رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مرت الكويت في ظروف صعبة قل مثيلها، وما زالت تحتفظ بتقييم مرتفع في الأسواق المالية أي AA- وهذا ما تحسدها عليه أهم الدول الغربية. استطاعت تخطي الظروف، وتبني اليوم نفسها من جديد معتمدة على الإيرادات المالية الكبيرة وتوظيفها بالشكل المناسب. بلغ الناتج المحلي الفردي 37 ألف دولار في سنة 2010 علما بأن عدد السكان يبقى في حدود 3.6 مليون شخص. ترتكز الكويت على ديمقراطية عميقة لم تستقر بعد، وهذا طبيعي في ظروف إقليمية ودولية متقلبة. لا يمكن تأمين استمرار الازدهار الاقتصادي إلا عبر الاستقرار السياسي، وهذا يتطلب مشاركة الجميع بما فيها المرأة في كل السلطات وأهم المراكز التنفيذية الحساسة. الانتقال الهادئ صعب، لكنه لا بد وأن يتحقق في ظل الوعي السياسي والإداري الذي نشهده ونسمع به. لا يمكن لأحد أن يتوقع استمرار الإيرادات النفطية على ما هي عليه اليوم والتي تشكل حوالي %90 من الموازنة كما من الصادرات، وبالتالي يجب التفكير أكثر بتنويع الاقتصاد وهذا ممكن.
لماذا لا تتطور مثلا الصناعة الكويتية أكثر وفي كل المجالات؟ لماذا لا يتم الاعتماد على الصناعات ذات القيمة المضافة الكبيرة لأن تكلفة الإنتاج مرتفعة نسبيا. يمكن للكويت، بالإضافة إلى الاستفادة من الطاقات البشرية الداخلية، استقدام أفضل الطاقات الخارجية بدءا من العربية إلى الأجنبية خاصة أن قسما منها عاطل عن العمل بسبب الأزمة المالية وتقليص الموازنات الغربية. لماذا تنجح سنغافورة مثلا ولا تنجح الكويت؟ لماذا لا يتطور قطاع الخدمات أكثر ليس فقط في المصارف وإنما في الأسواق المالية والخدمات التكنولوجية والمعلوماتية والاجتماعية المعروفة؟ الكويت قادرة وتملك الإمكانات، والمطلوب التركيز على التنويع والتنفيذ.
بلغ النمو الاقتصادي الكويتي سنويا حوالي 5% في فترة 2006 \\ 2010 باستثناء سنة 2009 حيث انحدر الاقتصاد بالنسبة نفسها. بسبب الأزمة المالية الغربية، انحدر سعر برميل النفط من حوالي 94 دولارا في سنة 2008 إلى 58 دولارا في سنة 2009 مما سبب انخفاض الإيرادات من 82 مليار دولار إلى 47 مليارا خلال سنة. ما زال الإنتاج النفطي في حدود 2.6 مليون برميل في اليوم، وهذا على ما يظهر يصعب تخطيه في القريب المنظور. بفضل الإيرادات النفطية الكبيرة، يتحقق فائض في الحسابات الوطنية بلغ 32% من الناتج في سنة 2006 و%40 في سنة 2007 ونسب محترمة جدا في السنوات التي تلت. إذا استثنينا الإيرادات النفطية، تتحول الحسابات إلى عاجزة بشكل مقلق مما يشير إلى خطورة الاتكال على النفط على المدى الطويل وضرورة التنويع. في ميزان الحساب الجاري، هنالك فائض سنوي كبير بلغ 45 مليار دولار في سنة 2006 و60 مليارا في سنة 2008 ويبقى في حدود عالية مقبولة في السنوات التي تلت. إن تراكم هذه الأموال من سنة إلى أخرى، يعطي الكويت قدرات هائلة للتحكم بمستقبلها وتنويع اقتصادها مما يخدم أجيال المستقبل. لا شك أن الوضعين الاقتصادي والمالي الحاليين للكويت يطمئنان الداخل كما الخارج.
ما هي الإجراءات التي قامت بها الكويت لمواجهة التحديات الخارجية أي النابعة خاصة من الأزمة المالية الغربية؟
أولا: لمواجهة ركود سنة 2009، زادت الدولة من إنفاقها الجاري وليس الاستثماري معتمدة على النظريات الكينيزية التي تعطي جدوى كبيرة في الظروف الصعبة. من 28% من الناتج في سنة 2007، ارتفع الإنفاق العام إلى 34% في سنة 2009 و38% في سنة 2010. استطاعت معها تخفيض نسبة البطالة من 3.6% في سنة 2009 إلى 2.9% في سنة 2010.
ثانيا: استمر التنبه إلى أوضاع القطاعين المالي خاصة المصرفي في ظل الأزمة التي أطاحت بأفضل وأرقى المصارف العالمية. تشير الأرقام وبسبب تطبيق معايير السلامة إلى زيادة مناعة المصارف من ناحيتي الرسملة والأرباح كما خفت نسبة الديون غير القابلة للتحصيل. أما الإبقاء على سعر الصرف الثابت، فيساهم في طمأنة المواطن بالنسبة إلى نقده وذلك رغم تعديل النظام أي نقل ربطه من الدولار إلى سلة من العملات.
