رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحرب… شكل من أشكال السياسة تمارس بعنف، محكومة بتحقيق (غرض) محدد يصدره للمؤسسة العسكرية قائد سياسي في إطار توجيه مكتوب. وهو أي (غرض) الحرب من الأهمية بمكان، لأنه يرسم تفاصيل الخطط العملياتية واللوجستية ويعمل على توجيه الجهود بشكل فعال ويحقق التنسيق والتعاون الأمثل بين القطاعات على تنوعها، بل يمكن القول إن دقة تحديد (غرض) الحرب وقابليته على التحقق - الجانب العملي - هي من بين عوامل هامة أخرى - حاسمة في تحقيق نتائج العمليات العسكرية، نصراً أو هزيمة، لذلك الاعتناء به واجب.
(السيوف الحديدية) هو الاسم الذي أطلقه الكيان الصهيوني على العمليات العسكرية على غزة، وكان الأجدر تسميتها (نزع السراويل !!) كما يقول الكاتب حاييم ليفنجستون في جريدة هآرتس، واختار لها رئيس الحكومة نتن ياهو غرضين: «القضاء على حماس، واستعادة الأسرى لدى كتائب الأقصى»، وبعد تسعة أشهر من العدوان تتلاشى آمال الصهاينة في تحقيقها على الرغم من حجم النيران التي فتحت على غزة المحاصرة أصلاً والإبادة الجماعية واسعة النطاق، وهو ما كان تنبأ به عدد غير قليل من المفكرين الإستراتيجيين انتقدوا وحذروا منذ البداية من العمل بنص التوجيه. بينما انتظر جنرالات جيش الاحتلال الصهيوني قتلة الأطفال ثمانية أشهر ليتذكروا أن أغراض الحرب على غزة وعلى وجه الخصوص (غرض القضاء على حماس) ليست غير منطقية فحسب، إنما غير عملية، أي لا يمكن بأي حال من الأحوال تحقيقها…!!!
جاء ذلك في تصريحات المتحدث باسم الجيش دانيال هاغاري «بأن الحديث عن تدمير حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ذر للرماد في عيون الإسرائيليين»، وأضاف في تصريح آخر للقناة 13 الإسرائيلية «فكرة أننا نستطيع تدمير حماس، أو جعلها تختفي فكرة مضللة للجمهور»، مبينا أن «حماس فكرة، ولا يمكننا القضاء على فكرة».
الجنرالات تجاهلوا هذه التحذيرات وفضلوا المضي على عجل بالعدوان منذ اللحظة الأولى، بعد أن أخذتهم صدمة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 من جهة، والشعور الطاغي بالقوة الجبارة (التي لا تقهر!!) تحت تصرفهم والدعم الأمريكي البريطاني غير المحدود من جهة ثالثة، حالهم حال مجنون أصابته هستيريا وبيده آلة قتل مدمرة، فهل سيفكر بالانتقام العاجل ويشفي غليله أم ينصرف لدراسة التوجيه ويتأمل فيه وفي مضامينه ومدى عقلانيته وإمكانية تحقيقه، بحكمة وروية، أكيد سيقع رهينة الاحتمال الأول، وهذا ما حصل بالفعل…
جيش الاحتلال أخطأ في حساباته واكتشف بعد شهور أن حسابات الحقل غير حسابات البيدر! وأنه فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق (غرض) الحرب، لكن لأن الهزيمة يتيمة أو قل لقيطة لا أحد يشرفه أبوتها أو انتسابها له، ولكي يخلي رئيس الأركان هاليفي نفسه من مسؤولية الفشل، وجد أن أفضل طريقة هي في تحميلها رئيس حكومة الاحتلال! من خلال تعريضه المتأخر جداً بـ (غرض) الحرب والطريقة التي كان صاغها رئيس الوزراء على شكل توجيه يفتقر للوضوح والمنطق، وإمكانية التحديد والقياس، يريد أن يقول للإسرائيليين إن رئيس حكومتكم هذا ليس فقط جاهلا بل وغير مؤهل لإدارة حرب ناجحة وهو بالتالي يتحمل الإخفاق في تحقيق (غرض) الحرب.
تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» وصف تصريحات الجيش الإسرائيلي بأنها «توبيخ مباشر نادر» لنتانياهو، الذي طالما يشدد على تحقيق ما يسميه بـ»الانتصار الكامل» من خلال ثنائية القضاء على حماس، وإعادة جميع الرهائن الإسرائيليين.
رئيس الحكومة نتن ياهو هو الآخر لم يتأخر بالرد على تشكيك المؤسسة العسكرية واعتبره بمثابة انقلاب على القيادة السياسية المعنية مباشرة بوضع (غرض) الحرب للمؤسسة العسكرية كي تعتمدها كمرشد ودليل لرسم تفاصيل خطط العمليات الحربية واللوجستية، لم ينتظر بل رد على الجيش الإسرائيلي بقوله إن «إسرائيل دولة لها جيش وليست جيشا له دولة»، هو بالمناسبة لم يرد على ملاحظات الجيش حول عدم فاعلية (غرض) الحرب، بل ذهب إلى إدانة انضباط الجيش لا غير، بينما ترك ولده ومؤيدوه للطعن بكفاءة الجيش وقدراته على حسم المعركة لصالحه، بينما هو لم يكن يفوّت فرصة خلال الشهور الماضية لإلقاء اللوم على كبار قادة الجيش والاستخبارات بخصوص ما حدث في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي حين شنت كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس معركة طوفان الأقصى.
