رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شاهدت على الشاشات التونسية عودة المجاهد الأصيل الشيخ صالح كركر بعد ثلث قرن من السجون والمنافي قضى منها ثماني عشرة سنة كاملة في الإقامة الجبرية بقرار جائر من وزير داخلية فرنسا الأسبق شارل باسكوا بعد صفقة بينه وبين النظام البائد تقتضي ترحيل كركر إلى تونس مقابل توفير ملجأ تونسي أمين لإبن باسكوا المحكوم عليه في قضايا فساد بفرنسا. وقد ترافقنا أنا والشيخ صالح وعشرات من مقاومي الاستبداد في باريس ولندن وتأثرت كما تأثر التونسيون بعودة الشيخ صالح على كرسي نقال بعد إصابته منذ سنوات بجلطة أعاقت حركته وألزمته الفراش. وأنا كغيري ممن عرف الشيخ نتضرع للعلي القدير أن يشفيه ويعافيه وأن ينفع به وطنه وأمته وأن يجازيه عن شعبه أوفى الجزاء.
فالحمد لله على السلامة وعلى نعمة الحياة وعلى الصبر عند البلاء فإن الله لا يبتلي من المؤمنين إلا من يختارهم ويصطفيهم وأنت منهم. علاقتي بك يا شيخ صالح طريفة ونادرة لأني حين كنت مسؤولا في حزب بورقيبة الدستوري في بداية الثمانينيات أسمع باسمك ضمن من يعتبرهم الزعيم "إخوانجية" ونعتبرهم نحن الدستوريين المتعلقين بالهوية والملتفين حول محمد مزالي شركاء في الوطن بل نلتقي معهم في التعريب والأسلمة وصيانة الحريات. وأسعدني أن ذكر بهذه المعاني الدكتور حمودة بن سلامة في شهادته على منبر مؤسسة التميمي الجامعية حين انتهى إلى الخلاصة الصادقة التالية: "لقد تم عزل مزالي من رئاسة الحكومة واضطهاده لأنه تحاور سرا مع الإسلاميين وكان يعمل من أجل الاعتراف بحركتهم وإدراجهم في مشروع "دمقرطة الحياة السياسية".
وأنا ذكرت في كتابي الصادر سنة 2005 (ذكريات من السلطة إلى المنفى) الذي نشر في حضرة السلطان الجائر لا بعد رحيله بأن سعيدة ساسي "سيدة القصر آنذاك ودمية الطاغوت والجهل" سحبتني من يدي منتصف نهار الثالث من أغسطس سنة 1986 في قصر المرمر بالمنستير وكنت جالسا وراء خالها بورقيبة بالضبط مدعوا لحفلة من الحفلات التي كان الزعيم يقيمها بمناسبة عيد ميلاده بعد شهر من إقالة صديقي محمد مزالي طيب الله ثراه وقالت لي سعيدة بلهجتها السوقية: "اسمع يا سي أحمد خالي قضى طول عمره يقاوم الإخوانجية وصاحبك (تقصد مزالي) يحب يعطيهم الحكم".
كانت هذه الرسالة كافية لكي نبدأ رحلة المنفى لأن وراءها ومن أوحى بها لسعيدة ساسي "النجم الصاعد زين العابدين بن علي" الذي شرع يدبر المناورات الكبرى التي أدت بتونس إلى السابع من نوفمبر. وفي مغامرات عجيبة قصصت بعضها في كتابي "انتقلنا إلى منفانا من جنيف إلى فرنكفورت" ثم "إلى مستقرنا الطويل والأمين باريس". وهنا التقينا بثلة من المضطهدين الصامدين لا يتجاوز عددهم العشرة منهم الدستوريون والوزراء السابقون أمثال أحمد بن صالح وأحمد بنور والطاهر بلخوجة وعلي السعيدي الذي "مات" مقتولا بعد ذلك في ظروف غامضة بتونس ومنهم اليساريون أمثال منذر صفر ومنهم الإسلاميون أمثال الشيخ صالح كركر والحبيب المكني ورؤوف بولعابي ومنهم بعض الشباب الغاضب والرافض للقهر أمثال عبدالعزيز العقوبي والمازري الحداد وسليم بقة ومنهم من سبقونا للمنفى أمثال المناضل القومي محمد الشابي والمحامي محمد بكار والمهندس الأول المنصف ثريا. وجئنا أنا ومحمد مزالي في صيف 1986 لتكتمل صورة هؤلاء الرواد لمقاومة العسف والتنديد بالاستبداد وكانت تونس لا تزال تحت سحر اللحظة التي فصلت ما بين بورقيبة الذي خرف وانهار عهده وبين ابن علي الذي وعد بغد أفضل تحول بسرعة إلى سراب وكومة هشيم ثم إلى كابوس وانتهى بثورة الكرامة يوم 14 يناير 2010.
