رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستكمل اليوم مقالي عن «البؤساء» في غزة الذين لم يكتب روايتهم «فيكتور هوجو».
وبعيدا عن سيرة ومسيرة أبطال المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتهم الشهيد القائد المجاهد أحمد ياسين مؤسس حركة حماس الذي اغتالته يد الإرهاب الإسرائيلي في هجوم صاروخي شنته مروحيات من طراز أباتشي بعد قيامه بأداء صلاة الفجر في مسجد المجمع الإسلامي القريب من منزله في حي صبرا في غزة يوم الإثنين 22 مارس 2004.
وفي سياق حديثي عن المواقف الترامبية، الزئبقية، خرج علينا «ستيفن ويتكوف»، المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط بتصريح يخلو من المنطق قائلاً:
لا يمكننا أن نسمح بأن تحكم غزة منظمة إرهابية وإلا سيكون هناك (7 أكتوبر) كل بضع سنوات.
وينسى أن حماس وصلت إلى حكم القطاع بالانتخابات.
وبعيداً عن منطوقه الخالي من المنطق، أطرح عليه سؤالي المنطقي، وأساله:
لماذا لا تطبقون موقفكم، المناهض للحركات والمنظمات والجماعات والجمعيات والتجمعات التي تصنفونها أنها «إرهابية» على الأحزاب الصهيونية التي تمارس إرهابها على المدنيين الفلسطينيين؟
ولماذا تسمحون لأحزاب التطرف اليهودي، أن تحكم إسرائيل، وتتحكم في مسارات القرار الحكومي الإسرائيلي؟
ومنها على سبيل المثال، حزب «الصهيونية الدينية» الراديكالي المتشدد، والمتشنج، بزعامة الإرهابي «بتسلئيل سموتريتش»، الذي يشغل حالياً منصب وزير المالية في الحكومة الإتلافية؟
وله سجل حافل، في تشجيع الإرهاب الاستيطاني، وتحريض المستوطنين، على قتل الفلسطينيين.
وهو ينكر وجود الشعب الفلسطيني، ويعتبر أنه مجرد اختراع عربي، عمره أقل من مائة عام.
وله سابقة إرهابية، إجرامية، يعاقب عليها القانون الجنائي، تتمثل في دعوته، في شهر مارس 2023 لإحراق ومحو بلدة «حوارة» التابعة لمحافظة نابلس الواقعة شمال الضفة الغربية المحتلة.
وتضمنت تصريحاته، تحريضاً رسمياً خطيراً لارتكاب جريمة حرب، مكتملة الأركان، في إطار خطاب الكراهية، والعداء والعنف والإرهاب، الذي يروجه ضد الفلسطينيين.
وبسبب تصريحاته العدائية، التي طالب فيها الحكومة القيام بذلك الفعل الإرهابي، شهدت البلدة المستهدفة، هجمات غير مسبوقة من المستوطنين، أسفرت عن استشهاد فلسطيني، وإصابة عشرات آخرين، وإحراق عشرات المنازل، وتدمير العديد من السيارات.
وبعيداً عن قضية حوارة وفي سياق الحقارة، التي تنبعث من شخصيته، المليئة بالأحقاد والكراهية، يواصل انتهاكاته المتكررة لحقوق الفلسطينيين، ولا يخفى دعمه للاستيطان غير المشروع في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وهو مستعد للتحالف مع الشيطان، لتحقيق أهدافه الإرهابية، ولهذا تتجسد في تصرفاته وتصريحاته، ومواقفه، شخصية الإرهابي الصهيوني المحترف، واليهودي المنحرف!
ونفس الحال، ينطبق حرفياً على الإرهابي الآخر «ايتمار بن غفير» وزير ما يسمى الأمن القومي، الذي يتولى زعامة حزب «العظمة اليهودية».
وله سوابق، ومن المؤكد ستكون له لواحق، في الإجرام المنظم، والإرهاب الموجه ضد الفلسطينيين.