من الواضح أن القيادة في الكيان الصهيوني تعاني حالة استعصاء غير مسبوقة، وقد حل الشك محل الثقة المتبادلة بين السياسي والعسكري، وتعاظم الصراع بين المؤسستين وبات حقيقيا لا شكليا، لكن الطرفان مع ذلك تجمعهما الرغبة المشتركة في إطالة أمد الحرب، وكأن هذه الرغبة أصبحت بمثابة (الغرض) المستور أو غير المعلن من الحرب، والكل يراقب الفشل الذريع في تحقيق (غرض) الحرب المعلن لابد من كبش فداء، وعين نتن ياهو على المؤسسة العسكرية بينما عين الأخيرة لا تغادر شخصه، والطرفان يتطلعان إلى تصفية حسابات قديمة مستفيدين من ضبابية التوجيه للحرب.
وهكذا أصبح غرض الحرب لا سيما المتعلق (بالقضاء على حركة حماس) وسيلة لا لإنجاز الحرب بوقت معقول بل إلى الدفع بحرب بلا أفق …. حرب لن تفضي إلى نصر …حرب بعد أشهر من اندلاعها لا يزال غرضها مثار جدل، يتبادل فيها العسكري والسياسي الاتهامات… مثل هكذا حرب لن يكتب لها الظفر خصوصا إذا ما تراكمت معها أسباب أخرى.
كما يقول عاموس هارئيل المحلل بصحيفة هآرتس إن «سلسلة من المناقشات أجريت الأسابيع القليلة الماضية مع شخصيات رفيعة المستوى في مؤسسة الدفاع تشير بشكل متزايد إلى أن إسرائيل تتجه نحو فشل ذريع متعدد الأبعاد».
لنا في التاريخ العسكري قصة نختم بها، ففي 23 يوليو 1942 أصدر هتلر التوجيه التالي لاحتلال ستالينغراد كغرض فرعي للحرب على روسيا (بربروسا):
«الغرض الرئيسي هو السيطرة على مدينة ستالينغراد وتدمير الدفاعات السوفيتية في المنطقة وقطع خطوط الإمداد الرئيسية للعدو».
توجيه واضح المعالم قابل للقياس، ومع ذلك تحول الهجوم على ستالينغراد إلى معركة استنزاف طويلة ودموية بين الجيش الألماني المهاجم والمدافعين عن المدينة.
معركة ستالينغراد بدأت في 23 أغسطس 1942 وانتهت في 2 فبراير 1943، بهزيمة إستراتيجية للجيش الألماني الغازي. هذا الانتصار كان نقطة تحول رئيسية في الحرب العالمية الثانية، حيث أوقف تقدم القوات الألمانية وبدأ سلسلة من الهزائم التي انتهت في النهاية بسقوط الرايخ الثالث.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه حتى مع وضوح (الغرض) على أهميته فإنه لم يسعف هتلر ويمنع هزيمة جيشه، ذلك أن قتال الجيش النظامي في المدن والحضر (المناطق المبنية) مهمة شاقة والنصر فيها عزيز ونادر، خصوصا إذا كان الجيش قد درب على الحرب الخاطفة، وتصدت له مجاميع من مقاتلين تمترسوا خلف الأنقاض وداخل البيوت المهدمة والشوارع المحفورة وبين الخدمات والمرافق المخربة… مقاتلين بواسل يحملون أرواحهم على أكفهم، ينشدون الشهادة كما ينشد غيرهم زينة الحياة الدنيا… حتى لو كانت ذليلة.
الحاصل، مسار الحرب في غزة ونتائجها حذر منه لواء الاحتياط بالجيش الإسرائيلي إسحاق بريك في مايو/أيار الماضي حين ذكر أن الجيش لا يملك القدرة على إسقاط حركة حماس حتى لو طال أمد الحرب، مشيرا إلى أن إسرائيل إذا استمرت في الحرب ستتكبد خسائر جسيمة تتمثل في انهيار جيش الاحتياط الإسرائيلي خلال فترة وجيزة.
المحتل الصهيوني يريدها حربا طويلة بلا أفق ولا غرض واضح، يقتل فيها كل يوم المزيد من الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة ويدمر ويخرب فيها كل شيء، ونريدها بالمقابل (حرب استنزاف) تتفاقم فيها خسائره وتتحول فيها غزة إلى مأزق إستراتيجي يتعلم منه الغازي المحتل درس الحياة، ويعيد بموجبها حساباته ومن بينها صياغة (غرض) للحرب، يعبر عن واقع الحال، وهو أكثر وضوحاً ودقة:
(القضاء على حماس غرض… يستحيل تحقيقه).
القتل بالضحك.. جريمة التنمر الصامتة
جراح اللسان أعمق من جراح السيوف، ليس كل جرح ينزف دماً، ولا كل ألم يصرخ صاحبه. التنمر آفة... اقرأ المزيد
93
| 15 مايو 2026
النور فى المشاركات الإستراتيجية
المشاركات الهادفة هي طريق النور لإنهاء النزاعات من خلال الوساطة الدبلوماسية المستمرة المثمرة والمستدامة لتقريب وجهات النظر لفض... اقرأ المزيد
72
| 15 مايو 2026
الإيمان.. صمام الأمان في زمن الأزمات
في عالم يزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم، يجد الإنسان نفسه محاصرًا بين ضغوط العمل، تقلبات الأسواق، وأحداث لا... اقرأ المزيد
63
| 15 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
2922
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
2895
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1350
| 13 مايو 2026