رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحرب… شكل من أشكال السياسة تمارس بعنف، محكومة بتحقيق (غرض) محدد يصدره للمؤسسة العسكرية قائد سياسي في إطار توجيه مكتوب. وهو أي (غرض) الحرب من الأهمية بمكان، لأنه يرسم تفاصيل الخطط العملياتية واللوجستية ويعمل على توجيه الجهود بشكل فعال ويحقق التنسيق والتعاون الأمثل بين القطاعات على تنوعها، بل يمكن القول إن دقة تحديد (غرض) الحرب وقابليته على التحقق - الجانب العملي - هي من بين عوامل هامة أخرى - حاسمة في تحقيق نتائج العمليات العسكرية، نصراً أو هزيمة، لذلك الاعتناء به واجب.
(السيوف الحديدية) هو الاسم الذي أطلقه الكيان الصهيوني على العمليات العسكرية على غزة، وكان الأجدر تسميتها (نزع السراويل !!) كما يقول الكاتب حاييم ليفنجستون في جريدة هآرتس، واختار لها رئيس الحكومة نتن ياهو غرضين: «القضاء على حماس، واستعادة الأسرى لدى كتائب الأقصى»، وبعد تسعة أشهر من العدوان تتلاشى آمال الصهاينة في تحقيقها على الرغم من حجم النيران التي فتحت على غزة المحاصرة أصلاً والإبادة الجماعية واسعة النطاق، وهو ما كان تنبأ به عدد غير قليل من المفكرين الإستراتيجيين انتقدوا وحذروا منذ البداية من العمل بنص التوجيه. بينما انتظر جنرالات جيش الاحتلال الصهيوني قتلة الأطفال ثمانية أشهر ليتذكروا أن أغراض الحرب على غزة وعلى وجه الخصوص (غرض القضاء على حماس) ليست غير منطقية فحسب، إنما غير عملية، أي لا يمكن بأي حال من الأحوال تحقيقها…!!!
جاء ذلك في تصريحات المتحدث باسم الجيش دانيال هاغاري «بأن الحديث عن تدمير حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ذر للرماد في عيون الإسرائيليين»، وأضاف في تصريح آخر للقناة 13 الإسرائيلية «فكرة أننا نستطيع تدمير حماس، أو جعلها تختفي فكرة مضللة للجمهور»، مبينا أن «حماس فكرة، ولا يمكننا القضاء على فكرة».
الجنرالات تجاهلوا هذه التحذيرات وفضلوا المضي على عجل بالعدوان منذ اللحظة الأولى، بعد أن أخذتهم صدمة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 من جهة، والشعور الطاغي بالقوة الجبارة (التي لا تقهر!!) تحت تصرفهم والدعم الأمريكي البريطاني غير المحدود من جهة ثالثة، حالهم حال مجنون أصابته هستيريا وبيده آلة قتل مدمرة، فهل سيفكر بالانتقام العاجل ويشفي غليله أم ينصرف لدراسة التوجيه ويتأمل فيه وفي مضامينه ومدى عقلانيته وإمكانية تحقيقه، بحكمة وروية، أكيد سيقع رهينة الاحتمال الأول، وهذا ما حصل بالفعل…
جيش الاحتلال أخطأ في حساباته واكتشف بعد شهور أن حسابات الحقل غير حسابات البيدر! وأنه فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق (غرض) الحرب، لكن لأن الهزيمة يتيمة أو قل لقيطة لا أحد يشرفه أبوتها أو انتسابها له، ولكي يخلي رئيس الأركان هاليفي نفسه من مسؤولية الفشل، وجد أن أفضل طريقة هي في تحميلها رئيس حكومة الاحتلال! من خلال تعريضه المتأخر جداً بـ (غرض) الحرب والطريقة التي كان صاغها رئيس الوزراء على شكل توجيه يفتقر للوضوح والمنطق، وإمكانية التحديد والقياس، يريد أن يقول للإسرائيليين إن رئيس حكومتكم هذا ليس فقط جاهلا بل وغير مؤهل لإدارة حرب ناجحة وهو بالتالي يتحمل الإخفاق في تحقيق (غرض) الحرب.
تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» وصف تصريحات الجيش الإسرائيلي بأنها «توبيخ مباشر نادر» لنتانياهو، الذي طالما يشدد على تحقيق ما يسميه بـ»الانتصار الكامل» من خلال ثنائية القضاء على حماس، وإعادة جميع الرهائن الإسرائيليين.
رئيس الحكومة نتن ياهو هو الآخر لم يتأخر بالرد على تشكيك المؤسسة العسكرية واعتبره بمثابة انقلاب على القيادة السياسية المعنية مباشرة بوضع (غرض) الحرب للمؤسسة العسكرية كي تعتمدها كمرشد ودليل لرسم تفاصيل خطط العمليات الحربية واللوجستية، لم ينتظر بل رد على الجيش الإسرائيلي بقوله إن «إسرائيل دولة لها جيش وليست جيشا له دولة»، هو بالمناسبة لم يرد على ملاحظات الجيش حول عدم فاعلية (غرض) الحرب، بل ذهب إلى إدانة انضباط الجيش لا غير، بينما ترك ولده ومؤيدوه للطعن بكفاءة الجيش وقدراته على حسم المعركة لصالحه، بينما هو لم يكن يفوّت فرصة خلال الشهور الماضية لإلقاء اللوم على كبار قادة الجيش والاستخبارات بخصوص ما حدث في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي حين شنت كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس معركة طوفان الأقصى.
