رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد شهد الأسبوعان الماضيان، الكثير من الفعاليات من مؤتمرات عالمية، ومنافسات رياضية، والتجهيز لليوم الوطني ببرامجه المختلفة، مما جعلنا نتعايش مع دولة حية نشطة في حركة دائمة. والعجيب أن تلك الفترة مرت وكأنها لحظات يسيرة من عمر الزمن.. وفي خضم الانشغال الشديد بهذه الفعاليات غاب عن ذهني إرسال مقالة الأسبوع الماضي لجريدة الشرق.. وعليه فإنني أتقدم للقارئ العزيز بالاعتذار الشديد عما حصل، وفي نفس الوقت الاعتذار يمتد ليشمل القائمين على جريدة الشرق الذين كانوا ينتظرون المقالة لوقت متأخر.. وللكل أقول إنني آسف أشد الأسف.
وفي الحقيقة لقد عشنا فرحة كبيرة في اليوم الوطني وشاركنا فرحتنا في هذا اليوم جميع الشعوب الحرة من الوطن العربي وبصورة خاصة أهل الخليج الطيبون وبصورة أخص أهل الإمارات "الغاليين". وبهذه المناسبة نرفع أسمى آيات التهنئة والتبريك لصاحب السمو أميرنا المفدى وولي عهده الأمين وللشعب القطري الكريم.
إنني أعلم، كما يعلم غيري، أن هناك جنوداً من وراء الكواليس، عملوا جاهدين في الأسبوعين الماضيين لنحصد هذا الخير في أروع أشكاله ولهؤلاء نقول لهم شكراً جزيلاً وشكراً خاصاً لأخي العزيز سعادة الشيخ سعود بن عبدالرحمن آل ثاني رئيس اللجنة العليا المنظمة لدورة الألعاب العربية، الأمين العام للجنة الأولمبية القطرية على الجهود الجبارة التي بذلها وسخرها لإنجاح الافتتاح والمنافسات لهذا المهرجان الرياضي. والشكر الخاص موصول أيضاً لأخي سعادة الشيخ عبدالله بن ناصر آل ثاني وزير الدولة للشؤون الداخلية على حسن المتابعة وروعة التنظيم لكل تحركات الجهات الأمنية التي حفظت النظام العام وسهلت الانسيابية المرورية بأروع أشكالها.
ولكن وضمن هذه الأحداث الجميلة والرائعة نجد أن هناك بعض الأحداث قد عكرت المزاج ومن أهمها ما رأيته شخصياً من أحد أفراد قوة الأمن الداخلي (لخويا) الذي كان يصرخ على أحد الشياب (كبير في السن) ويتوعده قائلاً بصوت يسمع على مسافة كيلومتر: أنت أصمخ ما تفهم.. قلت لك قرب السيارة جنب الخط وإلا سوف.. (لم أسمع ما هو التهديد الذي يرغب في تطبيقه على الشيبة) والشيبة مسكين منحرج من ركاب السيارات اللي جنبه واللي خلفه. فما كان من الشيبة إلا أنه تحرك مطأطئ الرأس مسافة 30 سنتمترا ليصل إلى جنب الخط المطلوب (يا للعجب.. كل ذلك من أجل 30 سنتمترا). إنه لمن المؤسف، في هذه الأيام السعيدة، وجود مثل هؤلاء الأفراد الذين لا يحترمون كبار السن في مجتمع يدين بالإسلام. إنني لا ألوم سعادة وزير الدولة ولا ألوم العسكري ولكني ألوم المسؤولين المباشرين الذين يعرفون طباع هذا العسكري ويسمحون له بالاحتكاك بالجمهور، والذين بدورهم يجبرون العسكري بالدوام من الساعة الرابعة فجراً إلى ما بعد صلاة العشاء مما يجعلهم على أعصابهم وقابلين للانفجار، والذين بدورهم لا يلحقون العساكر بدورات تدريبية مناسبة حول كيفية التعامل مع الجمهور.
الملاحظة الثانية وهي إغلاق الشوارع والطرق الرئيسية لبعض المنافسات الرياضية بدون تبليغ الناس مسبقاً. فعلى حد علمي أن جداول المنافسات قد أعدت منذ فترة طويلة وتم تزويد الجهات المعنية بها. ولكن المشكلة الحقيقية هي أن يذهب آلاف الأشخاص لمباشرة أو متابعة أعمالهم ويجدون أن الشارع الراغبين في السير عليه مغلق أمامهم بسبب العدائين أو الدراجين (الذين يركبون الدراجات الهوائية). وأبلغ مثال على ما نقول هو ما حدث صباحاً بتاريخ 19 /12/ 2011 بالشارع الساحلي الرابط بين الدوحة والخور الذي أغلق تماماً، وبدون سابق إنذار، أمام الآلاف ممن يريد الذهاب إلى الخور أو الذخيرة أو رأس لفان أو الشمال. إن دولة قطر، كما أعرف، هي دولة نظام وقانون وهما يفرضان احترام كل فرد على هذه الأرض، وهذا الأسلوب، حسبما أرى، ليس فيه احترام.
الملاحظة الثالثة وهي الفوضى الكبيرة التي خلقها الشباب والشابات من جميع الجنسيات في اليوم الوطني (انظر موقع يو تيوب على الإنترنت). إننا لا نقول للشباب لا تفرحوا بل على العكس افرحوا وانبسطوا وتونسوا ولكن بالمعقول وليس بضرب القوانين والأعراف والقواعد المجتمعية عرض الحائط. إن أفراد وزارة الداخلية من مرور وفزعة وبالإضافة إلى قوة الأمن الداخلي (لخويا) ما قصروا في أداء مهماتهم. ولكن الشباب، هداهم الله، فهموا أن الاحتفال هو التحفيص والرقص وإغلاق الشوارع والوقوف على السيارات وازعاج الآخرين ومضايقة الأسر (اسمع برنامج صباح الخير يوم 19 /12/ 2011). إننا نطلب من الجهات المسؤولة أن تخصص قطعة أرض للشباب، بعيدة عن الشوارع المهمة والحيوية مثل الكورنيش والدفنة، ليتسنى لهم إبراز المواهب المدفونة وليحتفلوا كيفما شاءوا.
ولي طلب بسيط بسبب ما شاهدته من منافسات بين القبائل والعائلات القطرية، بارك الله فيهم أجمعين، في إقامة عرضات (جمع عرضة) وحيث إن معلوماتي حول القبائل والعائلات القطرية قليلة، وأيضاً لمنفعة الأجيال القادمة حتى يعرفوا من يسكن على أرض قطر الخير من القبائل والعائلات فإنني أقترح على وزارة الثقافة والفنون والتراث أن تقوم بطباعة كتيب لتثقيفنا حول هذه القبائل والعائلات القطرية، من حيث أسمائها، وأصولها، وهجرتها، وإنجازات أفرادها منذ وصولهم لشبه الجزيرة القطرية وما أعدادهم، حيث إنني وجدت بعض المواقع مليئة بالأشخاص والبعض الآخر يزيد عدد أفراد فرقة العرضة على أصحابها.
وفي الختام نسأل العلي القدير أن يجعل قلوبنا مليئة بالسعادة والفرح وأن يجعل بلادنا عامرة بالأمن والأمان وأن يحفظ قيادتنا الرشيدة وأن يحفظ الجميع على هذه الأرض الطيبة
والله من وراء القصد،،
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3432
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3234
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1248
| 01 أكتوبر 2026