ثالثا: قام المجلس النيابي الكويتي خلال سنة 2008 بالموافقة على برنامج تنمية لأربع سنوات يبلغ 108 مليارات دولار. هدف البرنامج طويل الأمد، إذ يدخل في إطار جعل الكويت مركزا إقليميا ماليا وتجاريا أساسيا قبل سنة 2035. يرتكز البرنامج ليس فقط على التنويع الاقتصادي وإنما على تعزيز أوضاع القطاع الخاص عبر القوانين والحوافز وتسهيل الإجراءات والتمويل بحيث يصبح ركيزة الاقتصاد الوطني. لا شك أن التحدي الأكبر يكمن في القدرة على التنفيذ في ظل الظروف الداخلية والخارجية المعروفة.
رابعا: يهدف البرنامج الرباعي إلى تحسين وتطوير مناخ الاستثمار عبر تعزيز البنية التحتية للاقتصاد بما فيها الطرق والمطار والمستشفيات خاصة التعليم. تهدف الكويت إلى جذب الاستثمارات المباشرة إلى كل قطاعاتها. فالقدرة المحلية على التمويل مهمة جدا لكن التنفيذ النوعي ضمن البرنامج الزمني يجعل من الكويت نموذجا لكل الدول العربية.
تحديات المستقبل مختلفة حتما عن الماضي. هنالك حدود لحجم الثروات النفطية المتوافرة إذ إن الاكتشافات الجديدة قليلة وما هو متوافر اليوم سيستهلك تدريجيا إذا لم تحصل مفاجآت جديدة. تسعى الدول الصناعية أيضا إلى استعمال طاقات جديدة ذات تلوث أقل، فهذا هو الاتجاه الدولي المرتكز على تطوير "الاقتصاد الأخضر". لا يمكن لنا كمجتمع دولي أن نستمر مع التلوث المتكاثر والمضر بالحياة. فحاجات وتقنيات وكفاءات المستقبل ستكون حتما مختلفة عن الماضي، وبالتالي يجب التحضر لها حتى لا نفاجأ بها. من هنا أهمية تعديل برامج التعليم خاصة في المدارس الكويتية والعربية عموما بشكل يتناسب مع التغيرات الآتية في العلوم وتطبيقها ليس فقط في قطاع النفط وإنما في كل القطاعات الإنتاجية. هنالك وعي واضح لأهمية العلوم في عالمنا اليوم، لكن المطلوب التنفيذ في تعديل البرامج المدرسية لتأهيل الأجيال الجديدة وتحضيرها لمواجهة الخصائص الجديدة لأسواق العمل.
رغم الأزمة المالية العالمية، العالم يتغير بخطى كبيرة تربط دوله أكثر فأكثر عبر التجارة والقوانين وأنظمة السلامة والمواصفات كما عبر التبادل السلعي والخدماتي. هنالك ركائز كبرى تفرض على الكويت وغيرها من الخارج من قبل المجموعات الاقتصادية الكبرى. تعودنا في العقود الأخيرة أن يأتي هذا الفرض من الغرب ومن الولايات المتحدة تحديدا. أما المستقبل فسيكون مختلفا، إذ ستتحكم الدول الآسيوية أكثر بالتطورات الاقتصادية الدولية. فالثقل الاقتصادي العالمي ينتقل نحو آسيا خاصة الصين والهند بالإضافة إلى مجموعة شرق آسيا. يجب التحضر لتوازنات اقتصادية ومالية جديدة تسيطر عليها إلى حد كبير الدول الناشئة ذات الثقافة والتاريخ والمصالح المختلفة.
أخيرا، من مصلحة الكويت الموافقة مجددا على مشروع السوق النقدية الخليجية. رغم أن قرار الخروج لم يصدر رسميا، إلا أن تغيير نظام الصرف الثابت يشير إلى ذلك. من الخطأ أخذ التجربة الأوروبية المتعثرة لإلغاء مشروع الوحدة النقدية. هنالك فارق كبير بين الوضعين وهو قدرة دول مجلس التعاون الخليجي على التمويل، وهذا متعذر في أوروبا حتى من قبل ألمانيا. مشكلة أوروبا اليوم هي مالية وبالتالي الوضع الخليجي مختلف جدا. ليس هنالك من وحدة نقدية فضلى في العالم باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية التي تشكل بتاريخها وتركيبتها السكانية وضعا خاصا. إن تحقيق الوحدة النقدية الخليجية لا يفيد فقط الدول الست المعنية، وإنما يحقق أسواقا كبيرة لبقية الدول العربية كما يدعم النمو الإقليمي. المطلوب إذا أن تعدل دولتا عمان والإمارات موقفيهما مما يفيد الجميع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026