رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الحروب الكبرى، لا يكون السؤال الأهم: من قاتل أفضل ؟ ولا من امتلك سلاحاً أشد فتكاً؟ بل ولا حتى من أوقع بالآخر افدح الخسائر؟ السؤال الحاسم الذي يبقى بعد أن تسكت المدافع هو: ماذا حققت؟.
حين تكون نتائج الحرب جلية كوضوح الشمس، لا يختلف اثنان في توصيفها. فهزيمة دول المحور في الحرب العالمية الثانية لم تكن محل جدل، كما أن استسلام اليابان بعد هيروشيما وناغازاكي أغلق باب التأويل تمامًا.
وفي فيتنام، اختزل مشهد المروحية الأمريكية وهي تغادر سطح السفارة في سايغون – على عجلٍ وتحت وطأة الانهيار – حقيقة الهزيمة الأمريكية، رغم عدم إعلان استسلام رسمي.
هكذا تُحسم بعض الحروب بوضوحٍ صارخ: منتصرٌ ومهزوم… بلا حاجة إلى روايات متعارضة …
لكن الحروب الحديثة – أو ما يمكن تسميته بالحروب السياسية المركّبة – لم تعد تُحسم بوضوح، تنتهي المعارك ويتوقف إطلاق النار، ثم يخرج كل طرف معلنًا انتصاره !! وكأن الحقيقة لم تعد واقعة موضوعية بل رواية مختلف عليها، أو شرف متنازع عليه.
في هذه الحالات، لا يكون الخلاف في الوقائع بقدر ما يكون في تفسيرها وزاوية النظر إليها. وأقرب مثال على ذلك المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والكيان المحتل من جهة أخرى؛ إذ توقفت العمليات قبل أيام بقرار ضمني مشترك، لكن المفارقة أن الطرفين أعلنا النصر!.
إيران عزت ذلك إلى صلابة إرادتها وقدرتها على الصمود والمطاولة، فيما رأت الولايات المتحدة أن تفوقها الناري وما ألحقته من ضربات نوعية، قتلت قيادات، ودمرت بنى تحتية عسكرية ومدنية، نووية وتقليدية يمثل دليل انتصارها. ومع ذلك، لم ينجح أي منهما في إجبار الآخر على الاستسلام ورفع الراية البيضاء.
هنا تبرز إشكالية عميقة تناولها كبار منظري الحرب. فقد رأى كارل فون كلاوزفيتز أن الحرب ليست سوى امتداد للسياسة بوسائل أخرى، وبناءً عليه فإن النصر الحقيقي هو فرض الإرادة السياسية على الخصم، لا مجرد تحقيق تفوق عسكري عابر. بينما ذهب صن تزو إلى أن أعظم الانتصارات هي تلك التي تتحقق بأقل كلفة ممكنة، بل دون قتال إن أمكن. أما هانز مورغنثاو فقد ربط النصر بميزان القوى، أي بما يترتب على الحرب من زيادة في النفوذ لا بما يُعلن عنها لحظة انتهائها.
من هنا، يصبح من الخطأ الفادح أن نُسلّم بروايات الأطراف المتحاربة، فكل طرف – بطبيعته – “يغني على ليلاه”، ويعيد صياغة النتائج بما يخدم مصلحته، ويتناسب مع رغباته، يجتهد في رفع منسوب الانتصار في خطابه، حتى وإن كانت الوقائع تشير إلى خلاف ذلك.
فكيف نحكم إذن ؟
أولاً: لا بد من العودة إلى الأهداف المعلنة للحرب. فالدولة التي تدخل الحرب لتحقيق غاية محددة، ثم تفشل في بلوغها، لا يمكن وصفها بالمنتصرة مهما كان حجم الدمار الذي ألحقته بخصمها. وعلى العكس، فإن طرفاً أضعف قد يُعد منتصراً إذا نجح في منع خصمه من تحقيق أهدافه الأساسية.
ثانياً: يجب النظر إلى الكلفة مقابل العائد، فالحرب التي تستهلك موارد الدولة، وتستنزف مجتمعها، وتدمر بنيتها، قد تتحول إلى نصر باهظ الثمن، أقرب إلى الهزيمة المؤجلة. وهنا تلتقي الحكمة القديمة مع التجارب الحديثة: ليس كل من ربح المعركة ربح الحرب. ثالثاً: الإرادة والمعنويات. فثمة حروب لم تُحسم عسكرياً، لكن أحد أطرافها أصابه الإرهاق وتعب نفسياً، فيما صمد الطرف الآخر رغم الخسائر، وفي هذه الحالة، تصبح القدرة على الاستمرار بحد ذاتها شكلاً من أشكال النصر، لأنها تعني فشل الخصم في كسر الإرادة، صمود غزة مثلاّ.
