رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إبراهيم عبد المجيد

كاتب وروائي مصري

مساحة إعلانية

مقالات

426

إبراهيم عبد المجيد

لا قداسة لأي شكل أدبي

26 أغسطس 2026 , 11:27م

وجدت في الأيام الأخيرة جدلا لا أدري سببه حول الشعر، فتح باب قضية تجاوزها الزمن. شخصيات مرموقة لن أذكر أسماءها، تعتبر قصيدة النثر ليست شعرا ولا قصيدة التفعيلة، وأن الشعر هو القصيدة العمودية. هم أحرار لكن ما جعل المسألة تنتشر، هو ألفاظ لا تليق بمن يكتب، وتسفيه لا معنى له. الشعر مثله مثل كل مجالات الابداع أمره متروك لاثنين، هما القارئ والناقد.

لكن أن يروج شاعر لطريقته في الكتابة، بتسفيه وذم ما يفعل غيره، هو أمر لا يليق، بل هو من إغراء السوشيال ميديا، والجانب السطحي من ثقافتها. كيف يحدث ذلك ونحن نرى حولنا شيئا مؤسفا، وهو قلة ما يباع من دواوين الشعر بكل أنواعه أمام الرواية. رغم ذلك هو أمر كما أقول دائما، ليس لأنه زمن الرواية، لكن لأن الشعر قفز قفزة كبيرة بعيدا عن القافية والوزن، ومن ثم صار للقراءة التأملية منفردة، بعيدا عن التلقي الشفاهي للحضور الجماعي، الذي عادة تجذبه القافية والوزن والايقاع الواضح. هكذا صار قارئ الشعر أكثر تأملا من مستمعيه القدامى. أدهشتني المسألة وظهورها المفاجئ، بعد سنوات طويلة من التجديد في الشعر، والمعارك الشعرية بين الأجيال المختلفة، حتى استقر الأمر في أكثره عند قصيدة النثر. وبالمناسبة هذا ليس في مصر، فقط لكن في كل العالم العربي. معارك عرفناها منذ مدرسة الديوان في عشرينيات القرن الماضي التي قادها العقاد والمازني وعبد الرحمن شكري، التي رأت تعدد موضوعات القصيدة القديمة، من بكاء على الأطلال، ثم مديح، ثم موضوع القصيدة، ومن ثم صار البحث عن قصيدة لها موضوع محوري واحد. ثم معركة شعر التفعيلة التي أتت بأسماء مثل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، ثم معارك الأجيال التالية حيث قفزت قصيدة النثر، رغم أن الجدد ليسوا جميعا من مبدعيها. سبقنا الغرب في ذلك فظهرت قصيدة النثر في القرن التاسع عشر عند بودلير ورامبو ومالارميه في أوروبا، وكذلك في أمريكا عند والت ويتمان. انفتح بابها لدينا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، مع شعراء مثل أدونيس وخليل حاوي وخالدة سعيد وغيرهم، وطبيعي أن ينتقل الأمر إلى مصر. قليل من البحث يؤكد أن الأمر لم يكن تأثرا بالغرب بشكل مطلق، ففي كتب الصوفية عند العرب الأسبق على الطفرة الغربية، تجد تجسيدا لها مثلا في "المواقف والمخاطبات" للنفري ورسائل الحلاج والسهروردي وغيرهم.

أعرف أن قصيدة النثر فتحت الباب للكثيرين لكتابة الشعر، فرأى البعض في ذلك فرصة لتعميم سذاجة قصيدة النثر. لكن القراءة المتأنية تجعلك ترى من يجعل من ذلك شعرا حقيقيا، حتى رغم افتقاده للوزن والقافية. الشعر في تعريفه البسيط صور فنية لمشاعر وأحاسيس وأفكار، من يستطيع أن يجسدها مع القصيدة العمودية أو قصيدة التفعيلة فليفعل. حينما ترى قصيدة عمودية لا تحكم عليها بالفشل مقدما، فهناك من يستطيع أن ينجو من الطريقة القديمة، وكذلك حين ترى قصيدة التفعيلة. الأمر نفسه في قصيدة النثر، فالبحث فيها يكون عن الصوة الشعرية، بعيدا عن أي قواعد قديمة. ثم لماذا تريدون بعد حوالي مائة سنة من معارك التجديد في الشعر، أن يكون كله على طريق واحد. انظروا مثلا للفن التشكيلي وكيف صارت مدارسه متعددة في التعبير عبر التاريخ. حتى الرواية لم تقف عند صورتها القديمة تاريخية أو كلاسيكية، فلماذا تحرمون الشعر من التطور والتغير، كأن القصيدة العمودية هي المقدسة، ولماذا يعطي ذلك البعض الفرصة، للتسفيه من شعراء كبار في مصر وخارجها.

مساحة إعلانية