رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحرب… شكل من أشكال السياسة تمارس بعنف، محكومة بتحقيق (غرض) محدد يصدره للمؤسسة العسكرية قائد سياسي في إطار توجيه مكتوب. وهو أي (غرض) الحرب من الأهمية بمكان، لأنه يرسم تفاصيل الخطط العملياتية واللوجستية ويعمل على توجيه الجهود بشكل فعال ويحقق التنسيق والتعاون الأمثل بين القطاعات على تنوعها، بل يمكن القول إن دقة تحديد (غرض) الحرب وقابليته على التحقق - الجانب العملي - هي من بين عوامل هامة أخرى - حاسمة في تحقيق نتائج العمليات العسكرية، نصراً أو هزيمة، لذلك الاعتناء به واجب.
(السيوف الحديدية) هو الاسم الذي أطلقه الكيان الصهيوني على العمليات العسكرية على غزة، وكان الأجدر تسميتها (نزع السراويل !!) كما يقول الكاتب حاييم ليفنجستون في جريدة هآرتس، واختار لها رئيس الحكومة نتن ياهو غرضين: «القضاء على حماس، واستعادة الأسرى لدى كتائب الأقصى»، وبعد تسعة أشهر من العدوان تتلاشى آمال الصهاينة في تحقيقها على الرغم من حجم النيران التي فتحت على غزة المحاصرة أصلاً والإبادة الجماعية واسعة النطاق، وهو ما كان تنبأ به عدد غير قليل من المفكرين الإستراتيجيين انتقدوا وحذروا منذ البداية من العمل بنص التوجيه. بينما انتظر جنرالات جيش الاحتلال الصهيوني قتلة الأطفال ثمانية أشهر ليتذكروا أن أغراض الحرب على غزة وعلى وجه الخصوص (غرض القضاء على حماس) ليست غير منطقية فحسب، إنما غير عملية، أي لا يمكن بأي حال من الأحوال تحقيقها…!!!
جاء ذلك في تصريحات المتحدث باسم الجيش دانيال هاغاري «بأن الحديث عن تدمير حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ذر للرماد في عيون الإسرائيليين»، وأضاف في تصريح آخر للقناة 13 الإسرائيلية «فكرة أننا نستطيع تدمير حماس، أو جعلها تختفي فكرة مضللة للجمهور»، مبينا أن «حماس فكرة، ولا يمكننا القضاء على فكرة».
الجنرالات تجاهلوا هذه التحذيرات وفضلوا المضي على عجل بالعدوان منذ اللحظة الأولى، بعد أن أخذتهم صدمة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 من جهة، والشعور الطاغي بالقوة الجبارة (التي لا تقهر!!) تحت تصرفهم والدعم الأمريكي البريطاني غير المحدود من جهة ثالثة، حالهم حال مجنون أصابته هستيريا وبيده آلة قتل مدمرة، فهل سيفكر بالانتقام العاجل ويشفي غليله أم ينصرف لدراسة التوجيه ويتأمل فيه وفي مضامينه ومدى عقلانيته وإمكانية تحقيقه، بحكمة وروية، أكيد سيقع رهينة الاحتمال الأول، وهذا ما حصل بالفعل…
جيش الاحتلال أخطأ في حساباته واكتشف بعد شهور أن حسابات الحقل غير حسابات البيدر! وأنه فشل فشلاً ذريعاً في تحقيق (غرض) الحرب، لكن لأن الهزيمة يتيمة أو قل لقيطة لا أحد يشرفه أبوتها أو انتسابها له، ولكي يخلي رئيس الأركان هاليفي نفسه من مسؤولية الفشل، وجد أن أفضل طريقة هي في تحميلها رئيس حكومة الاحتلال! من خلال تعريضه المتأخر جداً بـ (غرض) الحرب والطريقة التي كان صاغها رئيس الوزراء على شكل توجيه يفتقر للوضوح والمنطق، وإمكانية التحديد والقياس، يريد أن يقول للإسرائيليين إن رئيس حكومتكم هذا ليس فقط جاهلا بل وغير مؤهل لإدارة حرب ناجحة وهو بالتالي يتحمل الإخفاق في تحقيق (غرض) الحرب.
تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» وصف تصريحات الجيش الإسرائيلي بأنها «توبيخ مباشر نادر» لنتانياهو، الذي طالما يشدد على تحقيق ما يسميه بـ»الانتصار الكامل» من خلال ثنائية القضاء على حماس، وإعادة جميع الرهائن الإسرائيليين.
رئيس الحكومة نتن ياهو هو الآخر لم يتأخر بالرد على تشكيك المؤسسة العسكرية واعتبره بمثابة انقلاب على القيادة السياسية المعنية مباشرة بوضع (غرض) الحرب للمؤسسة العسكرية كي تعتمدها كمرشد ودليل لرسم تفاصيل خطط العمليات الحربية واللوجستية، لم ينتظر بل رد على الجيش الإسرائيلي بقوله إن «إسرائيل دولة لها جيش وليست جيشا له دولة»، هو بالمناسبة لم يرد على ملاحظات الجيش حول عدم فاعلية (غرض) الحرب، بل ذهب إلى إدانة انضباط الجيش لا غير، بينما ترك ولده ومؤيدوه للطعن بكفاءة الجيش وقدراته على حسم المعركة لصالحه، بينما هو لم يكن يفوّت فرصة خلال الشهور الماضية لإلقاء اللوم على كبار قادة الجيش والاستخبارات بخصوص ما حدث في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي حين شنت كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس معركة طوفان الأقصى.
