رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستكمل اليوم مقالي عن «البؤساء» في غزة الذين لم يكتب روايتهم «فيكتور هوجو».
وبعيدا عن سيرة ومسيرة أبطال المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتهم الشهيد القائد المجاهد أحمد ياسين مؤسس حركة حماس الذي اغتالته يد الإرهاب الإسرائيلي في هجوم صاروخي شنته مروحيات من طراز أباتشي بعد قيامه بأداء صلاة الفجر في مسجد المجمع الإسلامي القريب من منزله في حي صبرا في غزة يوم الإثنين 22 مارس 2004.
وفي سياق حديثي عن المواقف الترامبية، الزئبقية، خرج علينا «ستيفن ويتكوف»، المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط بتصريح يخلو من المنطق قائلاً:
لا يمكننا أن نسمح بأن تحكم غزة منظمة إرهابية وإلا سيكون هناك (7 أكتوبر) كل بضع سنوات.
وينسى أن حماس وصلت إلى حكم القطاع بالانتخابات.
وبعيداً عن منطوقه الخالي من المنطق، أطرح عليه سؤالي المنطقي، وأساله:
لماذا لا تطبقون موقفكم، المناهض للحركات والمنظمات والجماعات والجمعيات والتجمعات التي تصنفونها أنها «إرهابية» على الأحزاب الصهيونية التي تمارس إرهابها على المدنيين الفلسطينيين؟
ولماذا تسمحون لأحزاب التطرف اليهودي، أن تحكم إسرائيل، وتتحكم في مسارات القرار الحكومي الإسرائيلي؟
ومنها على سبيل المثال، حزب «الصهيونية الدينية» الراديكالي المتشدد، والمتشنج، بزعامة الإرهابي «بتسلئيل سموتريتش»، الذي يشغل حالياً منصب وزير المالية في الحكومة الإتلافية؟
وله سجل حافل، في تشجيع الإرهاب الاستيطاني، وتحريض المستوطنين، على قتل الفلسطينيين.
وهو ينكر وجود الشعب الفلسطيني، ويعتبر أنه مجرد اختراع عربي، عمره أقل من مائة عام.
وله سابقة إرهابية، إجرامية، يعاقب عليها القانون الجنائي، تتمثل في دعوته، في شهر مارس 2023 لإحراق ومحو بلدة «حوارة» التابعة لمحافظة نابلس الواقعة شمال الضفة الغربية المحتلة.
وتضمنت تصريحاته، تحريضاً رسمياً خطيراً لارتكاب جريمة حرب، مكتملة الأركان، في إطار خطاب الكراهية، والعداء والعنف والإرهاب، الذي يروجه ضد الفلسطينيين.
وبسبب تصريحاته العدائية، التي طالب فيها الحكومة القيام بذلك الفعل الإرهابي، شهدت البلدة المستهدفة، هجمات غير مسبوقة من المستوطنين، أسفرت عن استشهاد فلسطيني، وإصابة عشرات آخرين، وإحراق عشرات المنازل، وتدمير العديد من السيارات.
وبعيداً عن قضية حوارة وفي سياق الحقارة، التي تنبعث من شخصيته، المليئة بالأحقاد والكراهية، يواصل انتهاكاته المتكررة لحقوق الفلسطينيين، ولا يخفى دعمه للاستيطان غير المشروع في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وهو مستعد للتحالف مع الشيطان، لتحقيق أهدافه الإرهابية، ولهذا تتجسد في تصرفاته وتصريحاته، ومواقفه، شخصية الإرهابي الصهيوني المحترف، واليهودي المنحرف!
ونفس الحال، ينطبق حرفياً على الإرهابي الآخر «ايتمار بن غفير» وزير ما يسمى الأمن القومي، الذي يتولى زعامة حزب «العظمة اليهودية».
وله سوابق، ومن المؤكد ستكون له لواحق، في الإجرام المنظم، والإرهاب الموجه ضد الفلسطينيين.
