌ بين ما نُبقيه وما نُبعده، بين من نسمح لهم بالاقتراب ومن نحفظ عن أرواحنا مسافتهم، بين الدروب التي نُقبل عليها وتلك التي نتركها دون أسفٍ خلفنا. حياة تقوم على انتقاء يعرف قيمته، واختيار يدرك أثره، وسير يليق بالروح التي تُحسن الإصغاء لإكرامها.

مساحة إعلانية