وما دامت واشنطن، تحارب ما تسميه «الإرهاب الفلسطيني» ولا تعتبره نضالاً مشروعاً ضد الاحتلال، وحقاً أصيلاً لنيل الاستقلال..
ينبغي تطبيق موقفها، على «الإرهاب الإسرائيلي»، ولا تسمح لقياداته، المشاركة في تشكيل الحكومة، لتثبت أن «الإرهاب» في مفهومها له تعريف واحد، وله وجه واحد، وله تصنيف واحد.
وتثبت للعالم المتحضر، أن من يشجع على قتل الأبرياء الفلسطينيين، هو «إرهابي» صهيوني، لا يستحق أن يكون وزيراً في الحكومة الإسرائيلية، ولا شريكاً في الائتلاف الحكومي.
وهذا موقفي، بشأن المسألة الإرهابية، سواء كان المتورط فيها عربياً، أو إسرائيلياً، أو أمريكياً.
وفي سياق ذلك، فإن من يسعى لضم كندا، رغماً عن إرادة شعبها لتصبح الولاية الحادية والخمسين في الولايات المتحدة، ينبغي تصنيفه بأنه إرهابي.
ومن يهدد ويتوعد، بانتزاع قناة «بنما» بالقوة من أصحابها، هو فعلاً يقوم بفعل إرهابي.
ومن يخطط للاستحواذ على «جرين لاند»، والسيطرة على مقدراتها، وفك ارتباطها عن الدنمارك، غصباً عن خشم «كوبنهاجن»، لا يمكن أن يصنع السلام في العالم..
.. ولا يمكن أن يحقق السلام في الشرق الأوسط.
ولا يمكن أن يكون داعية سلام، وتصالح وتصافح وتسامح، بين اليهود والفلسطينيين.
والملاحظ أن الرئيس الأمريكي، يسعى لتقويض النظام العالمي، وتأسيس نظام فوضوي، يقوم على اللانظام، واللاقانون مع غياب العدالة السياسية، وتعزيز النزعة الاستبدادية، وتهشيم القرارات الدولية، وتهميش المنظمة الأممية، لتبقى إسرائيل بلا حساب، وبلا عقاب.
وهو بذلك يريد أن يفرض واقعاً جديداً، في الشرق الأوسط، يحكمه الكيان الصهيوني، ويتحكم في تفاصيله ومفاصله.
وليس هذا فحسب، بل هو يريد تقديم الضفة الغربية المحتلة، على طبق من ذهب، لحكومة التطرف الإسرائيلي، وفي صميمها القدس، وفي داخلها المسجد الأقصى، وكل المقدسات المحيطة بها.
مع ضرورة قيام الأنظمة العربية جميعها، بالتصفيق له، وتقديم فروض الولاء والطاعة لإدارته، والزحف نحوه، من أجل استكمال مشروعه لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
وأقول لصاحب هذا المشروع وهو صاحب مقولة «أمريكا أولاً»، إن مقولتنا الراسخة في عقولنا، النابضة في قلوبنا، الثابتة في ضمائرنا «فلسطين العربية أولاً»، «فلسطين الحرة» دائماً.
وسيبقى التحدي الأكبر وسط المواقف الترامبية المنحازة والمؤيدة لإسرائيل، أن نعمل جميعاً لضمان حقوق الفلسطينيين، في إقامة دولتهم المستقلة.
لكن أخشى ما أخشاه، وسط الأوضاع المأساوية المتفاقمة، والظروف غير الإنسانية المتراكمة، على أهالي غزة، أن يكون العدوان الصهيوني، هو البداية الفعلية والعملية والميدانية، لتنفيذ مخطط، تهجير الفلسطينيين، خارج ديارهم!
وتحديداً إلى الإقليم الانفصالي المسمى «أرض الصومال»، الذي يسمونه «صومالي لاند»، مقابل الاعتراف الأمريكي به، كدولة مستقلة.