وما دامت واشنطن، تحارب ما تسميه «الإرهاب الفلسطيني» ولا تعتبره نضالاً مشروعاً ضد الاحتلال، وحقاً أصيلاً لنيل الاستقلال..
ينبغي تطبيق موقفها، على «الإرهاب الإسرائيلي»، ولا تسمح لقياداته، المشاركة في تشكيل الحكومة، لتثبت أن «الإرهاب» في مفهومها له تعريف واحد، وله وجه واحد، وله تصنيف واحد.
وتثبت للعالم المتحضر، أن من يشجع على قتل الأبرياء الفلسطينيين، هو «إرهابي» صهيوني، لا يستحق أن يكون وزيراً في الحكومة الإسرائيلية، ولا شريكاً في الائتلاف الحكومي.
وهذا موقفي، بشأن المسألة الإرهابية، سواء كان المتورط فيها عربياً، أو إسرائيلياً، أو أمريكياً.
وفي سياق ذلك، فإن من يسعى لضم كندا، رغماً عن إرادة شعبها لتصبح الولاية الحادية والخمسين في الولايات المتحدة، ينبغي تصنيفه بأنه إرهابي.
ومن يهدد ويتوعد، بانتزاع قناة «بنما» بالقوة من أصحابها، هو فعلاً يقوم بفعل إرهابي.
ومن يخطط للاستحواذ على «جرين لاند»، والسيطرة على مقدراتها، وفك ارتباطها عن الدنمارك، غصباً عن خشم «كوبنهاجن»، لا يمكن أن يصنع السلام في العالم..
.. ولا يمكن أن يحقق السلام في الشرق الأوسط.
ولا يمكن أن يكون داعية سلام، وتصالح وتصافح وتسامح، بين اليهود والفلسطينيين.
والملاحظ أن الرئيس الأمريكي، يسعى لتقويض النظام العالمي، وتأسيس نظام فوضوي، يقوم على اللانظام، واللاقانون مع غياب العدالة السياسية، وتعزيز النزعة الاستبدادية، وتهشيم القرارات الدولية، وتهميش المنظمة الأممية، لتبقى إسرائيل بلا حساب، وبلا عقاب.
وهو بذلك يريد أن يفرض واقعاً جديداً، في الشرق الأوسط، يحكمه الكيان الصهيوني، ويتحكم في تفاصيله ومفاصله.
وليس هذا فحسب، بل هو يريد تقديم الضفة الغربية المحتلة، على طبق من ذهب، لحكومة التطرف الإسرائيلي، وفي صميمها القدس، وفي داخلها المسجد الأقصى، وكل المقدسات المحيطة بها.
مع ضرورة قيام الأنظمة العربية جميعها، بالتصفيق له، وتقديم فروض الولاء والطاعة لإدارته، والزحف نحوه، من أجل استكمال مشروعه لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.
وأقول لصاحب هذا المشروع وهو صاحب مقولة «أمريكا أولاً»، إن مقولتنا الراسخة في عقولنا، النابضة في قلوبنا، الثابتة في ضمائرنا «فلسطين العربية أولاً»، «فلسطين الحرة» دائماً.
وسيبقى التحدي الأكبر وسط المواقف الترامبية المنحازة والمؤيدة لإسرائيل، أن نعمل جميعاً لضمان حقوق الفلسطينيين، في إقامة دولتهم المستقلة.
لكن أخشى ما أخشاه، وسط الأوضاع المأساوية المتفاقمة، والظروف غير الإنسانية المتراكمة، على أهالي غزة، أن يكون العدوان الصهيوني، هو البداية الفعلية والعملية والميدانية، لتنفيذ مخطط، تهجير الفلسطينيين، خارج ديارهم!
وتحديداً إلى الإقليم الانفصالي المسمى «أرض الصومال»، الذي يسمونه «صومالي لاند»، مقابل الاعتراف الأمريكي به، كدولة مستقلة.