وأذكر لقاءاتنا العديدة في شقة محمد مزالي (5 شارع فرساي بباريس) مع الشيخ راشد الغنوشي حين كان يسمح له بتأشيرة من لندن إلى باريس فنسهر معا صحبة الشيخ صالح كركر والحبيب المكني ورؤوف بولعابي ورضا إدريس ويلتحق بنا الصديق أحمد بن صالح فنخطط معا لمقاومة الطاغوت يجمع بيننا جميعا سوط الملاحقات وسيف انتهاك أعراضنا في صفحات الجريدي وعبدالوهاب عبدالله ويجمع بيننا أكثر من ذلك الإيمان بأن تونس يمكنها أن تكون أفضل وأروع وأسلم. واكتشفنا أنا وأحمد بن صالح ومحمد مزالي أن الشيخ صالح وطني معتدل في منهج الإصلاح يتقبل الرأي المخالف بلطف في التعبير مصحوب بحزم في المبادئ وصلابة في مناهضة الباطل. وبدا لنا بأن الشيخ صالح عكس ما يتصوره البعض إنما هو رجل وفاق ورجل عمل مخطط ومنظم ولعل ذلك ثمرة تخصصه الجامعي في التخطيط والإحصاء.
وفوجئت بعد بعض لقاءاتنا بأيام باستدعاء أبلغه لي عون أمن فرنسي أحتفظ به إلى اليوم يدعوني لمقر المخابرات الفرنسية (إدارة الأمن الداخلي) لمقابلة المحافظ السيد (كارفان). ولم تكن تلك المرة الأولى التي أزور فيها ذلك المقر بالدائرة الخامسة عشرة بباريس إذ سبق أن استدعيت بعد مداخلة قدمتها في فضاء (البورجيه) في مؤتمر الجمعيات الإسلامية بأوروبا وتكلمت فيها عن الخلافة والشريعة والعنصرية. ذهبت في الموعد وأنا متخوف من مؤامرات النظام التونسي فإذا بالتحقيق يتركز على صالح كركر وما إذا كان هو الذي يتزعم جناحا عسكريا لحركة النهضة فأكدت للمحافظ (كارفان) أن الرجل مسلم معتدل ومسالم وأن النهضة حركة ثقافية وسياسية مدنية ولا تنادي بعنف أو انقلاب. ثم علمنا أن الشيخ صالح مهدد بإرساله إلى تونس وبعد تدخلات عديدة تم إيداعه الإقامة الجبرية دون أي محاكمة. ورحلت أنا إلى ملجأي الثاني الأمين في الدوحة واستمر عذاب الشيخ من إقامة إلى إقامة جعل الله كل تضحياته في ميزان حسناته وهنيئا له ولنا عودته محفوفا بأهله ورفاقه إلى أرض تونس التي ضحى من أجلها كأروع وأصدق ما تكون التضحيات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم يجد أنه مسارٌ مرنٌ ومنضبطٌ في آنٍ معًا؛ مرنٌ من حيث قدرته على التناغم مع المنظومة الدولية القائمة والمفروضة، ومنضبطٌ من حيث حفاظه على أهدافه العليا في استقرار المنطقة. ومن هنا تنبثق جملةٌ من التساؤلات الضرورية: ما موقع دول المحور اليوم؟ وما موقفها مما يجري في المنطقة من حولها؟ وهل ثمة تأثيرات سلبية للمليشيات العسكرية في دول الجوار على طموحاتها ورؤيتها ونهضتها الاستثمارية؟ وكيف تتعامل المملكة العربية السعودية مع دول المحور تجاه ما يجري في الساحتين الإقليمية والدولية، لاسيما في ما يتصل بتمويل الجماعات الانفصالية المسلحة وتقويض أمن اليمن والسودان؟ وفي تقديري أن هذه القضايا جميعها مطروحة على طاولة الاجتماعات السياسية والاقتصادية، عبر لجان التنسيق المشترك التي عقدتها السعودية مؤخرًا مع قطر وتركيا. ومما لا ريب فيه أن تثبيت السعودية وقطر وسلطنة عُمان لدعائم البيت الخليجي، وتحصين هويته التنموية وأهدافه الجيوسياسية من التصدّع، لا يعني بالضرورة استتباب الأمن والاستقرار الكامل، إذ لا يمكن لهذه الدول أن تنعم بالاستقرار وتحقق طموحاتها التنموية بمعزل عن محيطها الساخن، ولا سيما في البلدان العربية. ولا شك أن السعودية تُدرك هذه الحقيقة سلفًا؛ فالاستقرار لا يتجزأ، بمعنى أن استقرار أي بلد لا يكتمل إلا باستقرار البلدان المجاورة، أي عبر الاستقرار الإقليمي، ومن ثم العالمي. وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي فرضها القطاع الاستثماري الواعد الجديد على المملكة، وما شكّله من ضغطٍ على إمكاناتها المتاحة، فإنها تراقب عن كثب عدة ملفات ساخنة في آنٍ واحد، بل تؤدي دورًا مؤثرًا في اتفاقيات التهدئة. فهي فاعلٌ ومتفاعلٌ في الوقت نفسه؛ فاعلٌ إيجابي عبر أدوار الوساطة والتنسيق وجمع الأطراف المتناقضة على طاولة المفاوضات، ومتفاعلٌ من خلال مرونتها وقدرتها على امتصاص الصدمات المباغتة، خاصة في ما يتصل بالملف اليمني، فضلًا عن مرونتها في التعاطي الدبلوماسي مع الخصوم. إن رياح التغيير السعودية لا تصطدم برياح التغيير الإقليمية أو العالمية، بل تتفاعل معها إيجابيًا، وتتحاشى انعكاساتها السلبية، وهي نقطة تُحسب لصالح الدبلوماسية السعودية، خلافًا لما يراه بعض المراقبين من أنها تحاول التنصّل من القضايا ذات الشأن. فهذه النظرة قاصرة؛ إذ إن المملكة العربية السعودية، وإن تأثرت بسخونة الملفات المحيطة بها، فإن رؤيتها وطموحاتها الواعدة لا تزال قائمة وتسير بثبات، لما تتسم به من مرونة تسمح بالتعامل مع الملفات بصيغ متعددة، واستبدال أدوات السياسة وفق ما يطرأ من متغيرات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
690
| 21 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
672
| 25 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة، وقد جسّد الحديث النبوي الشريف «خيرُ الناس أنفعُهم للناس» رؤية أخلاقية عميقة تجعل من نفع الإنسان لأخيه الإنسان معيارًا حقيقيًا للقيمة والأثر. ولا يقتصر هذا النفع على الدعم المادي أو المبادرات الظرفية، بل يتجسد بصورة أعمق في الإيمان بقدرات الآخرين، وتمكينهم من أداء أدوارهم بثقة ومسؤولية. إن الإيمان بقدرات الأفراد يمثل أحد أهم أشكال الدعم المستدام، إذ يسهم في بناء شخصية قادرة على العطاء والمبادرة، ويعزز روح الانتماء والمسؤولية المجتمعية. فحين يشعر الإنسان بأن هناك من يثق بإمكاناته ويقدّر جهوده، يصبح أكثر قدرة على تجاوز التحديات، وأكثر التزامًا بالمشاركة الإيجابية في خدمة مجتمعه. وتشير التجارب التنموية إلى أن المجتمعات التي تقوم على ثقافة الثقة والدعم المتبادل، تحقق مستويات أعلى من التماسك الاجتماعي والاستقرار المؤسسي. فالدعم المعنوي، المتمثل في التشجيع، والتقدير، ومنح الفرص العادلة، يعد عنصرًا أساسيًا في إطلاق الطاقات الكامنة، خاصة لدى فئة الشباب، الذين يمثلون عماد الحاضر وأمل المستقبل. كما أن الإيمان بقدرات الآخرين يسهم في ترسيخ قيم التعاون والعمل الجماعي، ويعزز رأس المال الاجتماعي الذي تعتمد عليه الدول في مساراتها التنموية. فالتنمية الحقيقية لا تُبنى بالإنجازات الفردية المعزولة، بل تقوم على منظومة متكاملة يشعر فيها كل فرد بأن له دورًا مؤثرًا ومسؤولية مشتركة. وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات متسارعة، تبرز الحاجة إلى خطاب مجتمعي يعلي من قيمة الدعم الإنساني القائم على الثقة والتمكين، بوصفه مدخلًا لبناء مجتمعات قادرة على الصمود والتجدد. فالكلمة الإيجابية، والثقة الصادقة، والإيمان بالقدرات، قد تكون في كثير من الأحيان نقطة التحول في مسيرة فرد، وأثرها يمتد ليشمل المجتمع بأسره. ختامًا، يظل نفع الناس للناس هو جوهر الرسالة الإنسانية، وأحد أهم مقومات النهضة المجتمعية. فحين نؤمن بقدرات بعضنا البعض، وندعم مسارات النجاح، نكون قد جسّدنا المعنى الحقيقي للخيرية، وأسهمنا في بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستدامة
627
| 22 يناير 2026