من الواضح أن القيادة في الكيان الصهيوني تعاني حالة استعصاء غير مسبوقة، وقد حل الشك محل الثقة المتبادلة بين السياسي والعسكري، وتعاظم الصراع بين المؤسستين وبات حقيقيا لا شكليا، لكن الطرفان مع ذلك تجمعهما الرغبة المشتركة في إطالة أمد الحرب، وكأن هذه الرغبة أصبحت بمثابة (الغرض) المستور أو غير المعلن من الحرب، والكل يراقب الفشل الذريع في تحقيق (غرض) الحرب المعلن لابد من كبش فداء، وعين نتن ياهو على المؤسسة العسكرية بينما عين الأخيرة لا تغادر شخصه، والطرفان يتطلعان إلى تصفية حسابات قديمة مستفيدين من ضبابية التوجيه للحرب.
وهكذا أصبح غرض الحرب لا سيما المتعلق (بالقضاء على حركة حماس) وسيلة لا لإنجاز الحرب بوقت معقول بل إلى الدفع بحرب بلا أفق …. حرب لن تفضي إلى نصر …حرب بعد أشهر من اندلاعها لا يزال غرضها مثار جدل، يتبادل فيها العسكري والسياسي الاتهامات… مثل هكذا حرب لن يكتب لها الظفر خصوصا إذا ما تراكمت معها أسباب أخرى.
كما يقول عاموس هارئيل المحلل بصحيفة هآرتس إن «سلسلة من المناقشات أجريت الأسابيع القليلة الماضية مع شخصيات رفيعة المستوى في مؤسسة الدفاع تشير بشكل متزايد إلى أن إسرائيل تتجه نحو فشل ذريع متعدد الأبعاد».
لنا في التاريخ العسكري قصة نختم بها، ففي 23 يوليو 1942 أصدر هتلر التوجيه التالي لاحتلال ستالينغراد كغرض فرعي للحرب على روسيا (بربروسا):
«الغرض الرئيسي هو السيطرة على مدينة ستالينغراد وتدمير الدفاعات السوفيتية في المنطقة وقطع خطوط الإمداد الرئيسية للعدو».
توجيه واضح المعالم قابل للقياس، ومع ذلك تحول الهجوم على ستالينغراد إلى معركة استنزاف طويلة ودموية بين الجيش الألماني المهاجم والمدافعين عن المدينة.
معركة ستالينغراد بدأت في 23 أغسطس 1942 وانتهت في 2 فبراير 1943، بهزيمة إستراتيجية للجيش الألماني الغازي. هذا الانتصار كان نقطة تحول رئيسية في الحرب العالمية الثانية، حيث أوقف تقدم القوات الألمانية وبدأ سلسلة من الهزائم التي انتهت في النهاية بسقوط الرايخ الثالث.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه حتى مع وضوح (الغرض) على أهميته فإنه لم يسعف هتلر ويمنع هزيمة جيشه، ذلك أن قتال الجيش النظامي في المدن والحضر (المناطق المبنية) مهمة شاقة والنصر فيها عزيز ونادر، خصوصا إذا كان الجيش قد درب على الحرب الخاطفة، وتصدت له مجاميع من مقاتلين تمترسوا خلف الأنقاض وداخل البيوت المهدمة والشوارع المحفورة وبين الخدمات والمرافق المخربة… مقاتلين بواسل يحملون أرواحهم على أكفهم، ينشدون الشهادة كما ينشد غيرهم زينة الحياة الدنيا… حتى لو كانت ذليلة.
الحاصل، مسار الحرب في غزة ونتائجها حذر منه لواء الاحتياط بالجيش الإسرائيلي إسحاق بريك في مايو/أيار الماضي حين ذكر أن الجيش لا يملك القدرة على إسقاط حركة حماس حتى لو طال أمد الحرب، مشيرا إلى أن إسرائيل إذا استمرت في الحرب ستتكبد خسائر جسيمة تتمثل في انهيار جيش الاحتياط الإسرائيلي خلال فترة وجيزة.
المحتل الصهيوني يريدها حربا طويلة بلا أفق ولا غرض واضح، يقتل فيها كل يوم المزيد من الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة ويدمر ويخرب فيها كل شيء، ونريدها بالمقابل (حرب استنزاف) تتفاقم فيها خسائره وتتحول فيها غزة إلى مأزق إستراتيجي يتعلم منه الغازي المحتل درس الحياة، ويعيد بموجبها حساباته ومن بينها صياغة (غرض) للحرب، يعبر عن واقع الحال، وهو أكثر وضوحاً ودقة:
(القضاء على حماس غرض… يستحيل تحقيقه).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4260
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3198
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1125
| 28 سبتمبر 2026