وعندما أقول ذلك، لا أنشر الخزعبلات، ولا أروج الشائعات، ولكن أستند على حزمة من المعلومات، والكثير من المؤشرات، التي تشير وفقاً للعديد من القراءات والمتابعات، أنه يتم حالياً الإعداد والتحضير، لتنفيذ هذا المخطط الخطير.
والمعروف أن «صومالي لاند»، أعلنت انفصالها من جانب واحد، عن جمهورية الصومال في 18 مايو 1991، بعد الإطاحة، بنظام الدكتاتور محمد سياد بري، ومنذ ذلك التاريخ، غير معترف بها دولياً، لكنها تواصل فرض حكمها الذاتي الانفصالي في تحدٍ صريح لحكومة مقديشو، المعترف بها دولياً.
والملاحظ أنها تحتفظ بعلاقات إستراتيجية وطيدة مع أثيوبيا، وقوية مع الإمارات، التي تعتبر أكبر وأكثر دولة مستثمرة في أرض الصومال.
وفي الشهر الماضي شارك رئيسها «صاحب السعادة» كما يسمونه، عبدالرحمن محمد عبدالله «سيرو»، ويعرف أيضاً باسم «عرو»، في القمة العالمية للحكومات، التي عقدت في دبي بالإمارات، خلال الفترة من (11) إلى (13) فبراير الماضي.
وهناك أعلن أنه يتوقع التشاور مع واشنطن، بشأن استقبال اللاجئين الفلسطينيين في بلاده، لاتخاذ موقف نهائي بشأن هذه القضية.
علماً بأنه لم ينف بشكل قاطع، الأنباء التي تسربت حول مخطط تهجير الفلسطينيين إلى «صومالي لاند»، ولم يؤكد أيضاً صحتها، بل حرص في تصريحه، على إضفاء الغموض حول هذه المسألة، معلناً حرصه على اتخاذ قرارات إستراتيجية، تصب في مصلحة الجميع.
لكن عبدالرحمن ظاهر وزير خارجيته، أكد أن بلاده، لا تستبعد استيعاب أهالي غزة، مشترطاً الحصول على الاعتراف الدولي لإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، والتعامل معه كدولة مستقلة.
وهذا الموقف، يظهر محاولة استغلال، أو استثمار الوضع المتفجر في غزة، لتحقيق مكاسب سياسية، طال انتظارها لأكثر من 33 عاماً، مع الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل.
ولعل ما يضفي الكثير من الأهمية على منطقة «أرض الصومال» أن إدارة ترامب، ترغب في إقامة قاعدة عسكرية في تلك المنطقة المهمة، الممتدة على نحو 20 % من مساحة الصومال الإجمالية، مما سيمنح واشنطن نفوذاً أكبر، على ساحل شديد الأهمية، يستلقي على خليج عدن، ويطل على القرن الإفريقي، الذي يناطح أمواج المحيط الهندي.
والمؤكد أن الاعتراف السياسي، بهذا الإقليم، سيسمح للولايات المتحدة، واستخباراتها بإقامة آليات دعم العمليات طويلة الأمد.
ومراقبة حركة الملاحة في باب المندب، ومتابعة أنشطة الصين المتنامية في المنطقة، وإجهاض أنشطة الحوثي في البحر الأحمر الداعمة للحقوق الفلسطينية.
ولو نجح المخطط الأمريكي ـ الصهيوني لا سمح الله، لتهجير الفلسطينيين إلى «صومالي لاند»، لن نستغرب، أن نجد جيلاً فلسطينياً، بعد تهجير أهاليهم إلى «هرجيسا» عاصمة «أرض الصومال» وغيرها من مدن الإقليم، يتحدثون اللهجة الصومالية، وينادون بعضهم البعض يا «وريا»، وتعني يا رجل، بدلاً من يا «زلمة»!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3828
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1368
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
1011
| 29 أبريل 2026