رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعم بعد ما يزيد على عشرين شهراً من مفاوضات مكثفة بين إيران من جهة والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا من جهة أخرى، تم الاتفاق على البرنامج النووي الإيراني، دليل جديد يبرز أهمية طاولة المفاوضات كبديل لساحات المعارك والحروب وخيار مجدي بل ومثمر في حل النزاعات الدولية حتى الشائك والمعقد منها، ما دفع الأمين العام بان كي مون للقول (إن الاتفاق يمثل دليلا قويا وشاهدا على قيمة الحوار والتفاوض) معبرا عن إعجابه بالمفاوضين.
الاتفاق قدر تعلق الأمر بالمصالح لم يكن متوازناً، ذلك أن الطرف الذي قدم تنازلات هائلة تمس السيادة والكرامة هي إيران، ومن الآن فصاعدا سوف يحصي الغرب حتى أنفاس إيران وليس فقط صناعاتها العسكرية وبرنامجها النووي والمغامرات المتعلقة بها بعد أن أبقى على العقوبات المتعلقة بدعم الإرهاب، تجربة الغرب مع العراق سوف تتكرر.
المفاوضات لم تنجح لمجرد أن المتفاوضين يملكون حساً استثنائياً ورغبة في السلام، ولا يتميزون بمهنية راقية في التفاوض، ولا هي الأجواء المريحة مرة في فيينا وأخرى في باريس وثالثة في بروكسيل...لا هذه ولا تلك.
الذي أنجح المفاوضات وأجبر إيران على قرارات مؤلمة هي من جانب، إبقاء الغرب على الخيار العسكري ماثلاً بالأساطيل البحرية على مرمى حجر في مياه الخليج العربي محملة بالطائرات وصواريخ كروز وتوماهوك حيث تضاعفت خلال فترة التفاوض، ومن جانب آخر تنامي غضب شعبي ولاسيَّما من الشباب قد يخرج عن نطاق السيطرة فيما لو لم تتدارك الحكومة الإيرانية الوضع الاقتصادي المتردي بسرعة وتضع حدا للعقوبات الاقتصادية القاسية التي أثقلت كاهل الوطن والمواطن.
الغرب فاوض إيران وهي مضغوطة ولذلك نجحت المفاوضات، ولو لم تكن هناك ضغوط ما حصل اتفاق، بل تسويف ومماطلة، كذب وتضليل وتقية، مناورات لا نهاية لها.. الشيطان الأكبر ومعه محور الشر يتقنانها دون شك ومع ذلك لا أحد يبز إيران في هذه المهارات، فالإيرانيون والحق يقال أساتذة (ماسترز) في هذا الشأن، ورغم ذلك فشلوا هذه المرة والفضل للضغوط التي مورست عليهم.
من تنازل لمن؟
في حساب الربح والخسارة، إيران بالمطلق هي الطرف الخاسر، والمفاوضات في قضها وقضيضها كانت تجري في مساحة مصالح إيران الحيوية فحسب، وما آلت إليه هذه المفاوضات بل وما تم الاتفاق عليه هو ببساطة حصيلة مقايضة بين مصلحة إيرانية اقتصادية ومصلحة إيرانية إستراتيجية تكنولوجية، حررت فيها إيران أموالها المجمدة لكنها قيدت أنشطتها النفطية والبنكية والملاحية والتجارية ووافقت على تحجيم مخرجات برنامجها النووي وتعليق طموحاتها النووية. الغرب لم يفرط بموارده بل وظف أموال إيران نفسها في كبح جماح برنامج إيران النووي. ليس هذا فحسب بل إن القبول بإخضاع منشآتها النووية على اختلافها بل وحتى المرافق والأماكن الحساسة ما يوحي بأنها عسكرية بحتة هو تفريط بالسيادة، وهكذا تكون إيران قد باعت سيادتها وكرامتها بثمن بخس، لن يغير الشعار المستهلك (الموت لأمريكا) (الموت لإسرائيل) من واقع الحال بعد الآن إذ إن الحقائق تشير إلى أن إيران اختارت فعلا وبدل ذلك شعار (الموت للسيادة).
