رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
البديل أن يعود القرار إلى أصحاب المصلحة في التغيير وهو مسار طويل وشاق
أحداث الأسبوع الماضي أسقطت أوراق التوت عن ادعاءات واكبت الثورة بانتماء القوى إليها والتزامها بمطالبها، وكشفت أن أحاديث كثيرة أطلقت انتماء للشعب وفي حقيقتها تضمر غير ذلك، وفي أدائها تحاول إقصاء الكتلة الثائرة خارج دائرة التأثير.
توحدت القوى المضادة للثورة على هدف واحد هو ضرب مصداقية شباب ثائر اتخذ من الميادين مرتكزا له، وصار وجوده علامة الإصرار وقبول تحدي الثورة في تحقيق مجتمع ما بعد التغيير.
رغم تنوع الهجمات والأفعال غير أنها كشفت توازنا للقوى قائما بين القوى المضادة وشباب أعزل يقف في الميادين ويبيت ليلة في العراء في مناخ صيف حار تتجاوز درجات الحرارة فيه أربعين درجة، وشمس قاتلة.
الشمس القاتلة تعيد إلى الذاكرة وقائع صيف دنشواي عام 1906، الذي ناصر الفلاحون ضد جنود الاحتلال البريطاني وقتلت منهم ضابطا لتنعقد محكمة برئاسة بطرس غالي لثلاثة أيام وتصدر أحكام الإعدام على أربعة فلاحين والأشغال الشاقة والجلد على 48 آخرين، وكأن الشعب المصري فوق أرض وطنه لا ينال حقه في الحياة إلا عبر شهداء يقدمهم قربانا للحرية على مذابح السلطة، سواء كانت سلطة احتلال أجنبية أو اتشحت بمصرية مغتربة عن أرضها، ولا يمضي الأمر دون رد فعل ليتم اغتيال بطرس غالي رئيس المحكمة بعد أربعة أعوام.
هذا الرجل كان أيضا متنازلا عن حق الوطن عندما قبل مشروعا بمد امتياز شركة قناة السويس لمدة أربعين عاما حتى عام 2008. ذات مشهد اقتران المحاكمات العسكرية العاجلة لأحفاد شهداء دنشواي وتصدير الغاز لإسرائيل، وكأن التاريخ يعيد نفسه بعد مائة عام.
بات واضحا أن هناك توازنا للقوى بين الشباب الأعزل إلا من إرادة حرة ووطنية وبين معسكر القوى المضادة المدجج بكل أدوات الصراع ويجمع بينها مصالح غير مصلح الشعب وتصل إلى حد التناقض.
توازن القوى مصدره قدرة الشعب التي تجلت خلال الفترة بين 25 يناير و11 فبراير، وكسر هذا الشعب باستعداده للشهادة وتحدي جبروت الشرطة التي هزمها بكل عددها وعتادها خلال أربعة أيام، حاجز الخوف والتردد، وقدرته على المفاجأة وتجاوز كل تحليلات الأجهزة ومراكز البحث.
واتضح أيضا أنهم لم يتوصلوا لتفسير هذه الظاهرة، وصار جهلهم بها وعدم القدرة على استيعابها مصدر التوازن الحقيقي للقوى.
ما هو موقف الشعب؟ وماذا هو فاعل؟، كان دلالة انعدام القدرة على استيعاب أنها ثورة الشعب وأنه سيحميها.
أعلنوا أنهم مع الشعب ومع الثورة، ومن ناحية أخرى أخذوا يجتزئون أهدافها ويشتتون قواها ويستخدمون الوقت معاملا لوأد روح الثورة.
ومع تواصل حالة المقاومة لاغتيال الثورة، انفجرت مكنونات الصدور، وظهر اللواء الرويني يوزع اتهامات التمويل والخيانة، ومن ثم يهدر كل مطالب التطهير وأنها مستوردة. ويضع سيناريو أحداث العباسية صباحا ليتم مساء، وتسقط أخطر أوراق التوت "أن البلطجية أداة الداخلية والرويني في مواجهة الشعب" وتحت بصر جنود الرويني والشرطة العسكرية بقيادة البديني وقوات شرطة العيسوي تهاجم جماعات بلباس مدني يحملون السيوف والسنج وزجاجات المولوتوف، واتضح حسب تقارير صحفية أن هناك أعضاء من مجلس الشعب المنحل أسهموا في حشد البلطجية.
