رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شارك في مؤتمر القمة الطارئ في الدوحة الأسبوع الماضي، ممثلو ثمانين دولة بين عربية وإسلامية، نفوسها تزيد على 2.5 مليار إنسان، يملكون ثروات هائلة، ويقيمون على جغرافيا مترامية الأطراف، ولهم علاقات دولية واسعة، منها روابط وثيقة مع قوى وازنة، هذه الدول تمتلك المال والبشر والأرض، وتمثل أمة ذات تاريخ وحضارة ومصالح راسخة، فضلًا عن موقع فريد على خريطة العالم، لو وحّدوا مواقفهم – حتى دون وحدة جغرافية – لأصبحوا قوة ردع حقيقية يُحسب لها ألف حساب، وقد وفّر المؤتمر فرصة.
الدول تمتلك جيوشاً جرارة، ومع ذلك، لم يتوقع أحد إعلان “النفير العام” ردًّا على العدوان الغادر على دولة قطر في التاسع من أيلول/سبتمبر، أو نصرةً لغزة حيث يُباد المدنيون منذ الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023 قتلاً وتهجيرًا وتجويعًا. ورغم أن النصرة واجب الوقت، فإننا لم نر موقفًا بحجم التحدي، والأسباب معروفة والذرائع جاهزة.
مع ذلك، فإن هذه الهبّة التضامنية مع قطر، والمصحوبة بإدانة غاضبة للعدوان، كانت مطلوبة لإيصال رسالة واضحة للمعتدي ومن آزره أو صمت عنه: قطر ليست وحدها. وقد افترض أن الرسالة وصلت. ودولة قطر تستحق هذا الموقف عن جدارة؛ فالعالم لا يتفضل عليها، بل يرد الجميل ويعترف بفضل دولة قدمت الكثير: مبادرات للسلام، جهودًا لحل أزمات شائكة، ودفاعًا متواصلًا عن العدالة ونصرة المستضعفين والمحرومين أينما كانوا.
غير أن العدوان الصهيوني على غزة ومن بعده على قطر، ما هو نهاية المطاف بل ثلاثي الأبعاد:
1.عدوان عاجل على غزة.
2.عدوان ممتد على قطر.
3.عدوان مؤجَّل قد يطال أي دولة.
حيث يمكن أن تصلها مقاتلات إسرائيل وصواريخها ومسيراتها، وفق عقيدة التوسع والتي كان أعلنها عام 1948 رئيس الوزراء في حينه بن غوريون، وكرسها من بعده نتنياهو وكاتس وزير الدفاع.
لقد شجع صمتنا الكيان الصهيوني على استهداف قطر. ولو نجحنا في وقف الإبادة في غزة وإجبار العدو على التراجع، لما تجرأ على توسيع العدوان نحو قطر. لكن يبدو أنه لا قتل الأطفال ولا التهجير ولا التجويع والتعذيب الوحشي كان كافيًا ليدفع بعض الدول العربية والإسلامية إلى اتخاذ موقف صارم، بل ولا حتى الهجوم على دولة عربية مسالمة بعيدة لا تشكل خطراً على إسرائيل كدولة قطر، بل ولا حتى تهديد نتنياهو بأنه سيعيد تشكيل الشرق الأوسط بالقوة! يبدو كل ذلك لم يكن سبباً كافياً ومبرراً كي تستعيد تلك الدول إرادتها وتتحرك دفاعاً عن نفسها هي وليس غيرها!.
للأسف، لم يُعالج مؤتمر قمة الدوحة هذه المسألة كما ينبغي، رغم الحشد الكبير واللغة الغاضبة. إذ جاء البيان الختامي خاليًا من أي إجراءات جماعية رادعة تُجبر إسرائيل على مراجعة حساباتها، تاركًا الأمر لكل دولة لتقرر منفردة وفق ظروفها ومصالحها! (المواد 15 و16 و24 من البيان) ما يمكنها القيام به من إجراءات وبدائل: كالانضمام الجماعي إلى دعوى جنوب أفريقيا أمام المحكمة الجنائية الدولية، المطالبة بمراجعة عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة، قطع العلاقات الدبلوماسية، وقف التطبيع، إلغاء “الاتفاقيات الإبراهيمية”، وقف التعامل التجاري، إغلاق الأجواء والمياه أمام الملاحة الإسرائيلية.
وحتى اللحظة، لا معلومات عن الدول التي قررت أن تمضي وتعمل بالتوصيات التي وردت في البيان، وحتى لو حصل فلن يكون بديلاً لقرار جماعي وملزم إذ سيكون عصيًّا مواجهته حتى من إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة.