من الواضح أن القيادة في الكيان الصهيوني تعاني حالة استعصاء غير مسبوقة، وقد حل الشك محل الثقة المتبادلة بين السياسي والعسكري، وتعاظم الصراع بين المؤسستين وبات حقيقيا لا شكليا، لكن الطرفان مع ذلك تجمعهما الرغبة المشتركة في إطالة أمد الحرب، وكأن هذه الرغبة أصبحت بمثابة (الغرض) المستور أو غير المعلن من الحرب، والكل يراقب الفشل الذريع في تحقيق (غرض) الحرب المعلن لابد من كبش فداء، وعين نتن ياهو على المؤسسة العسكرية بينما عين الأخيرة لا تغادر شخصه، والطرفان يتطلعان إلى تصفية حسابات قديمة مستفيدين من ضبابية التوجيه للحرب.
وهكذا أصبح غرض الحرب لا سيما المتعلق (بالقضاء على حركة حماس) وسيلة لا لإنجاز الحرب بوقت معقول بل إلى الدفع بحرب بلا أفق …. حرب لن تفضي إلى نصر …حرب بعد أشهر من اندلاعها لا يزال غرضها مثار جدل، يتبادل فيها العسكري والسياسي الاتهامات… مثل هكذا حرب لن يكتب لها الظفر خصوصا إذا ما تراكمت معها أسباب أخرى.
كما يقول عاموس هارئيل المحلل بصحيفة هآرتس إن «سلسلة من المناقشات أجريت الأسابيع القليلة الماضية مع شخصيات رفيعة المستوى في مؤسسة الدفاع تشير بشكل متزايد إلى أن إسرائيل تتجه نحو فشل ذريع متعدد الأبعاد».
لنا في التاريخ العسكري قصة نختم بها، ففي 23 يوليو 1942 أصدر هتلر التوجيه التالي لاحتلال ستالينغراد كغرض فرعي للحرب على روسيا (بربروسا):
«الغرض الرئيسي هو السيطرة على مدينة ستالينغراد وتدمير الدفاعات السوفيتية في المنطقة وقطع خطوط الإمداد الرئيسية للعدو».
توجيه واضح المعالم قابل للقياس، ومع ذلك تحول الهجوم على ستالينغراد إلى معركة استنزاف طويلة ودموية بين الجيش الألماني المهاجم والمدافعين عن المدينة.
معركة ستالينغراد بدأت في 23 أغسطس 1942 وانتهت في 2 فبراير 1943، بهزيمة إستراتيجية للجيش الألماني الغازي. هذا الانتصار كان نقطة تحول رئيسية في الحرب العالمية الثانية، حيث أوقف تقدم القوات الألمانية وبدأ سلسلة من الهزائم التي انتهت في النهاية بسقوط الرايخ الثالث.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه حتى مع وضوح (الغرض) على أهميته فإنه لم يسعف هتلر ويمنع هزيمة جيشه، ذلك أن قتال الجيش النظامي في المدن والحضر (المناطق المبنية) مهمة شاقة والنصر فيها عزيز ونادر، خصوصا إذا كان الجيش قد درب على الحرب الخاطفة، وتصدت له مجاميع من مقاتلين تمترسوا خلف الأنقاض وداخل البيوت المهدمة والشوارع المحفورة وبين الخدمات والمرافق المخربة… مقاتلين بواسل يحملون أرواحهم على أكفهم، ينشدون الشهادة كما ينشد غيرهم زينة الحياة الدنيا… حتى لو كانت ذليلة.
الحاصل، مسار الحرب في غزة ونتائجها حذر منه لواء الاحتياط بالجيش الإسرائيلي إسحاق بريك في مايو/أيار الماضي حين ذكر أن الجيش لا يملك القدرة على إسقاط حركة حماس حتى لو طال أمد الحرب، مشيرا إلى أن إسرائيل إذا استمرت في الحرب ستتكبد خسائر جسيمة تتمثل في انهيار جيش الاحتياط الإسرائيلي خلال فترة وجيزة.
المحتل الصهيوني يريدها حربا طويلة بلا أفق ولا غرض واضح، يقتل فيها كل يوم المزيد من الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة ويدمر ويخرب فيها كل شيء، ونريدها بالمقابل (حرب استنزاف) تتفاقم فيها خسائره وتتحول فيها غزة إلى مأزق إستراتيجي يتعلم منه الغازي المحتل درس الحياة، ويعيد بموجبها حساباته ومن بينها صياغة (غرض) للحرب، يعبر عن واقع الحال، وهو أكثر وضوحاً ودقة:
(القضاء على حماس غرض… يستحيل تحقيقه).
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام
ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله فيها أبوابًا من الرحمة والقبول لا تتكرر في غيرها، ومن... اقرأ المزيد
111
| 22 مايو 2026
معرض الدوحة للكتاب وترسيخ الوعي بالهوية
تعكس زيارة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمس، إلى معرض الدوحة... اقرأ المزيد
93
| 22 مايو 2026
بالتعليم المبكر نصنعُ الغد
معلمة الطفولة لا تُخرّج طلابًا فحسب، بل تُسهم في صناعة مستقبل الأمة؛ فهي تبذر البذور الأولى للأخلاق، والهوية،... اقرأ المزيد
54
| 22 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1428
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1233
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
972
| 16 مايو 2026