البلطجية يهاجمون الشعب تحت حماية الجيش والشرطة العسكرية وشرطة العيسوي... فماذا تبقى ليستروا به خصومتهم مع الثورة والانقلاب عليها؟
وآخر المشاهد مشهد لواء قالوا إنه خبير عسكري وإنه مستشار للتوجيه المعنوي، خرج صوته من التلفزيون يتهم الأستاذة نجلاء بدير الصحفية أنها مخربة؟ لأنها تجرأت وانتقدت أقوال الرويني، هكذا؟
وبأدب ولباقة عالية توقفت مذيعة البرنامج دينا عبدالرحمن وتكشف سطحية ما يعرض له حتى إنه ردد ما قاله أحمد نظيف بأن الشعب المصري لم ينضج ويقول إنهم في التحرير في كي جي 1 وأننا نعلمهم الديمقراطية! لغة استعلاء أخرى.
وتدفع دينا ثمن صدقها ويتم إيقافها عن العمل جزاء لدفع الخطأ وخطايا المتحدث عن زميلتها وعن أهل الوطن، ومازال الأمر لم يستقر حتى اللحظة حول ما سبب هذا الإيقاف؟ وهل سينتهي رغم تردد أنباء عن إنهاء الإيقاف!
صار المجلس ومستشاريه الحَكَم بعد أن كشفوا عن أنهم خصوم للثورة وأهدافها؟ ويبلغ الأمر بهذا لمستشار أن يتهم اثنين من مرشحي الرئاسة بأنهم عملاء لأمريكا؟ وأن هذا "تخمين" من عنده؟، أي هزل هذا في موضع الجد!
لا أحد يطلب من المجلس العسكري أن يحمي الثورة، فهو لم يحمها ولكنه استفاد منها وصار السلطة الحاكمة في مصر.
نعم هو سلم أمر التشريع إلى الإخوان المسلمين، نعم اتخذ من الصناديق والتصويت ادعاء بديمقراطية أدت إلى أول انحراف بحركة الثورة، وتقسيم للشعب، ونعم مارس الإعلام الرسمي المستسلم دورا مناوئا للثورة ومشوها لشبابها، بل تجاوز المجلس العسكري الإعلام الرسمي بهجمات متتالية على الإعلام الخاص، واستدعاء أمام النيابة العسكرية وتحقيقات وكلها تلوح بعصي ولا تستخدمها.
ولكن الجديد الآن أنه استخدم العصا في إطار حملة تشويه، ويقول المثل الشعبي "من كان بيته من زجاج لا يقذف الناس بالحجارة"، فلم يناقش أحد موقف الجيش من النظام السابق، بل وقاوم العقلاء ذلك، لأن المؤسسة العسكرية هي ما تبقي للدولة المصرية والمفروض أن يحكم أداؤها قيم الوطنية، أي أن يحكم أداؤها مصلحة الشعب وليس فئة دون أخرى.
قد يتحمل الموقف عجز حكومة شرف على إدارة الفترة الانتقالية، ولكن الموقف لا يتحمل حيودا للمجلس العسكري عن دور متوازن حتى لا يفتح أبواب الحرب الأهلية على مصراعيها.
سقطت أوراق التوت عن التنظيمات الدينية وبلا استثناء.
فالجهاد القادم من غياهب السجون يعلن أنه سيخرج لتطهير ميدان التحرير من الثوار، وتحت عنوان أنهم ليسوا هؤلاء الثوار، ويتوعد كل من سيقاوم يوم الجمعة 29 يوليو بالويل.
والسلفيون يخرج متحدث باسمهم يعلن نفس الموقف.
والإخوان يناصرون موقف المجلس العسكري من مواجهة التظاهرات بالدم، لأن المتظاهرين ليسوا الثوار؟ فقد ملكوا أمر التثبت ممن هم ثوار ومن هم ضدهم.
وأصحاب رؤوس الأموال يقومون بتمويل العمليات القذرة، من دفع دية الشهداء لتفويت الفرصة على محاكمة القتلة إلى دفع أجرة البلطجية وتكاليف الأسلحة والحجارة القادمة من أموال جمعوها زمن الفساد.
ويخرج بعد ذلك كله متحدث باسم حزب الوسط ليقول إن المجلس العسكري يستشير الإخوان ـ دون كل القوى والتيارات ـ في أمر القوانين التي يصدرها.
اللواء ممدوح شاهين الذي طالبنا من قبل أن يختار المجلس العسكري رجلا غيره للتعبير عن المجلس العسكري لأن لديه قدرة غريبة على استفزاز العقلاء ولا يملك لغة حوار على الإطلاق ولكن المجلس لا يسمع ما يقوله غيره، خرج على الناس بإعلان عن انتخابات في نوفمبر وفق قانون خاص أقروه فيما بينهم، ويحتاج إلى "كتالوج" للشرح والتفصيل.