المحافظون في إيران وفي مقدمتهم الحرس الثوري الإيراني على دراية بهذه الحقائق ولهذا يرفضون، أما الإصلاحيون فهم يتجاهلون في خطابهم التنازلات الإستراتيجية التي وافقت عليها إيران ومن بينها استخدام ثلث أجهزة الطرد المركزي فقط، تخفيض التخصيب إلى 3.67% بدلا من 29%، وتسويق اليورانيوم المخصب للخارج، إجبارها على شراء الوقود النووي من روسيا، تحويل مفاعل آراك من إنتاج الماء الثقيل إلى الماء الخفيف وتحويله بالكامل إلى أغراض سلمية، لن تبني إيران أي مفاعل نووي جديد على مدى 15 سنة، وضع تجارب مفاعل فوردو تحت إشراف المجتمع الدولي..إلخ، فهؤلاء أي المحافظين بالكاد يذكرون حسنات أو مكتسبات ذات مغزى، غير حديث لا يسمن ولا يغني من جوع، كالحديث عن الانتعاش الاقتصادي المنتظر بعد تحرير ثروة إيران من الحجز وإطلاق الاقتصاد من الحصار، وانتهاء عزلة إيران وعودتها للمجتمع الدولي، والاعتراف بإيران قوة نووية وإنها الدولة الأقوى في الشرق الأوسط..إلخ.
الرفض مطلوب على الأقل للابتزاز
رغم التصويت بالإجماع من جانب أعضاء مجلس الأمن، تباينت المواقف على الصعيد العربي بين مرحب ومهنئ، وآخر موافق بحذر وثالث فضل التريث والانتظار ورابع رافض ومتشائم.. إلخ المحصلة استقبال عربي فاتر رغم أن الاتفاق حصل واكتسب الشرعية الدولية، لكن أبرز الرافضين والمنددين كانت إسرائيل واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، الرفض لغرض الرفض ليس إلا، وسيلة وليس غاية، وهي فرصة لن تعوض أبداً يمكن استثمارها في ابتزاز الرئيس أوباما المتهافت جدا على إنجاح الاتفاق حيث لا شيء في السجل على مدى سبع سنوات يصلح لكتابة إرث رئيس يفخر بإنجازاته وليس لديه حتى الآن سوى ما اشتهر به أوباما من غياب الرؤية والتردد والحركة الوئيدة والتنصل من الالتزامات وتغيير المواقف في اللحظة الأخيرة وتقديم التنازلات دون مبرر.. هذا اللهم إلا إذا كان الرئيس أوباما يعتبر أن تشريع زواج المثليين إنجازا إنسانيا وحضاريا يمكن أن يفتخر به رئيس!!.
بينما يصرخ نتنياهو رافضا ومنددا ومخوفا من الاتفاق النووي، فإن عينيه على عقود مؤجلة ومطالب كانت رفضتها الإدارة الأمريكية إضافة إلى قائمة تسليح جديدة، يسعى للحصول من خلالها على امتيازات إستراتيجية أو أمنية أو اقتصادية. ألم يتحدث الرئيس عن دعم غير مسبوق لإسرائيل؟ إذا عليه أن يبرهن على ذلك، لقد حان الوقت للسداد.. لن يتراجع الرئيس أوباما وهو أكد ابتداء أنه سيواجه رفض الكونجرس بالفيتو بل سيسعى لتشريع الاتفاق النووي بأي ثمن، والثمن هنا إرضاء إسرائيل واللوبي الصهيوني وهكذا من المتوقع أن يضطر للسخاء والكرام بما لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقة الأمريكية الإسرائيلية. هذا ما سوف يحصل، والخاسر الوحيد هم نحن، العرب، حيث حرمنا من حق المشاركة في المفاوضات ابتداء، كما فشلنا في استثماره بالابتزاز لاحقا، بينما مازال لدينا الكثير ما يمكن أن نطالب به الإدارة الأمريكية.
.............................................................................
كذبة العالم سيكون أكثر أمنا
تعليق مخرجات البرنامج النووي وليس إلغاءه أو القضاء عليه
النفاق في التفريق بين التقليدي والكيماوي
التقليدي للقتال والنووي للردع ليس إلا
رسالتي إلى أوباما
اتفاق مبني على التحقق وليس على الثقة
كم خسرت إيران جراء موقفها المعادي للعرب
................................................................................
كذبة العالم سيكون أكثر أمنا
كذبة كبيرة سمعناها عشية غزو العراق تبريرا للغزو وتشجيعا للمترددين للالتحاق بسرعة وإضفاء الشرعية على عملية غزو لم تكتسب الشرعية الدولية.