رابعاً: النتائج بعيدة المدى. فكم من حرب بدا فيها طرف منتصراً في لحظتها، ثم تبيّن لاحقاً أنه مهزوم استراتيجياً، العبرة ليست بما يحدث عند وقف إطلاق النار، بل بما يحدث بعده: من خرج أقوى؟ ومن خرج أكثر هشاشة؟ المثال، استعادة حركة طالبان الحكم في افغانستان عام 2021 بعد عشرين سنة من سقوط كابول عام 2001.
خامساً: السردية والشرعية. ففي زمن الإعلام المفتوح، لم تعد المعركة عسكرية فقط، بل هي أيضاً معركة رواية. من يكسب الرأي العام، ويُقنع العالم بعدالة قضيته، يحقق نوعاً من التفوق قد لا يقل أهمية عن التفوق الميداني.
في ضوء هذه المعايير، يمكن فهم كثير من الحروب المعاصرة التي انتهت دون حسم واضح، توقفت العمليات، لكن لم تُحسم النتائج، فادّعى الجميع النصر، وبقي الحكم الحقيقي معلقاً بانتظار الزمن… لأنه وحده الكفيل بكشف ما إذا كان ما تحقق نصراً حقيقياً أم مجرد وهم سياسي.
إن النصر في الحروب لم يعد لحظة تُرفع فيها الرايات، بل معادلة معقدة تتداخل فيها السياسة مع القوة، والإرادة مع الكلفة، والواقع مع الرواية. ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بعد كل حرب ليس: من أعلن انتصاره؟ بل:
من حقق أهداف الحرب ؟
من دفع كلفة أقل؟
ومن بقي صامداّ حين سكتت المدافع؟
تلك هي الأسئلة التي تقودنا إلى الحقيقة… بعيداً عن ضجيج الدعاية، وصخب المدّعين بالنصر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
4164
| 07 يوليو 2026
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
3996
| 04 يوليو 2026
قدَّم منتخب الرأس الأخضر في مواجهته أمام الأرجنتين نموذجًا كرويًا يتجاوز القراءة التقليدية لمعادلة القوة في كرة القدم، حيث لم يعد الاسم أو الإرث التاريخي معيارًا حاسمًا لتحديد ملامح التفوق، بل أصبحت التفاصيل الدقيقة داخل المستطيل الأخضر هي التي تعيد تشكيل موازين الهيبة بين المنتخبات. لقد دخل الرأس الأخضر اللقاء بعقلية لا تكتفي بردّ الفعل، بل تسعى إلى فرض وجودها كقيمة تنافسية قائمة بذاتها. انضباط يتجاوز الشكل التكتيكي إلى وعيٍ جماعي بكيفية إدارة مجريات المباراة، حيث بدا الفريق وكأنه يتحرك كوحدة واحدة تُدرك بدقة متى تهاجم ومتى تُحسن التمركز، ومتى تُعيد ضبط إيقاعها أمام ضغط خصم يملك خبرة وتاريخًا وثقلاً عالميًا. وفي هذا السياق، لم تكن المواجهة مجرد اختبار فني، بل امتحانًا ذهنيًا أمام أحد أكثر المنتخبات اكتمالًا في كرة القدم الحديثة. فالأرجنتين، رغم تفوقها الفردي، وجدت نفسها أمام خصم لا يمنحها لحظات راحة، ويجبرها على التعامل مع كل تفصيلة في المباراة بجدية كاملة، وكأنها مواجهة مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة. ما قدمه الرأس الأخضر في هذه المواجهة لا يُختزل في أداء لحظي، بل في نموذج سلوكي يعكس أن الهيبة ليست قيمة ثابتة في كرة القدم، بل بناء نفسي يتغير وفق طريقة استقباله من الطرف الآخر. فعندما يُلغى هذا البناء من الوعي، تتغير طبيعة المباراة نفسها. ورغم الخروج من البطولة، فإن الأثر الذي يتركه هذا النوع من الأداء يتجاوز حدود المنافسة اللحظية، ليصبح جزءًا من الذاكرة الكروية التي تُنصف الفرق التي تُجيد صناعة صورتها داخل الملعب حتى في لحظات الخسارة. كلمة أخيرة: قدّم منتخب الرأس الأخضر درسًا مباشرًا للمنتخبات التي تفتقر إلى الشجاعة داخل الملعب، إذ يثبت أن الجرأة المنضبطة والوعي الجماعي ليسا مجرد أدوات تكتيكية، بل قوة قادرة على قلب موازين المواجهة، وكسر الفوارق مع المنتخبات الكبرى، وفرض الندية الحقيقية بعيدًا عن سطوة الاسم أو التاريخ.
1443
| 05 يوليو 2026