المجلس العسكري رغم كل النداءات التي وجهت إليه ليأخذ دورا لصالح الشعب وفق إستراتيجية "الخبز ـ الحرية، العدالة الاجتماعية"، ويحول دون الوصول إلى صدام داخل المجتمع سيعود بنا إلى الوراء عشرات السنين، رغم ذلك كله، يقف المجلس حائلا دون تحقيق أهداف الثورة، وكأن الوعي السياسي بمدلول الشرعية الثورية غائب، ولم يبق منه إلا أنه سلطة تكاد تقارب أداء النظام السابق، يعطي إشارات بالتوجه في اتجاه الثورة بالأقوال، ويتحرك على الأرض في عكس الاتجاه، ويأخذ بمهمة تشويه عناصر منها، ويقاومها بالبلطجية.
وسقطت ورقة التوت عن وزير الداخلية الذي لا يمكن توصيفه غير كونه أداة لتمكين الانقلاب على الثورة من الداخلية وبكل إمكاناتها.
من ناحية حركة تنقلات الضباط اتضح أنه نقل كل المتهمين بالقتل إلى أماكن أفضل.
وتمارس عناصر جهاز أمن الدولة المنحل ذات الدور القديم تحت اسم الأمن الوطني، ويجري الآن تشكيل مجموعات اختراق لكل التيارات التي نشأت بعد الثورة، فضلا عن إحياء القديم من عملائها.
والأخطر العودة إلى نظام الاختطاف ومافيا أمن الدولة، فيجري اختطاف ابن شاهد على جريمة محل التحقيق ضد مدير أمن القاهرة السابق!
وتكشف واقعة الدكتور حازم عبدالعظيم الذي رشح لمنصب وزير الاتصالات، وهو محسوب على ثوار التحرير، وتدخل أمن الدولة عبر جريدة خاصة للإطاحة به، تكشف الواقعة أن التصنت على التليفون قائم والتهديد والتدخلات قائمة.
وسقطت كل أوراق التوت التي كانت تحول دون كشف عجز حكومة شرف، وليس هناك مبرر واحد لبقائه، فرجل مثله بلا رؤية سياسية غير قادر على الإبحار بسفينة الوطن في هذه المرحلة.
تساقط أوراق التوت وكشف المواقف وحتى توازن القوى بين الثورة وأعدائها لن يضمن تحركا للأمام، بل إنه وضع خطير وحساس لأنه يفتح الاحتمالات على مصراعيها وجميعها ليست في صالح مصر الثورة والشعب.
الخطوة القادمة لتجنب خطورة القادم ليست على جانب واحد دون الآخر، بل هي على ضفتي الأداء في مصر.
فالثورة مطالبة بتعميق العلاقة بينها وبين الشعب بكل طوائفه وفئاته لأنه العمق الحقيقي لها، ولن تتمكن من هذا بغير الحوار البيني بين القوى السياسية وتشكيلاتها المتعددة وأن يكون حوارا حده الأدنى إستراتيجية "الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية" وترجمتها إلى مهام. ولن يمكن ذلك بغير إعلان واضح من الكافة عن مدى وعيهم بدلالات الثورة وشرعية إرادتها، والنازل عن "الأنا" والمصالح الضيقة إلى رحابة احتياج الشعب والوطن، الخطوة الأولى العمل على إيقاف الصدام الذي يسعى إليه البعض مع المعتصمين بالتحرير، فهل تنجح الثورة في هذا مع الالتزام بالحفاظ على القوة الدافعة للثورة.
ويبقى الجانب الذي يملك القرار، والمطلب هنا في حاجة إلى وعي بالدور الغائب عن القرار وهو المسؤولية تجاه الشعب والوطن طالما أنه في مركز القرار، وليست الانتخابات التشريعية هي الحل، الاحتياج هو الترجمة العملية لإستراتيجية الثورة إلى مهام، الشعب يعاني من ارتفاع في الأسعار تجاوز 30% ووجب النظر المباشر إلى هدف إستراتيجية الثورة الأول وهو "الخبز"، شعب لا يجد "خبز يومه" لا يعنيه ولن يجدي مع احتياجه انتخابات تشريعيه تدور في مناخ غير مناسب سياسيا وغير معبر عن الثورة.
ليس هناك غير أن يكون القرار لصالح الثورة والشعب وإستراتيجية التغيير، والبديل أن يعود القرار إلى أصحاب المصلحة في التغيير وهو مسار طويل وشاق.
الجيش المصري أشرف وأكبر من أن يرتع أمامه البلطجية سواء في مواجهة شباب الثورة أو في فنادق الخمس نجوم، بينما الشعب ينتظر عائد الثورة وما قدمه من تضحيات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
11007
| 27 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1782
| 29 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1674
| 26 يوليو 2026