إذا كان كما قيل إن إيران باستطاعتها الآن إنتاج القنبلة النووية خلال عام من الزمن فإن انصراف الاتفاق لكبح مخرجات البرنامج النووي دون القضاء على وسائل الإنتاج (المفاعلات) والبحوث المرتبطة بها لا يعني سوى تأجل الخطر وليس القضاء عليه.
من جهة أخرى، والعولمة وما رافقها من ثورة التكنولوجيا، المعلومات والاتصالات جعلت من العالم قرية صغيرة، وأمن العالم بات متداخلا والحملة على الإرهاب تكتسب بعدا دوليا، رغم أن الأدوات المستخدمة من أسلحة ومعدات هي تقليدية.
العالم سيكون آمنا، اللهم إلا إذا اعتبرت الإدارة الأمريكية أن أمن العالم يقتصر على أمن إسرائيل والغرب فحسب أي أمن الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا واليابان، بما لا يشمل أمن المنطقة العربية والشرق الأوسط.
إيران تصرفت بعدوانية مطلقة، استطاعت أن تتمدد خلاف القانون الدولي إلى الجوار وتخترق دول ذات سيادة وتعمل على تمزيق نسيجها الاجتماعي بإثارة الفتن والنعرات الطائفية وتتدخل في شؤونها الداخلية وصناعة قراراتها كما عملت على نهب مواردها كما يحصل في العراق، حصل ذلك وإيران في ظل المقاطعة وتحت الحصار والتقشف، ترى كيف ستتصرف إيران بعد أن تخرج من عزلتها اقتصاديا وتحصل دفعة واحدة على ما يزيد على مائة مليار دولار خلال ستة أشهر، ويرتفع إنتاجها اليومي من النفط ربما ثلاثة أضعاف في بحر أشهر؟ كما تتحرر تجارتها الخارجية ونظامها المصرفي من أي ضغوط!! الوفرة المالية تحت تصرف دولة غير منضبطة سياستها الخارجية تتمحور حول تصدير الثورة (بمعنى تصدير الفوضى) سيضاعف من المخاطر على دول الجوار.
تجاهل الاتفاق النووي شواغل العرب ولاسيَّما أمن دول مجلس التعاون الخليج العربية، وأمنيات الرئيس أوباما بإيران دولة منضبطة ومسؤولة رد عليها مرشد الثورة حيث أكد أنه لا تغيير في السياسة الخارجية وعلاقة إيران بالدول العربية ولاسيَّما تلك التي جعلتها إيران حديقتها الخلفية وأعلنت سقوطها في منطقة نفوذها الممتدة حتى البحر المتوسط غربا وحتى اليمن جنوبا!!
ما نشر حتى الآن يدعو لقلق بالغ، ولن تنجح زيارات المسؤولين الأمريكان مهما قدموا من تطمينات في تبديد مخاوف العرب الحقيقية، واستبعد أن تكون هناك ملاحق سرية تعنى بسلوك إيران إقليميا في فترة ما بعد توقيع الاتفاق.
العالم سيكون أكثر أمنا مجرد كذبة كبرى، ليس لنا على أي حال، سمعناها في مغامرات أمريكية سابقة لكن العالم بات أكثر خطورة مما سبق، وسيكون كذلك هذه المرة، نرجسية الغرب عادة لا تعنيها مصالح الحلفاء العرب مثلا، الخطورة تضاعفت وبات العرب يواجهون تحديات هائلة ومتنوعة في وقت واحد. ما يستدعي المراجعة والبحث عن مقاربة جديدة للحياة.
القتل بالضحك.. جريمة التنمر الصامتة
جراح اللسان أعمق من جراح السيوف، ليس كل جرح ينزف دماً، ولا كل ألم يصرخ صاحبه. التنمر آفة... اقرأ المزيد
48
| 15 مايو 2026
النور فى المشاركات الإستراتيجية
المشاركات الهادفة هي طريق النور لإنهاء النزاعات من خلال الوساطة الدبلوماسية المستمرة المثمرة والمستدامة لتقريب وجهات النظر لفض... اقرأ المزيد
45
| 15 مايو 2026
الإيمان.. صمام الأمان في زمن الأزمات
في عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، يجد الإنسان نفسه محاصرًا بين ضغوط العمل، تقلبات الأسواق، وأحداث لا... اقرأ المزيد
36
| 15 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
2688
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
2142
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1200
| 13 مايو 2026