وعندما أقول ذلك، لا أنشر الخزعبلات، ولا أروج الشائعات، ولكن أستند على حزمة من المعلومات، والكثير من المؤشرات، التي تشير وفقاً للعديد من القراءات والمتابعات، أنه يتم حالياً الإعداد والتحضير، لتنفيذ هذا المخطط الخطير.
والمعروف أن «صومالي لاند»، أعلنت انفصالها من جانب واحد، عن جمهورية الصومال في 18 مايو 1991، بعد الإطاحة، بنظام الدكتاتور محمد سياد بري، ومنذ ذلك التاريخ، غير معترف بها دولياً، لكنها تواصل فرض حكمها الذاتي الانفصالي في تحدٍ صريح لحكومة مقديشو، المعترف بها دولياً.
والملاحظ أنها تحتفظ بعلاقات إستراتيجية وطيدة مع أثيوبيا، وقوية مع الإمارات، التي تعتبر أكبر وأكثر دولة مستثمرة في أرض الصومال.
وفي الشهر الماضي شارك رئيسها «صاحب السعادة» كما يسمونه، عبدالرحمن محمد عبدالله «سيرو»، ويعرف أيضاً باسم «عرو»، في القمة العالمية للحكومات، التي عقدت في دبي بالإمارات، خلال الفترة من (11) إلى (13) فبراير الماضي.
وهناك أعلن أنه يتوقع التشاور مع واشنطن، بشأن استقبال اللاجئين الفلسطينيين في بلاده، لاتخاذ موقف نهائي بشأن هذه القضية.
علماً بأنه لم ينف بشكل قاطع، الأنباء التي تسربت حول مخطط تهجير الفلسطينيين إلى «صومالي لاند»، ولم يؤكد أيضاً صحتها، بل حرص في تصريحه، على إضفاء الغموض حول هذه المسألة، معلناً حرصه على اتخاذ قرارات إستراتيجية، تصب في مصلحة الجميع.
لكن عبدالرحمن ظاهر وزير خارجيته، أكد أن بلاده، لا تستبعد استيعاب أهالي غزة، مشترطاً الحصول على الاعتراف الدولي لإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، والتعامل معه كدولة مستقلة.
وهذا الموقف، يظهر محاولة استغلال، أو استثمار الوضع المتفجر في غزة، لتحقيق مكاسب سياسية، طال انتظارها لأكثر من 33 عاماً، مع الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل.
ولعل ما يضفي الكثير من الأهمية على منطقة «أرض الصومال» أن إدارة ترامب، ترغب في إقامة قاعدة عسكرية في تلك المنطقة المهمة، الممتدة على نحو 20 % من مساحة الصومال الإجمالية، مما سيمنح واشنطن نفوذاً أكبر، على ساحل شديد الأهمية، يستلقي على خليج عدن، ويطل على القرن الإفريقي، الذي يناطح أمواج المحيط الهندي.
والمؤكد أن الاعتراف السياسي، بهذا الإقليم، سيسمح للولايات المتحدة، واستخباراتها بإقامة آليات دعم العمليات طويلة الأمد.
ومراقبة حركة الملاحة في باب المندب، ومتابعة أنشطة الصين المتنامية في المنطقة، وإجهاض أنشطة الحوثي في البحر الأحمر الداعمة للحقوق الفلسطينية.
ولو نجح المخطط الأمريكي ـ الصهيوني لا سمح الله، لتهجير الفلسطينيين إلى «صومالي لاند»، لن نستغرب، أن نجد جيلاً فلسطينياً، بعد تهجير أهاليهم إلى «هرجيسا» عاصمة «أرض الصومال» وغيرها من مدن الإقليم، يتحدثون اللهجة الصومالية، وينادون بعضهم البعض يا «وريا»، وتعني يا رجل، بدلاً من يا «زلمة»!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8934
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4851
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4167
| 23 سبتمبر 2026