رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إبراهيم عبد المجيد

كاتب وروائي مصري

مساحة إعلانية

مقالات

18

إبراهيم عبد المجيد

المركز والهامش

12 أغسطس 2026 , 11:22م

في مقال نشرته «الإندبندت» العربية يوم الخميس الماضي السادس من أغسطس، كتب الروائي الجزائري أمين زاوي مقالا بعنوان «هل هي نهاية المركزية المصرية في الثقافة أم بداية عودتها؟» في المقال حديث دافق عن مصر كمركز للإشعاع الثقافي مع بداية القرن العشرين، وتفاصيل وأسماء صارت علامات في سماء حياتنا المصرية والعربية. ثم كيف صار للدول العربية التي كانت تسمى «الأطراف» من الخليج والشام وشمال أفريقيا، إنتاج رائع في الشعر والنقد والرواية والترجمة والدراسات، مما جعل المركزية المصرية تنتهي، ومن ثم سؤاله هل يمكن أن تعيد تموقعها وبأي شكل وأي محتوى؟ ولأني أعرف أمين زاوي كروائي له أعمال رائعة، يكتبها باللغتين العربية والفرنسية، ولأعماله ترجمات عديدة، وأعرف أنه محب لمصر، فسأعتبر الحب وراء السؤال، وأوضح أشياء لم تأتِ في حديثه، ولها أهمية شديدة. 

حقا سبقت مصر العالم العربي مع بداية العصر الحديث في النهضة، وكان للثقافة والفنون فيها أثرها الكبير في العالم العربي، لكن مهم أن نتذكر أن كثيرا منها، رغم الأسماء المصرية الهامة، كان بأيدٍ عربية أيضا. كانت مصر مع بداية العصر الحديث، خاصة منذ أيام الخديوي إسماعيل، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ملاذا لكتاب وفنانين من العالم العربي، فروا من نير الاحتلال الفرنسي والإنجليزي، وجاءوا إلى مصر التي رغم أنها صارت تحت الاحتلال البريطاني، حققت مساحة كبيرة من حرية الرأي والحياة الليبرالية. جاء المسرح مع يعقوب صنوع اليهودي المصري حقا، في عهد إسماعيل، لكن في الصحافة والسينما مثلا فالأمر مختلف. جاء كتاب من الشام مثل سليم نقاش وأديب إسحق، فأسسا صحفا في الإسكندرية، مثل «المحروسة» في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وكذلك جريدة الأهرام التي أسسها الأَخوان اللبنانيان بشارة وسليم تكلا في نفس الأعوام، ثم أيضا دار الهلال التي أسسها اللبناني جورجي زيدان، وكذلك مجلات ثقافية مثل «المقتطف» التي جاءت من الشام واستقرت في مصر، وكان لها تأثير كبير خارجها. 

إذا نظرنا إلى السينما فأي مشاهدة للأفلام القديمة مع نشأة السينما، تجد فيها أسماء عربية وأجنبية، ويكفي أن تعرف أن الأخوين إبراهيم وبدر لاما الفلسطيني الأصل، كانا عائدين من أمريكا الجنوبية إلى فلسطين، واستراحا في الإسكندرية، فقررا عدم الرحيل، وأنشآ ستوديو سينمائيا في المدينة، وأخرجا وأنتجا الأفلام. 

كانت مركزية القاهرة الواضحة شكلا، وراءها موضوعيا مساحة الحرية، غير المتوافرة في غيرها. وكما أقول دائما كانت «مصر أم الدنيا» بذلك وليس بتاريخها الأقدم. للأسف حدث العكس بعد يوليو 1952. ورغم شعار القومية العربية، إلا أن هذه الصحف والمجلات تم تأميمها، وأصبحت صوتا للزعيم فقط، ويزداد هذا. كذلك كان إخراج الجاليات الأجنبية من مصر في الخمسينيات والستينيات. في تلك الأيام كانت بيروت ملاذا لمن لا يجدون فرصة النشر في مصر بسبب الرقابة وقتها.

طبيعي جدا مع النهضة في العالم العربي أن تختفي المركزية التي كانت اختفت بالفعل!

 إلى جانب ذلك فالعالم العربي الآن، يشهد نشاطات كبيرة في الثقافة والنشر يطول الحديث عنها. فضلا عن الجوائز العربية، التي تعجز مصر عنها، وبصفة خاصة قيمتها المالية، ومن ثم تجد المشاركين في جوائز مثل البوكر أو كتارا أو الشيخ زايد من المصريين مئات كل عام. هذا المثال وحده يؤكد أن ما كان هامشا صار المتن حقا، لكن السؤال هل للمركزية أهمية حتى تعود؟ لا أظن. مصر عامرة بالكتاب والمفكرين الذين ينفتح لهم العالم العربي، ومن ثم فالأمر بعد الثورة الرقمية، يتساوى فيه المركز والهامش.

مساحة إعلانية