وهنا تكون الفرصة الذهبية قد ضاعت؛ إذ كان على الدول المشاركة أن تغادر الدوحة بضمانات جماعية لأمنها (هي) مستقبلاً في مواجهة كيان استثنائي في توحشه وعربدته، وفي اطار نظام دولي يتشكل حالياً لا شرعية فيه إلا للقوة الطاغية.
والمفارقة المخزية أن دولًا وشعوبًا غربية بادرت باتخاذ مواقف حازمة ضد العدوان على غزة، رغم تعارض ذلك مع مصالحها. على سبيل المثال لا الحصر، هذه إسبانيا ألغت صفقة بمليار دولار لشراء أجهزة أمنية من إسرائيل، وجامعات غربية شهدت طلابًا ضحوا بمستقبلهم الدراسي نصرة لغزة، فيما لا زالت بعض العواصم العربية تفتح أبوابها للعلاقات الدبلوماسية والسياحية والتجارية مع العدو الصهيوني.
أما قطر فكان لها شأن آخر، إذ تحركت منذ اليوم الاول في اجراءات عملية، سياسية ودبلوماسية وقانونية، تستهدف ملاحقة الكيان الصهيوني وتحميله تبعات جريمته وعدوانه على دولة ذات سيادة. نجحت في بلورة موقف رافض للعدوان صدر عن مجلس الأمن بالإجماع، دعت إلى مؤتمر طارئ للدول العربية والإسلامية، تتابع ملف العدوان مع المحكمة الجنائية الدولية، رفضت الابتزاز، واكدت التزامها المبدئي بمواصلة جهودها في وقف الابادة في غزة.
صحيح أن مؤتمر الدوحة أخفق في فرض إجراءات رادعة، لكنه شكل جرس إنذار. كما لا ينبغي إغفال التطور المهم في مخرجات مؤتمر قادة دول مجلس التعاون الخليجي، الذي انعقد على هامش القمة الطارئة، وأقر تفعيل مجلس الدفاع المشترك. وقد صدر في اليوم التالي قرار بتعزيز الاتفاقية الدفاعية من خلال:
•زيادة تبادل المعلومات الاستخباراتية عبر القيادة العسكرية الموحدة.
•تسريع منظومة الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية.
•تحديث الخط الدفاعي المشترك وتنفيذ تمارين مشتركة خلال ثلاثة أشهر.
هذه خطوات إيجابية لكنها غير كافية؛ فالمطلوب رسالة ردع واضحة: “أمن الخليج واحد”. ولا أمن إلا بإنشاء “ناتو خليجي”، يكون بمثابة قاطرة تقود نحو «ناتو عربي – إسلامي” يكرس الاعتماد على النفس، يوحد العقيدة العسكرية وقواعد الاشتباك، إضافة إلى سياقات التدريب والتجهيز والتسليح.
وقد أحسنت السعودية بتوقيع اتفاق دفاع مشترك مع باكستان، وقطر من قبلها مع تركيا، وهذه اتفاقيات من شأنها تعزيز الدفاع الخليجي المشترك من جهة كما انها تمهد لتأسيس حلف عربي – إسلامي قادر على الردع.
خاتمة:
إذا كان الاعتقاد السائد الآن أن “الأوضاع بعد الهجوم على قطر ليست كما كانت قبله”، فإن العلاقات البينية الخليجية على تنوعها، وفي المقدمة منها ملفات الأمن والدفاع يجب أن تُراجع على وجه السرعة، من زاوية الأخطار الداهمة ومتطلبات الأمن والمصالح المشتركة، من أجل توحيد الرؤى والوسائل والغايات، والمضي على أساس الحكمة الشائعة: (ما حكّ جلدك مثل ظفرك، فتولّ أنت جميع أمرك) أي أن الاعتماد على الذات، بعد التوكل على الله، هو السبيل إلى الأمن والاستقرار.
معرض الكتاب.. الاستثنائي
كل عام يختلف بشكل متغاير وبثوب جديد، ليصبح جاذبا لكل الفئات والأعمار والتخصصات، معرض استثنائي من السعة والتنظيم... اقرأ المزيد
63
| 23 مايو 2026
الدوحة تقرأ
شهدت النسخة الأخيرة من معرض الدوحة الدولي للكتاب حضوراً ثقافياً لافتاً، مؤكدةً مكانة دولة قطر بوصفها حاضنةً للفكر... اقرأ المزيد
72
| 23 مايو 2026
يوم عرفة... هوية جامعة عابرة للحدود
منذ بزوغ شمس رسالة الإسلام، ظهرت رسالته العالمية التي لا تحصر المنهج في جنس أو قومية أو أرض... اقرأ المزيد
93
| 23 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1437
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1272
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1065
| 21 مايو 2026